قضايا وآراء

مسجد الطباخ.. وغضب السلاطين!

1300x600
بمجرد خروجك من محطة مترو محمد نجيب في محافظة القاهرة سالكا شارع حسن الأكبر قاصدا باب اللوق؛ تجد على يسارك مسجدا صغيرا رائعا، مسجدا ربما لا يعرفه الكثير من المتخصصين فضلا عن غيرهم. وهو رغم بساطته، يحمل خلفه تاريخا طويلا مثيرا، إنه مسجد الطباخ!

تعود نشأة المسجد إلى العصر المملوكي، حيث تم بناؤه على يد الأمير جمال الدين آقوش سنة ‏1243‏م- 640هـ. وآقوش هذا كان استادارا للملك الصالح نجم الدين أيوب. و"استادار" هي إحدى الوظائف الهامة في العصر المملوكي، وهي كلمة مكونة من مقطعين تعني "أستاذ الدار‏"، أي المسؤول عن القصور السلطانية‏. وكان السلطان أيوب يثق فيه كثيرا ويعتمد عليه في الكثير من أمور الحكم.

قام الأمير آقوش ببناء المسجد وسُمي باسمه "مسجد آقوش"، كما قام بأعمال أخرى عديدة بمصر؛ منها قاعة بالمستشفى المنصوري، كما قام بنحت جدران البيمارستان والمدرسة المنصورية من الداخل والخارج، وجدد الزخارف المذهبة في مباني المنصور قلاوون كلها.

وبعد سنوات من إنشاء الأمير آقوش للمسجد، حدث خلاف بينه وبين السلطان لأمر ما، فاستغل المغرضون الخلاف بينهما وعملوا على استمراره فزادت حدته، ثم قام السلطان على إثره بترحيل الأمير إلى الإسكندرية وحبسه هناك، فتأثر آقوش بتبدل حاله فمات بالسجن، ودفن بتربته التي أنشأها بالقرافة الصغرى (جبّانة الإمام الشافعي) في ربيع الثاني سنة 1368م-667هـ. وبعد موت الأمير آقوش تعرض مسجده للانهيار والهدم.

وفي عهد السلطان الناصر محمد بن قلاوون قام بتكليف أحد أبرز المقربين منه، وهو طباخه المحبب إلى قلبه المدعو علي، وكلفه بتجديد المسجد، فجدده على نفقته الخاصة، وجعل له منبرا غاية في الروعة والجمال، وسُمي المسجد بـ"الطباخ"، نسبة إليه.

والحاج علي؛ كان طباخا ماهرا، كما كان يتولى مهمة الإشراف على مائدة السلطان، ولذا فقد كان شخصية مهمة في القصر يهابه من دونه، وهو مع ذلك كان رجلا تاجرا ثريا.

وعندما تولى الحكم السلطان الكامل سيف الدين شعبان بن الناصر قلاوون؛ استمع لوشاية المغرضين الذين كانوا ساخطين على الحاج علي لقربه من السلطان، فقام بطرده من المطبخ السلطاني، وصادر أمواله. وأُهمل الجامع مرة أخرى، وتحول إلى أطلال تذكر الناس بمفارقات سيرة الطباخ.

وفي عهد السلطان العثماني سليمان القانوني وبالتحديد في عام 1542م-949هـ، تم إعادة بناء المسجد، وقد وثقت لجنة حفظ الآثار العربية عام 1889 ذلك بإشارتها إلى أنه كان مكتوبا على عتبة المسجد العمومية ما يدل على ذلك. وفي عام 1900 قررت لجنة حفظ الآثار العربية في تقريرها الذي حمل رقم 76 عدم تسجيل المسجد ضمن الآثار!!

وفي عام 1931م– 1350هـ؛ وخلال عهد الملك فؤاد الأول، جُدد المسجد على الطراز المملوكي، وخاصة مئذنته، ولا يزال باب المسجد يحمل شريطا كتابيا يشير لذلك، نصه: "جُدد هذا المسجد في عصر صاحب الجلالة فؤاد الأول ملك مصر المعظم سنة 1350هـ".

وبعد الزلزال الذي أصاب مصر عام 1992م-1413هـ، والذي أثر على العديد من المباني الأثرية بالقاهرة التاريخية؛ قامت وزارة الأوقاف بهدم القسم العلوي من المئذنة وأعادت بناءها محاولة الاقتراب من شكلها الطبيعي.

والمسجد مبني من الطوب الأحمر، وله باب واحد رئيس يطل على الميدان، وبه منبر خشبي مزركش ومزخرف بفتحات من الأرابيسك.

وعن المسجد تقول الدكتورة سعاد ماهر في كتابها "مساجد مصر وأولياؤها الصالحون"، إن الجامع الموجود حاليا بشارع الصنافيري أقيم مكان الجامع القديم، وهو مسجد غير منتظم الأضلاع تتوسطه أربع دعائم كبيرة يقوم عليها السقف الخشبي المنقوش بالزخارف الزيتية الجميلة، ويعلو الدعائم الأربع رقبة مثمنة بها ثماني نوافذ تعلوها قبة ضخمة. وأضلاع المسجد المتعدد تحتوي على فتحات مملوءة بالزجاج المعشّق، وهذه الفتحات تكون كل ثلاث منها نافذة قنديلية الشكل.

وهكذا ظل المسجد يحمل اسم بانيه (الطباخ) رغم كل ما فعله السلطان الكامل شعبان من مصادرة أمواله وإزالة اسمه، فلم تفلح مساعيه كما أفلحت مساعي من قبله في إزالة اسم الأمير (آقوش)!