قضايا وآراء

هل يوجد مرجع أعلى للديمقراطية في مسار الانتقال الديمقراطي؟

1300x600

في المستوى السطحي، يبدو أنّ من أبرز متناقضات الثورة التونسية (بل كل الثورات العربية)؛ هو أن من كانوا زمن الاستبداد يحتكرون الخطاب "الديمقراطي" والتقدمية وحقوق الإنسان، وغيرها من المفاهيم المؤسسة للاجتماع السياسي الحديث، هم أكثر الناس انقلابا على تلك المفاهيم وزهدا فيها بعد 17 كانون الثاني/ يناير 2011. ولكن هذا "التناقض" سرعان ما ينحل إذا ما تجاوزنا مستوى تمثل الذات "الديمقراطية" لذاتها، وتعاملنا مع ادعاءاتها ومزايداتها بأخذ المسافة النقدية اللازمة. وقد لا نكون محتاجين إلى التذكير بأن غياب "النقد الذاتي" والمراجعات، التي هي من صميم الحداثة السياسية، سيجعل من كل اشتغال نقدي على "العائلة الديمقراطية" موصوما بـ"الأخونة"، وبمعاداة "النمط المجتمعي التونسي" وأساطيره التأسيسية، بل موصوما بخدمة "الربيع العبري" والمؤامرة الكونية التي حيكت ضد تونس وبلدان الربيع العربي، ولكنها ضريبة لا بد من تحملها للبحث عن المشترك الوطني الذي لم ينجح الدستور (رغم أهميته) في إرسائه إلا بصورة هشة وقابلة للانتكاس.

لعل أهم ما يميز "العائلة الديمقراطية" التونسية (وهي حاضنة الوعي الانقلابي في صيغه الأكثر دموية حينا وفي صيغه "الناعمة" أحيانا أخرى)، هو أنها كانت تعرّف نفسها منذ الزمن الاستبدادي بالتعارض الأساسي مع الإسلاميين، والتعارض الثانوي مع النظام. ولذلك كان نظام المخلوع في صراعه ضد الإسلاميين (بل في سعيه إلى منع انبثاق حقل سياسي حقيقي في تونس)، يجد دعما لا مشروطا من مكوّنات "العائلة الديمقراطية"، سواء منها التي قبلت العمل القانوني، والتحول من ثم إلى ديكور في المشهد السياسي، أو تلك التي حافظت على سرية العمل وراديكالية المطالب، ولكنها لم تجد حرجا في الدعم العلني للمخلوع إبان محرقة الإسلاميين أوائل التسعينيات من القرن الماضي.

لقد كانت العائلة الديمقراطية (بمكوناتها اليسارية أساسا) هي الخزّان البشري لآلتي القمع البوليسي والأيديولوجي زمن المخلوع، ولم تكن السرديات التحررية الكبرى (خاصة السردية الماركسية) عند أغلب النخب اليسارية؛ إلا أداة للتموضع داخل النظام، أو للسيطرة على هوامشه الوظيفية في النقابات والإعلام والثقافة وغيرها.

 

 

كانت العائلة الديمقراطية (بمكوناتها اليسارية أساسا) هي الخزّان البشري لآلتي القمع البوليسي والأيديولوجي زمن المخلوع


استصحابا للمعنى اللائكي الفرنسي للعلمنة (وهو المعنى المرادف لمعاداة الدين وتحول الدولة ذاتها إلى "ديانة وضعية" تُشرّع للفضاء الخاص قبل الفضاء العام)، واستنادا إلى ميراث الاستشراق الكلاسيكي القائل بـ"الاستثناء الإسلامي" (أي باستحالة أن يقبل الإسلام ذاته) كالمسيحية (عملية العلمنة والتحول إلى رافد من الروافد المؤسسة للحداثة السياسية)، تعاملت "العائلة الديمقراطية" بأحزابها اليسارية والقومية والتجمعية- الجديدة مع الإسلام السياسي؛ باعتباره جسما غريبا على الحياة السياسية "الطبيعية"، بل جسما خطيرا على الحياة المجتمعية بأكملها. وبصرف النظر عن تهافت هذا المنطق الذي يفترض وجود حياة سياسية طبيعية زمن الاستبداد، أو إمكانية وجودها بعد الثورة بإقصاء الإسلاميين وما يُمثلونه من شرائح مجتمعية واسعة، فإنّ دخول الإسلاميين إلى مجال الحياة السياسية القانونية، لم يكن في تقديرنا إلا سببا من جملة الأسباب التي كشفت زيف "الديمقراطيين" قبل غيرهم.

يُعلّمنا الدرس السياسي في البلدان التي عرفت الاستبداد؛ أن تأثيرات الاستراتيجيات السلطوية الهادفة إلى منع انبثاق حقل سياسي "طبيعي"، تتجاوز القائمين عليها لتشمل موضوعاتها أو المستهدفين منها (أي الشخصيات والأحزاب وحتى الإيديولوجيات المعارضة). فكم من حامل لمشروع تحرير تحوّل بعد إزاحة الاستبداد إلى دكتاتور أسوأ ممن عارضهم، وكم من أيديولوجيا انبنت على مشاريع تتجاوز الدولة- الأمة واتفاقيات سايكس بيكو؛ تحولت إلى مشروع للاستبداد العسكري والطائفي أو إلى حليف للنظام الجهوي- الزبوني، وكم من مشاريع "ديمقراطية" انقلبت على عقبيها لتصبح أداة في خدمة القمع وضرب الإرادة الشعبية. ولا شك في أن النخب العلمانية التونسية لا تخرج عن هذه القاعدة العامة، فسردياتها الكبرى وخطاباتها الطوباوية تحولت واقعيا إلى جزء من المنظومة الاستبدادية في عهد المخلوع، وإلى حليف موضوعي في خدمة ورثة الاستبداد بعد الثورة.

كثيرا ما طلب "الديمقراطيون" من الإسلاميين (خاصة من حركة النهضة) "تَونسة" أفكارهم؛ حتى يُعطوا "صك الغفران" من سدنة الحداثة في بلادنا. وبصرف النظر عن كون أغلب اللاهجين بهذه الدعوة هم من المنظرين أو من الساكتين عن "محاكم التفتيش" الحداثية زمن المخلوع، وبصرف النظر عن معنى "التَونسة" في ظل هويات جماعية متحركة؛ ولكن يراد تثبيتها ضد إرادة المواطنين والتاريخ، فإن السؤال "المقموع" في كل الدعوات يظل هو السؤال التالي: ما هي حصيلة تَونسة السرديات الحداثية الكبرى (بيساريها وقوميها ووطنيّها) في تونس، أو ماذا ربح التونسيون من "تَونسة" تلك السرديات زمن المخلوع وبعد الثورة، وماذا خسرت منظومة الحكم الجهوية- الزبونية وورثتها؟ إنه سؤال لا ننتظر الإجابة عنه في المدى المنظور (بحكم غلبة الدوغمائية وسياسة الهروب إلى الأمام)، ولكنه سيظل محافظا على راهنيته حتى يجد عقولا حداثية حقيقية تواجهه دون مخاتلة.

 

كم من حامل لمشروع تحرير تحوّل بعد إزاحة الاستبداد إلى دكتاتور أسوأ ممن عارضهم، وكم من أيديولوجيا انبنت على مشاريع تتجاوز الدولة- الأمة واتفاقيات سايكس بيكو؛ تحولت إلى مشروع للاستبداد العسكري والطائفي

مما لا شك فيه، أن الإسلاميين يحتاجون إلى الاشتغال على ذواتهم وعلى خطاباتهم للوصول إلى مشترك مواطني يجمعهم مع باقي الفاعلين الجماعيين في تونس، ولكنّ هذه الحقيقة لا تعني أن "العائلة الديمقراطية" لا تحتاج إلى القيام بالمجهود نفسه لتجاوز "الانفصام" الحاد؛ الذي يشهد عليه البون الشاسع بين ادعاءاتها الذاتية وبين مواقفها العملية. فالتونسيون لا ينسون موقف "الديمقراطيين" من ورثة التجمع في الداخل عندما اعتبروهم جزءا من "العائلة الديمقراطية"، ولا ينسون موقفهم من الانقلاب المصري الذي اعتبروه "ثورة تصحيحية"، والتونسيون لا ينسون أيضا دعم "الديمقراطيين" للانقلابي حفتر ومعاداتهم للحكومة المعترف بها دوليا، ولا ينسون أخيرا تحالف هؤلاء "الديمقراطيين" مع المحور السعودي الإماراتي المعادي للثورات العربية، والراعي للإرهاب في سوريا "الممانعة" قبل غيرها. إن "الديمقراطيين" الذين يُشيطنون النهضة ويرفضون التعامل معها بذريعة "ميراث الدم" (رغم أن ما على أيدي اليساريين من دماء النهضويين زمن المخلوع ما لا تمحوه الادعاءات ولا "التوافق")، لا يجدون أي حرج في التعامل مع ورثة التجمع الذين ولغوا في دماء التونسيين حتى يوم 13 كانون الثاني/ يناير 2011، ولا يجدون حرجا في التعامل مع المحور الإماراتي السعودي، رغم ولوغه في دم اليمنيين والسوريين إلى حد هذه اللحظة، ورغم وجود قرائن قوية تشي بتورط الإمارات والسعودية في العمليات الإرهابية في تونس.

عند تفسير الظواهر المجتمعية، قد تجد بعض العقول لذة في "المجهود الذهني الأدنى" الذي يرد التعقد إلى عامل مفرد تفسر به كل شيء. فمن السهل علينا أن نقول مثلا إن العداء الأيديولوجي الذي تحمله "القوى الديمقراطية" للنهضة، هو سبب صراعها المفتوح ضدها قبل الثورة وبعدها، ولكن هذا القول سيحجب الواقع أكثر مما يُفسره. فما يُسمّى بالقوى الديمقراطية هي فاعل لها مصالح مادية ورمزية، قد لا تكون الأيديولوجية إلا غطاء مناسبا للدفاع عنها أمام المخاطر التي تتهددها بعد دخول الإسلاميين. كما أنّ الأصول الأيديولوجية لأغلب النخب "الديمقراطية" توجب علينا طرح العديد من التساؤلات عن مدى قطعها مع الإرث" الدوغمائي"؛ الذي يحكم سردياتها الكبرى وأصولها النظرية.

رغم أننا في تونس نتحرك في إطار ديمقراطية ليبرالية، فإن أغلب المفردات السياسية الموظفة لإدارة الصراع تنتمي في جوهرها إلى ميراث"دكتاتورية البروليتاريا" و"الدين أفيون الشعوب"، أو تنتمي إلى ثقافة الوطن- الحزب- الزعيم، وما انبنى عليها من أنظمة استبدادية لم تكن اللحظتان الدستورية والتجمعية إلا تجسيدا لها. وهو ما يعني في التحليل الأخير، وجود هوة سحيقة بين "الإطار المؤسساتي" الناظم للعمل السياسي، وأنماط الوعي المؤدلج ظاهريا (والبراغماتي واقعيا)، وهي الأنماط (أو الهويات القاتلة) التي تتصارع من أجل احتكار المجال العام، وإنتاج المعنى "الصحيح" والملزم للكل مهما اختلفوا. ولا نستثني من هذه "الآفة" أحدا مهما زايد على غيره بالوطنية أو الديمقراطية أو المظلومية، أو غيرها من "آلات الصيد" الديمقراطي في هذا الانتقال الديمقراطي الهش. وما لم يعترف الجميع بأنهم يتعلمون الديمقراطية التي لم تعرفها تونس منذ الاستقلال الصوري عن فرنسا، وما لم يؤمنوا بأن عليهم إدارة اختلافاتهم بعيدا عن الميراث الاستبدادي وعن الاستقواء بورثته ضد بعضه البعض، فإنهم سيواصلون خدمة النواة الصلبة لمنظومة الحكم، وسيبقون مجرد طوابير خامسة في خدمة تلك المنظومة، مهما كانت ادعاءاتهم ومزايداتهم.