كتاب عربي 21

هل انتهت أزمة "أس400"؟

1300x600
التقى الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، نظيره الأمريكي دونالد ترامب، السبت الماضي، على هامش قمة مجموعة العشرين في مدينة أوساكا اليابانية، في ظل الأزمة التي تعيشها العلاقات التركية الأمريكية، بسبب إصرار أنقرة على شراء منظومة "إس 400" الدفاعية من روسيا، على الرغم من معارضة واشنطن وتهديدها بفرض عقوبات على تركيا.

الأنظار كانت متجهة إلى هذا اللقاء الذي جاء قبيل وصول المنظومة الروسية إلى تركيا، لاستشراف ما ستؤول إليه أزمة "إس 400". وقال ترامب خلال اللقاء إن الرئيس التركي أراد شراء منظومة باتريوت الأمريكية من إدارة أوباما، إلا أنها لم تسمح له بذلك، ولذا اضطر لشراء منظومة "إس 400"، مضيفا أن التعامل مع تركيا لم يكن عادلا في عهد أوباما.

هذه التصريحات اعتبرت مؤشرا لانفراجة في أزمة "إس 400"، وتراجعا في موقف الولايات المتحدة المتشدد من هذا الملف، وخلقت حالة ارتياح في تركيا، كما ظهرت انعكاساتها على الصعيد الاقتصادي، لتؤدي إلى ارتفاع سعر الليرة التركية أمام الدولار الأمريكي بشكل ملحوظ، إلا أن من المبكر أن يقال إن هذه الأزمة بين أنقرة وواشنطن انتهت وطويت صفحتها.

لقاء أردوغان وترامب الأخير في أجواء إيجابية خيَّب آمال أنظمة إقليمية وقوى سياسية كانت تنتظر أن تشتد الأزمة بين أنقرة وواشنطن، كما شكَّل إبداء الرئيس الأمريكي رغبته في رفع حجم التبادل التجاري بين بلاده وتركيا، صدمة أخرى لتلك الأنظمة والقوى المعادية لرئيس الجمهورية التركي؛ لأنها تأمل أن تقوم واشنطن بالتضييق على أنقرة بعقوبات تؤدي إلى تدمير اقتصاد تركيا وإسقاط حكومتها.

هناك تفاؤل حذر في العاصمة التركية؛ لأن التجارب السابقة مع تصريحات الرئيس الأمريكي تقول إن ترامب قد يتراجع عنها في أي لحظة، ويستجيب لضغوط وزارة الدفاع الأمريكية. ومع ذلك، ترى أنقرة أن الأجواء الإيجابية التي خيَّمت على لقاء الزعيمين في أوساكا؛ يمكن أن تشكل مدخلا لترميم العلاقات التركية الأمريكية المتشابكة.

منظومة "إس 400" الدفاعية ستصل إلى تركيا بعد أيام، ما يعني أن وجودها لدى الجيش التركي سيصبح أمرا واقعا، على الرغم من معارضة الولايات المتحدة، كما يعني انتصار أنقرة على واشنطن في معركة عض الأصابع. وبالتالي، يطرح هذا السؤال نفسه: "هل ستفرض الإدارة الأمريكية عقوبات على تركيا أم ستنسى تهديداتها؟".

المتوقع في أنقرة أن تفرض إدارة ترامب على تركيا عقوبات مخففة، حفاظا على ماء وجهها، وليتمكن الرئيس الأمريكي من القول للناخبين الأمريكيين إنه قام بمعاقبة أنقرة على عدم تراجعها من شراء منظومة "إس 400" الدفاعية من روسيا، دون أن تؤدي تلك العقوبات إلى قطيعة بين البلدين أو تدهور العلاقات الثنائية بشكل غير مسبوق.

شراء تركيا منظومة "إس 400 من روسيا ليس الملف الوحيد الذي تختلف فيه أنقرة وواشنطن، بل هناك ملفات أخرى بحاجة إلى معالجة، كما أن بعض تلك الملفات أكثر تعقيدا من ملف "إس 400"، مثل الدعم الأمريكي للتنظيمات الإرهابية التي تهدد أمن تركيا واستقرارها، كتنظيم الكيان الموازي وحزب العمال الكردستاني. ويشير الجنرال التركي المتقاعد، بايزيد قاراطاش، في حديثه لصحيفة "يني شفق" المقربة من الحكومة التركية، إلى وجود أزمة بين أنقرة وواشنطن في 23 ملفا، مشددا على أهمية امتلاك الجيش التركي لمنظومة "إس 400" الدفاعية لتعزيز قدراته على حماية البلاد.

هناك سؤال آخر يثار حول الموضوع، وهو: "ماذا سيفعل حلف شمال الأطلسي (الناتو) بعد وصول منظومة "إس 400" الدفاعية إلى تركيا؟". وفي جوابه على هذا السؤال، أكَّد باسات أوزتورك، السفير التركي لدى الناتو، أن شراء بلاده منظومة "إس 400" الروسية لا يشكل مشكلة بين أنقرة والناتو، مشيرا إلى أنه "خلاف ثنائي بين تركيا والولايات المتحدة الأمريكية". بل ويرى الأتراك أنه "قد يأتي يوم تقوم تركيا بالدفاع عن دول الناتو بهذه المنظومة".

العلاقات التركية الأمريكية قد تشهد في المستقبل تحسنا أو تدهورا، إلا أن استلام تركيا لمنظومة "إس 400" الدفاعية من روسيا سيدشن بالتأكيد مرحلة جديدة، وسيفرض معادلة في العلاقات الثنائية، مبنية على الاحترام المتبادل للسيادة واستقلالية القرار. ولن يكون بعد الآن بإمكان واشنطن أن تتدخل في القرار التركي من خلال التلويح بفرض عقوبات، بل المصالح المتبادلة هي التي ستشكل أرضية العلاقات بين البلدين.