قضايا وآراء

دبلوماسية القوارب المسلحة الأمريكية في الخليج

1300x600
الدبلوماسية هي المنهج، كما أنها تعني الأداة، مثلما تعني فن إدارة العلاقات الخارجية للدولة، على النحو الذي فصلناه في كتابنا حول الإدارة الدبلوماسية وتطبيقاتها المعاصرة 2019.

ودبلوماسية القوارب المسلحة كانت معروفة ومتواترة في القرن التاسع عشر، يوم كانت الدول الكبرى الاستعمارية تستخدم القوة؛ إما لتأديب الدولة الأخرى أو للضغط وإرغامها على اتخاذ موقف معين. ولذلك، كانت هذه الطريقة تمارس إما قبل بدء المفاوضات، أو قطع المفاوضات وممارستها لتحسين موقف الدولة القائمة بالمناورات المسلحة في هذه المفاوضات.

ودبلوماسية القوارب المسلحة لم يقتصر هدفها على الترهيب والضغط، وإنما كانت أحيانا أداة للاحتلال، كما حدث مع مصر عندما احتلها الأسطول البريطاني، بدءا بقصف الاسكندرية في 11 تموز/ يوليو 1881.

وقد حشدت فرنسا أسطولها في البحر المتوسط عام 1840 لاحتلال تونس، ولم يكن الحشد لتأديب الوالي التركي، الذي كان مجرد ذريعة. أما في العراق عام 2002، فقد اتخذ قرار غزو العراق قبل أحداث أيلول/ سبتمبر، ولكن تم البدء باحتلال أفغانستان بينما تم التهيئة لغزو العراق. فقد احتشدت القوات الأمريكية عام 2002، وتم الغزو والاحتلال في 8 نيسان/ أبريل 2003.

والطريف، أن العراق بعد أن احتل الكويت، لم تكن واشنطن قد اتخذت قرار غزو العراق استنادا إلى قرارات مجلس الأمن، وقادت بدلا من ذلك تحالفا دوليا يزيد أعضاؤه على أربعين دولة عربية وإسلامية. فذهبت القوات الأمريكية ليس للضغط على العراق لكي ينسحب من الكويت أو لتأديب المعتدى، وإنما كان هدفها عزل صدام والعراق وتدمير الجيش العراقي، بدعم عربي وبسند قانوني دولي، ولم يكن الهدف هو إسقاط صدام.

أما بعد عشر سنوات أي 2002 فكان القرار هو غزو العراق بمزاعم تهديد صدام لأمن إسرائيل والعالم بأسلحة الدمار الشامل وانطلاق الإرهاب الذي زعم أنه ضرب نيويورك من العراق. ففي عام 1991 ضربت واشنطن العراق بمشاركة عربية. أما عام 2003 فقد احتلت واشنطن العراق بالتواطؤ العربي.

وفى عام 1991، أفضى التحالف الدولي الذي قادته واشنطن إلى منحدر نهائي للقضية الفلسطينية، وكان ذلك يكفي بديلا عن غزو العراق حتى كان عام 2003. ارتبط الغزو بخطط إسرائيلية بتقسيم العراق وإحداث فتنة طائفية شيعية- سنية لتدمير العراق.

السؤال المطروح: إذا كانت دبلوماسية القوارب المسلحة تراوحت أهدافها في السلوك الدولي بين الضغط والحرب الفعلية، ولم تمارس الولايات المتحدة دبلوماسية القوارب المسلحة في الخليج من قبل، خاصة وأن واشنطن وطهران تتمسكان بعدم الرغبة في الصدام العسكري. فما هي كوابح واشنطن لعدم الهجوم العسكري على إيران؟ وما الفرق بين حالتي إيران والعراق؟

نجحت واشنطن في غزو العراق بسبب عدة اعتبارات أولها الرغبة العارمة لإسرائيل في دفع واشنطن إلى الغزو، حيث عبثت إسرائيل بالذخائر الأثرية العراقية، واعتبرت تحطيم العراق وإخراجه من الساحة العربية انتصارا كبيرا أسهم في تسريع المشروع الصهيوني.

الاعتبار الثاني، هو تحالف إيران مع واشنطن في غزو العراق انتقاما من صدام حسين الذي دفعته واشنطن إلى غزو إيران بتمويل خليجي، خاصة وأن واشنطن أعلنت أنها دخلت العراق لوضعها على طريق الديمقراطية، أي هيمنة الشيعة، ومساعدتهم واشنطن على الغزو والتطهير العرقي والطائفي للسنة، وضرب المقاومة العراقية السنية ضد الاحتلال الأمريكي.

الاعتبار الثالث، هو شبه الإجماع العربي على مساندة الغزو، والتقارب الإيراني السعودي على حساب العراق.

الاعتبار الرابع، أن حيازة العراق لأسلحة دمار شامل كان ذريعة كاذبة، ولو كانت لدى العراق فعلا أسلحة دمار شامل لما جرأت واشنطن على غزوها.

الاعتبار الخامس، هو الدعاية ضد صدام حسين في المنطقة العربية، ومع ذلك ظلت قطاعات عريضة من الرأي العام تعتبر صدام الطرف العربي الوحيد الذي تصدى لواشنطن، ومن قبل ذلك، عندما أطلق بعض الصواريخ صوب إسرائيل رغم أنها استغلت الحادث لفوائد جمة.

ما هي أوراق إيران وواشنطن في هذه المواجهة السياسية أو العسكرية؟ تتمتع إيران بأوراق كثيرة، منها أنها على أرضها وتتعرض للهجوم في منطقتها، كما أن الشعب الإيراني معبأ ضد أمريكا وإسرائيل والخليج، فضلا عن أذرع إيران وتحالفاتها في العراق ولبنان واليمن وقواتها في سوريا. وتخشى واشنطن اندلاع جرب إقليمية تصفي فيها موسكو حساباتها وتضار إسرائيل.

أما أوراق واشنطن فهي قواتها وإسرائيل والخليج، ولكن للقوة الأمريكية حدودا ولفرص إسرائيل مخاطر. لذلك، فإن الاحتمالات الغامضة للحرب، خاصة في مجال البترول وحياة دول الخليج تسيطر على حسابات الأطراف.

قد لا يكون لدى الجميع الرغبة في المواجهة بين إيران وواشنطن عدا إسرائيل التي تريد واشنطن أن توفر ستارا لضرب المنشآت النووية، وليس من المصلحة استمرار التوتر، كما أن الحشد الأمريكي لن يدفع إيران إلى تقديم تنازلات.