قضايا وآراء

الغنوشي في باريس: بين الدبلوماسية الشعبية والتأويلات السياسية

1300x600

(تصدير: "الحضارات المنتصرة تنصر رموزها وثقافتها ومعتقداتها والحضارات المهزومة تهزم رموزها وثقافتها ومعتقداتها")

1- خبر الزيارة والدبلوماسية الشعبية

منذ لقاء باريس في آب/ أغسطس 2013، بين الأستاذ راشد والأستاذ الباجي واتفاقهما على مبدأ التوافق بين الحزبين وما انتهت إليه انتخابات 2014 من تقاسم السلطة، ظل الأستاذ راشد الغنوشي يمارس ما اصطلح عليه بـ"الدبلوماسية الشعبية"، فكان حضوره الدولي أوسع من حضور الرسميين في تونس، من وزراء ورئيس حكومة وحتى رئيس الجمهورية.

الجهات الرسمية لم تنزعج أو على الأقل لم تعبر عن انزعاج من هذا الحضور، ولكن الخصوم السياسيين لحركة النهضة، وتحديدا للأستاذ الغنوشي، هم الذين ظلوا يعترضون على هذا التحرك، ويعتبرونه تدخلا في شؤون الدولة الرسمية وفي عمل مؤسساتها.

أوردت صفحة الأستاذ راشد الغنوشي الإعلام التالي:

يؤدي الأستاذ راشد الغنوشي زيارة لفرنسا من 14 أيار/ مايو إلى 20 أيار/ مايو 2019 مرفوقا بوفد.. وتشمل الزيارة لقاءات مع مسؤولين في الرئاسة ورئاسة الحكومة ووزارة الخارجية والجمعية الوطنية (البرلمان) ومجلس الشيوخ الفرنسي ومجموعة من رموز السياسة الفرنسية. كما تحتوي على لقاءات مع خبراء ومختصين في العالم العربي. وسيكون للأستاذ راشد أيضا لقاءات مع الجالية التونسية المقيمة في فرنسا للتباحث في مشاغلهم واهتماماتهم. تأتي هذه الزيارة في إطار الدبلوماسية الشعبية التي تقوم بها حركة النهضة في التواصل مع شركاء تونس الإقليميين والدوليين، وذلك لتعزيز مجهودات الدبلوماسية الرسمية ضمن السياسات الخارجية الكبرى للدولة ومصالحها العليا".

ثم أعلنت الصفحة أنه تمت خلال اليومين الأولين من الزيارة اللقاءات التالية:

- لقاء مع المستشار الدبلوماسي لدى الرئيس ماكرون، السيد أورليان لوشوفاليه.

- لقاء مع كاتب الدولة للخارجية السيد جان بابتيست لومواني.

- لقاء مع طاقم إدارة شؤون الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بوزارة الخارجية.

- لقاء مع لجنة الصداقة الفرنسية التونسية بالبرلمان، ورئيسها السيد جيروم لمبار.

- لقاء مع السيد جان بيار رفاران، الوزير الأول الأسبق ورئيس منظمة "قادة من أجل السلام".

- لقاء مع السيد جان بيار شوفانمان: الوزير الأسبق ورئيس مؤسسة ريسبوبليكا (Fondation Respublic).

2- تأويلات الزيارة

خبر الزيارة أحدث جدلا كبيرا بين النخبة التونسية وبين قطاع واسع من نشطاء الفيسبوك، بين مفاخر بقوة حضور الغنوشي في الساحة الدولية وقوة حظوظ النهضة في المستقبل السياسي التونسي، وبين محتجين على الزيارة يرونها من غير اختصاص شخصية قيادية حزبية، بل ثمة من يذهب إلى كونها "زيارة صفقة" بين الغنوشي والإدارة الفرنسية، ويؤولون تحركات الرجل تأويلات خارج المصلحة الوطنية، بل ثمة من قارن رمزية الغنوشي لدى الفرنسيين برمزية بورقيبة، ليخلصوا إلى أن النتيجة ستكون متشابهة، أي تسليم السلطة مقابل تسليم السيادة الوطنية، وعدم تعديل عقود استغلال فرنسا لثروات تونس.

 

سيكون فرق بين أن يكون الرئيس الفرنسي ماكرون هو من طلب ملاقاة الأستاذ راشد، وبين أن يكون اللقاء بطلب من الضيف

سيكون فرق بين أن يكون الرئيس الفرنسي ماكرون هو من طلب ملاقاة الأستاذ راشد، وبين أن يكون اللقاء بطلب من الضيف. وفي كل الحالات، يجدر إبداء عدد من الملاحظات:

- ماكرون في ميزان النضال والفكر والمعنى لا يمكن أن يرقى إلى مكانة الأستاذ راشد الغنوشي (حقيقة لا عاطفة)، ولكن لأن الغنوشي ينتمي إلى دولة ضعيفة وحضارة مهزومة، وحين يلتقي ماكرون فإن خصومه يقللون من أهمية الضيف، في حين يفرح أنصاره باللقاء ذاته كحدث مشرف لزعيمهم ولحركتهم، حتى دون البحث في موضوعات اللقاء أو التساؤل عن خفاياه.

- انتباه "الكبار" لشخصيات ورموز من الدول التابعة أمر عادي في عالم السياسة والمصالح، وليس في ذلك ما يعيبُ المنتَبَهَ إليه؛ طالما اشتغل ضمن مصلحة شعبه ووطنه، ولم يقبل بأن يكون صاحب "دور" موكول إليه في بلاده أو في المنطقة.

 

يتوقف الأمر على ثقة الناس برموزهم وزعمائهم، فلا يبحثون في تفاصيل، ولا يسيؤون نوايا، ولا يتوجسون من "بيع" و"شراء"

وهنا يتوقف الأمر على ثقة الناس برموزهم وزعمائهم، فلا يبحثون في تفاصيل، ولا يسيؤون نوايا، ولا يتوجسون من "بيع" و"شراء"، طالما هم خبروا زعماءهم ووثقوا بهم واطمأنوا إليهم، واعتادوا مصارحتهم لهم وإطلاعهم على حدّ أدنى من الحقائق والمعلوات.

- المبالغة في تصوير اللقاء على أنه اعترافُ دولة كبرى مثل فرنسا؛ بزعامة سياسية للأستاذ راشد الغنوشي، وأنهم تخيّروه من بين كل السياسيين والشخصيات الوطنية، دون تنزيل "الدعوة" في مجالها، تُعدُّ ترويجا لأوهام ومغالطة لعموم الناس، أيضا (وهو الأخطر) دفعا إلى الاطمئنان إلى كوننا في أحسن حال، وأننا أصبحنا "نلعب" مع الكبار، وأنه لم يعد أحدٌ من الخصوم ليقدرَ علينا لا في الداخل ولا في الخارج. وهل تؤتى الجماعات إلا من أوهامها وطمأنينتها؟

كما إن المبالغة في التوهين والتهوين من شأن الزيارة وشأن الضيف (لكونه خصما سياسيا) إنما هي تعبير عن امتهان للذات التونسية، واحتقار لرموزها، وتشويش على ما يمكن أن يحصل من إفادة ونفع للبلاد والعباد. وهل تُخترق المجتمعات إلا من الأحقاد والنكايات؟

 

حادثة الطائرة ليست تلقائية ولا فجائية، إنما هي مرتبة جيدا، ويقف وراءها من لهم طموحات كبيرة.


- صحيح أنه ليس للرجل صفة "رسمية" يُدعى بعنوانها لمقابلة رؤساء الدول ورؤساء الحكومات ومسؤولي الدول، ولكن الأصح أيضا أنه هو الأقدر (تونسيا) على تمرير "الرسميين" في بلاده، من رؤساء حكومات أو رؤساء دول، في ظل وضع بصدد التشكل والتوجه نحو مرفأ الاستقرار. وهو إذ يُدعى فليس لعلاقات شخصية بصاحب الدعوة، وإنما يُدعى لما له من حضور سياسي، ولما لحركته من قوة جماهيرية وتنظيمية، ولما تتوفر عليه من حظوظ انتخابية.

- علينا، ونحن نتكلم عن علاقاتنا بالآخرين، أن نستحضر بأننا ما زلنا بعد في منطقة العالمثالثي لم نغادرها، وما زلنا مرتهنين اقتصاديا وأمنيا للجهات المانحة والمقرضة و"الحامية"، رغم أننا نمر بفائض من الحرية، وحتى العبث والفوضى، وهذا ما يُحفزنا للسعي كدحا ومكابدة وتضحية؛ عسانا نرقى مراقيَ نكون فيها قادرين على بناء علاقات متكافئة وندّية مع الآخرين، فلا نخجل من التعامل معهم على قاعدة "المصالح المشتركة".