مقالات مختارة

غزة كلها تستحق العيش بكرامة!

1300x600
يوجد وضع إنساني كارثي في قطاع غزة، مستمر منذ فرض الحصار قبل 13 عاما، وتفاقم بشكل كبير منذ سنتين بعد العقوبات التي فرضتها السلطة، تزامن ذلك مع تراجع حاد في مستوى الدعم الواصل لغزة.

اعتبارات كثيرة أخرى عقّدت المشهد وزادت من صعوبات الحياة، منها عجز حماس عن المؤامة بين مشروع المقاومة وقدرتها على إدارة القطاع، وفي هذا حديث طويل كتبت فيه قبل ذلك، إلا أن العوامل الأخرى لا يمكن التقليل من دورها في إفشال هذه التجربة.

جرب الاحتلال أساليب مختلفة لإنهاء حالة المقاومة في غزة خلال العقدين الأخيرين، بدءا بالمحاولة اليائسة لقمع الانتفاضة والتي آلت إلى انسحابه من القطاع، مرورا بالحصار والحروب وجولات العدوان.

لم تفلح تلك المحاولات في القضاء على الحالة الثورية في غزة تماما، إلا أن الحصار والخنق والتجويع كان يعمل بصمت في الوقت ذاته كما ينتشر السرطان ويتمدد في الجسد الغزي المنهك، واليوم وبعد 13 عاما على الحصار، وصلت الأمور ذروتها أو تكاد.

الواقع المأساوي مربوط في ذهن شريحة من الغزيين بوصول حركة حماس إلى الحكم دون النظر بأهمية إلى العوامل الأخرى، ومربوط في ذهنية أنصار الحركة بالمؤامرة والاحتلال والسلطة برئاسة محمود عباس.

هذا الاختلاف في تحديد المسؤول المباشر عن المعاناة يتجلى على أرض الواقع، وتظهر ملامحه خلال التحركات الشعبية المنقسمة، والتي خرجت خلال الأيام الأخيرة في غزة، منها ما يرفع شعارات تهاجم عباس وأخرى تهاجم حماس.

ولا تبدو كل تفاصيل هذه الحراكات عفوية على كلا الحالتين، خصوصا إذا ما نظرنا إلى طبيعة التصريحات الصادرة عن بعض الناطقين والمسؤولين، وبعضها كان مؤسفا وتحريضيا إلى حد كبير، بل وصل الحال ببعضهم مثل الهباش إلى تحريض الناس على الموت في وجه حماس.

لا شك أن التعامل الأمني أو القمع لن يحل المشكلة وهناك تصرفات أمنية غير مقبولة، لأنها مرتبطة بالمشكلة الأكبر وهي الانقسام، وإذا ما ترك الأمر على هذا الحال وتصادمت الجماهير في الشارع، فربما تبدأ صفحة جديدة من الاحتراب الداخلي لا يتمناها ولا يحرض عليها إلا كل مأفون ومشبوه وحاقد.

انتخابات تشريعية ورئاسية وانتخابات للمجلس الوطني يشارك فيها جميع الفلسطينيين في أماكن تواجدهم كافة، حل ممكن ومقبول، فبدل الاحتكام للاحتراب والشتائم والضرب في الشوارع، أو التلاسن عبر وسائل الإعلام، نحتكم للصندوق مجددا.

حل آخر لا تملك الفصائل جرأة المشاركة فيه وهو إدارة فصائلية توافقية للقطاع أو للضفة والقطاع، على الأقل لفترة انتقالية، وقد عرض المجلس التشريعي في غزة أكثر من مرة هذه الأطروحة دونما استجابة من بقية الفصائل.

الفصائل جميعا تتحمل المسؤولية عما وصلت إليه الأمور، بسبب إهمالها أو ضعف شعورها بالمسؤولية، بل وبعض قادتها شركاء في الحصار، وكانوا يريدون قطع الهواء عن غزة.

حالة عجيبة من التناقضات، البعض يزعم أنه مع «ثورة الجياع» في غزة، رغم أنه شريك في تجويعهم، فلترفع العقوبات، ولتتوقف سياسة قطع الرواتب، ويجب أن يعاد النظر في سياسة الضرائب، وكل السياسات التي تزيد من معاناة الناس.

لكن قبل ذلك كله لتتوقف الأنانية، وإن كان من حراك فللجميع ومن الجميع لا يوجه ضد جهة دون أخرى، كل الناس يستحقون العيش بكرامة، فأي مطالب أو حراكات فئوية ستزيد من الأزمة ولن تحلها والجميع يستطيع الحشد، لكنني أسأل الله أن يلطف بغزة وأهلها، وأن يجنبهم الفتن ما ظهر منها وما بطن.

عن صحيفة العرب القطرية