ملفات وتقارير

لماذا فشلت أحزاب يناير 2011 في تكرار تجربة ثورة 1919؟

التجاذبات السياسية وفشل مشروع وحدة الميدان أدى للتناحر المبكر بين شركاء ثورة 25 يناير- جيتي

أكد باحثون ومختصون مصريون في التنظيمات السياسية، أن ثورة 1919، كان لها الفضل في إعادة صياغة الحياة الحزبية بمصر، بعد سنوات من التراجع، تأثرا بفشل "الثورة العرابية"، وما نتج عنها من سيطرة الاحتلال الإنجليزي على مقاليد الأمور بمصر.


ورصد الباحثون أن ثورة 1919، التي يحتفل المصريون بمئويتها الأولى هذه الأيام، خلقت واقعا سياسيا وحزبيا جديدا، مستدلين بأن فكرة تأسيس الوفد المصري للتفاوض مع الإنجليز كان بعيدا عن الأحزاب القائمة وقتها، بما يمثل رفضا لهذه الأحزاب التي فقدت قيمتها برحيل الزعيم الشاب مصطفى كامل، مؤسس الحزب الوطني في نسخته الأولى.


ويشير الباحثون الذين تحدثوا لـ "عربي21" إلى أن الحياة الحزبية ظلت محافظة على صلابتها ككتلة واحدة ممثلة في حزب الوفد، حتى وفاة زعيم الحزب سعد زغلول عام 1927، باستثناء حزب الأحرار الدستوريين، الذي خالف زغلول في تصوراته وخططه المطالبة بالاستقلال.


وحسب الخبراء، فإن الأحزاب المصرية حاولت الاستفادة من هذه التجربة بعد ثورة 25 كانون الثاني/ يناير 2011، ولكن التجاذبات السياسية وفشل مشروع وحدة الميدان، وعدم تشكيل مجلس ثوري موحد، أدى للتناحر المبكر بين شركاء الثورة.

 

اقرأ أيضا: كيف ساهم المثقفون المصريون في إنجاح ثورة 1919 وإفشال 2011؟

4 أقسام


من جانبه يؤكد خبير التنظيمات والحركات السياسية عصام سعدون لـ "عربي21"، أن التجربة الحزبية بين ثورتي 1919 و2011، مختلفة بشكل كبير، نتيجة الوعي السياسي الذي كان يتمتع به المصريون في ثورتهم الأولى، بينما كانت خياراته في الثورة الثانية، محصورة في التوجه الإسلامي، وهو ما أزعج الآخرين.


ويضيف سعدون قائلا: "قوة الأحزاب التي أنتجتها ثورة 1919، كان دافعا لكي تحافظ على مكانتها طوال 33 عاما، حتى حدوث حركة الضباط الأحرار عام 1952، وهو ما يختلف مع الثورة الثانية، حيث لم تصمت أحزابها طويلا، أمام الانقلاب العسكري رغم أنها كانت أكبر داعم له ضد الإخوان المسلمين".


ويصنف الخبير السياسي الحياة الحزبية بعد ثورة 1919 لأربعة أقسام، الأول يضم الأحزاب الليبرالية، التي بدأت بحزب الوفد ثم أحزاب الأحرار الدستوريين، والسعدى، والكتلة الوفدية، التي خرجت من عباءة الوفد، بالإضافة للأحزاب النسائية التي كانت إحدى ثمار الحركة النسوية التي تزعمتها هدى شعراوي.


أما القسم الثاني وفقا لتصنيف سعدون، فيضم الأحزاب ذات التوجهات الاشتراكية مثل مصر الفتاة، وأحزاب العمال الاشتراكي الشيوعي، والشيوعي المصري، والفلاح المصري، والحركة الديمقراطية.

 

بينما يشمل القسم الثالث أحزاب السراي، وأبرزها أحزاب الشعب، والاتحاد الأول، والاتحاد الثاني، في حين ضم التنصيف الأخير الأحزاب والحركات الإسلامية مثل جماعة الإخوان المسلمين، وحزب الله، وحزب الإخاء، وحزب الإصلاح الإسلامي.

 

اقرأ أيضا: الأزهر بين ثورتي 1919 و2011 .. أدوار ثورية وأخرى سياسية

الدولة المدنية


ويتفق الباحث السياسي بجامعة القاهرة أسامة أمجد، مع أن الأحزاب التي أنتجتها ثورة 1919، مارست الحياة السياسية بطريقة أكثر وعيا عن الأحزاب التي أنتجتها ثورة 25 يناير، حيث عولت الأولى على حركة الجماهير، وهو ما كان يقوم به حزب الوفد بشكل مميز، في كل خلاف يمكن أن يحدث مع الملك أو الإنجليز، بينما عولت أحزاب ما بعد يناير 2011 على قوة الجيش للحصول على مكاسبهم السياسية.


ووفقا لهذا التحليل، فإن أحزاب ما بعد 1919، كانت حريصة على فكرة الدولة المدنية، ولذلك فقد رفضت انقلاب الضباط الأحرار عام 1952، بينما الوضع كان مختلفا مع أحزاب النسخة الثانية، الذين سعوا بأنفسهم نحو القوات المسلحة وشرعنوا الانقلاب، لفشلهم في الحصول على ثقة الجماهير في خمس استحقاقات انتخابية خلال عامين ونصف فقط، كانت كلها لصالح التيارات الإسلامية.

ويضيف أمجد قائلا: "بعد ثورة يناير شهدت مصر سيولة غير طبيعية في الحياة الحزبية، ووصل عدد الأحزاب التي تأسست بعد الثورة لأكثر من 150 حزبا وحركة سياسية، ورغم حداثة الثورة، إلا أنه لم يتبق من هذه الأحزاب على قيد الحياة سوى أربعة أو خمسة فقط، بعد أن اختفى معظمها بظهور أحزاب أخرى من إنتاج الانقلاب العسكري". 

 

اقرأ أيضا: في ذكرى 1919.. أيمن نور يدعو لثورة توحد المصريين (شاهد)

ويرى الباحث السياسي أن أزمة أحزاب 25 يناير، أنها كانت خليطا بين أحزاب الميدان، وأحزاب أخرى من مخلفات العصر الناصري والساداتي مثل العربي الناصري والتجمع اليساري، وأحزاب من صناعة نظام مبارك، مثل الوفد والجبهة الديمقراطية، وحتى الأحزاب التي ظهرت بعد الثورة مثل المصريين الأحرار والدستور والوسط، وقبلهم الحرية والعدالة، هي أحزاب ممتدة لتوجهات كانت موجودة بالفعل قبل الثورة.


ويوضح أمجد أن البحث المبكر عن مكاسب الثورة لدى أحزاب يناير، كان مدخلا رئيسا للقضاء عليها، ما دفعهم للهرولة نحو المجلس العسكري، لإفشال المزاج الإسلامي للشارع المصري، ولذلك رحبت بحل برلمان الثورة، وحاولت إفشال دستور 2012، وشاركت في انقلاب 2013، ولكنها في النهاية خرجت من المشهد مفككة ومكروهة ومطروده من الشعب والنظام العسكري على حد سواء.