قضايا وآراء

الإمارات وتوظيف الأزهر لوأد الحراك الإسلامي

1300x600

يعتقد كثير من المتابعين أن الإمارات تستخدم الأزهر للدعاية والترويج لسياستها في المنطقة، وللتغطية على دعمها لمشاريع الثورة المضادة التي وجدت كردّة فعل عن الربيع العربي؛ الذي تلاه صعود لافت لتيار الإسلام السياسي. وهذا الاعتقاد صحيح من خلال متابعة العلاقة بين الإمارات والأزهر، ولكن البحث والتدقيق في جذور هذه العلاقة وما وراءها؛ سيجد أنها واجهة لمشروع متنامٍ يهدف لإفراغ الحراك الإسلامي وتياراته، وضربه من الداخل بواسطة توظيف مؤسسات ومدارس إسلامية عريقة.

إرهاصات المشروع:

بداية اهتمام الإماراتيين بالخطاب الديني يمكن رصدُها عندما ظهر التوجه لدى دوائر صناعة السياسة الخارجية الغربية في المنطقة بالتقارب مع التيارات الإسلامية، وذلك في منتصف العقد الأول من هذه الألفية. وقدمت كثير من المراكز البحثية تقارير وبحوث توصي بهذا التقارب، وعلى رأسها مؤسسة راند التي تقدم تقارير وبحوثاً لصالح وزارتي الدفاع والخارجية الأمريكية.

 

بداية اهتمام الإماراتيين بالخطاب الديني يمكن رصدُها عندما ظهر التوجه لدى دوائر صناعة السياسة الخارجية الغربية في المنطقة بالتقارب مع التيارات الإسلامية، وذلك في منتصف العقد الأول من هذه الألفية

وقد كانت بداية الاهتمام الإماراتي بالخطاب الديني عن طريق دعم مؤسسات دعوية ومراكز بحثية، ولمع في هذه الفترة نجم الداعية علي الجفري، ذي الأصول الحضرمية وابن المدرسة الصوفية العريقة في اليمن، وبدأ ضخّ المال الإماراتي لصالح الشيخ علي الجفري ليوسّع علاقاته ويستقطب شخصيات إسلامية لها وزنها ومرجعيتها الشرعية المعتبرة في العالم الإسلامي، فأسس مؤسسة طابة في 2005، وكان من ضمن هيئتها الاستشارية الدكتور محمد سعيد البوطي، والشيخ عبد الله بن بيّه، كما أُنشئت عدة دور نشر، من أبرزها دار الفقيه في أبو ظبي ودار الوابل الصيب ودار المقطم في القاهرة، إضافة لإنتاج العديد من البرامج الدعوية التي روّجت للجفري في مصر وسمحت له ببناء علاقات وطيدة مع بعض مشايخ الأزهر المتنفذين، وعلى رأسهم المفتي السابق علي جمعة، والذي عن طريقه تنفذت الإمارات بعدد من المشاريع في الأزهر وقدمت منحا باذخة له.

الربيع العربي وإحكام القبضة الإماراتية على الأزهر:

لم يكن لأحد أن يتولى منصباً هاماً في الأزهر ما لم يكن في دائرة رضى نظام حسني مبارك وحزبه الوطني. ويذكر الجميع أن مبارك عندما أصدر قراره بتعيين أحمد الطيب شيخاً للأزهر، وكان وقتها عضواً بلجنة السياسات في الحزب الوطني، رفض الاستقالة من الحزب حتى يرجع مبارك من رحلته العلاجية في ألمانيا ليستأذنه بخصوص الاستقالة، وهذا ما أثار حفيظة قوى ثورة 25 يناير لبقاء أحمد الطيب في منصبه، واعتبار المشيخة أحد أوكار فلول نظام مبارك.

 

الشعور الثوري المتوجس من مشيخة الأزهر جعل المشيخة تبحث عن طرف سياسي يتولاها ويدعمها، وهنا بدأت اليد الإماراتية تعبث بمشيخة الأزهر وتتحرك فيها كما تريد

والشعور الثوري المتوجس من مشيخة الأزهر جعل المشيخة تبحث عن طرف سياسي يتولاها ويدعمها، وهنا بدأت اليد الإماراتية تعبث بمشيخة الأزهر وتتحرك فيها كما تريد، وظهرت معالم المشروع الإماراتي لاستخدام الأزهر كواجهة لضرب الحراك الإسلامي، وذلك من خلال مشروعين، الأول: إنشاء ما عرف بمكتب رسالة الأزهر الذي كان من مهامه مراجعة خطاب الأزهر وإعادة النظر في مقرراته، والإشراف على الأروقة العلمية في الجامع الأزهر. وقد عُيّن مسؤولاً عنه أسامة السيد الأزهري، تلميذ علي جمعة المقرّب وأحد المتصلين اتصالاً مباشراً بعلي الجفري. وقد تولى أسامة السيد بعد انقلاب السيسي منصب مستشار الشؤون الدينية برئاسة الجمهورية، ولا زال يشغله رغم صغر سنّه وقلّة خبرته مقارنة بشخصيات أزهرية أخرى، وهو -على الأغلب- أحد الذين تعتمد عليهم الإمارات في إحكام القبضة على الأزهر، من خلال إبعاد أي شخصية قد تؤثر على النفوذ الإماراتي فيه، بل بإمكانه ردع شيخ الأزهر نفسه إذا حاول الخروج من دائرة السيطرة عليه. والصحف المصرية تشهد على الهجوم العنيف الذي شنّه أسامة السيد على شيخ الأزهر أحمد الطيب؛ عندما رفض طلب السيسي بإصدار فتوى تمنع وقوع الطلاق الشفهي.

والمشروع الثاني تمثل في إنشاء الرابطة العالمية لخريجي الأزهر الشريف، والتي تحولت فيما بعد إلى المنظمة العالمية لخريجي الأزهر الشريف، والهدف من هذه المنظمة التي يرأسها شيخ الأزهر استقطاب طلبة الأزهر خاصة من الوافدين وتعبئتهم بالخطاب الديني الذي تروّج له الإمارات (وسيأتي الكلام على هذا الخطاب لاحقاً)، وكذلك منعهم من التعرّف على الحراك الإسلامي وتشويهه، كما مثّلت هذه المنظمة عامل جذب لكثير من علماء الأزهر، من خلال ما توفره لهم من رحلات خارجية ومكافآت مالية تجعلهم موالين لهذا التوجه. وقد بدأت المنظمة بافتتاح فروع لها في دول إسلامية مختلفة، والمطلع على برامجها يجد أنها تحارب تيارات الإسلام السياسي بذريعة مواجهة الإرهاب والتطرف.

هذا إضافة إلى مشاريع أخرى تمثلت في إنشاء قنوات فضائية ودور نشر ومراكز بحثية من أبرزها جمعية المكنز الإسلامي، ودار الفُلك التي يديرها أشرف سعد الأزهري، أحد المقربين إلى علي جمعة، والتي تستقطب أيضاً طلبة وأساتذة الأزهر على السواء، بما تضخّه الإمارات فيها من أموال.

 

مؤتمر جروزني كان على أساس طائفي وإقصائي؛ الغرض منه حصر مصطلح أهل السنة والجماعة في التوجه الذي تتبناه الإمارات. وكان مناسبةً لتهميش السلفية ومهاجمة الحركات الإسلامية

مؤتمر جروزني لأهل السنة والجماعة ومجلس حكماء المسلمين:

بعدما بدأت ملامح التحالف السعودي الإماراتي تظهر في العلن ووقوع محمد بن سلمان تحت نفوذ وتأثير محمد بن زايد، والذي يبدو أن من نتائجه تحجيم الخطاب السلفي، باستثناء "السلفية المدخلية" التي لا زالت الحاجة إليها قائمة في بعض بؤر التوتر، كليبيا، لدعم مشروع حفتر العسكري. هذا التقارب دفع الإمارات إلى أن تخطو بمشروعها خطوة متقدمة، من خلال عقد مؤتمر جروزني، والذي كان على أساس طائفي وإقصائي؛ الغرض منه حصر مصطلح أهل السنة والجماعة في التوجه الذي تتبناه الإمارات. وكان مناسبةً لتهميش السلفية ومهاجمة الحركات الإسلامية، وعلى رأسها جماعة الإخوان المسلمين، كما كان الهدف من المؤتمر إيجاد منافذ من خلاله إلى المدارس الإسلامية العريقة (كالزيتونة في تونس والمدرسة الحضرمية في اليمن)، لاستخدامها في الواجهة إلى جانب الأزهر، من خلال استقطاب شخصيات من هذه المدارس وتصديرها كواجهة لهذا التوجه.

ورغم الإقصائية والطائفية التي عقد على أساسها مؤتمر، إلا أن إحدى مخرجاته كانت تأسيس مجلس حكماء المسلمين (مما يجعل الحكمة غائبة في هذا المجلس) برئاسة أحمد الطيب شيخ الأزهر، والذي يمكن اعتبارُه (أي المجلس) الغطاء الديني للسياسة الإماراتية في المنطقة وأحد المروجين لها، كما أنه يهدف إلى التشويش على الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، كمرجعية إسلامية مستقلة تتبنى مناصرة قضايا الشعوب المسلمة وكان لها دور فاعل في الربيع العربي.

أذرع الإمارات الأخرى:

لم تكتفِ الإمارات بتوظيف الأزهر واستخدامه كواجهة لتفريغ الحراك الإسلامي من المجتمعات، بل أصبحت تتنفذ في كثير مناطق العالم الإسلامية، ولها منظمات ودور نشر وهيئات تدعمها وتغدق عليها لتخترق بها مؤسسات دينية ومدارس إسلامية عريقة. فهي تدعم دار المصطفى في تريم، ولها بفضل ذلك نفوذ واسع في حضرموت، خاصة وأنها لا تخفي مطامعها في جنوب اليمن، وتسعى لتمكين نفوذها فيه ووجود مؤسسات دينية تدعمها عامل مساعد، أيضاً دعمها لشخصيات ودور نشر ومؤسسات في الأردن. وأبرز الشخصيات في الأردن سعيد فودة، أحد أبرز المتعصبين لمصطلح أهل السنة والجماعة والمنظرين له، والمتحمس للتوجه الإماراتي. كما أن عارف النايض، سفير ليبيا السابق في الإمارات، هو المسؤول عن هذا المشروع في ليبيا، وله مؤسستان ممولتان إماراتياً، هما مجمع ليبيا للدراسات المتقدمة، ومؤسسة كلام للنشر والإعلام، إضافة إلى قناة فضائية تبث من عمان في الأردن.

الخطاب الديني في المشروع الإماراتي:

مشروع الإمارات للسيطرة على المؤسسات الدينية، وعلى رأسها الأزهر، وتوظيفها لخدمة سياستها والترويج لها أتى كردة فعل عن صعود الإسلاميين، والذي بلغ أوجه بعد الربيع العربي. ومن السذاجة الاعتقاد بأن للإمارات مشروعاً إسلامياً حقيقياً، والراصد لخطاب هذا المشروع وبرامجه يجدها تركز على:

- قضايا الإرهاب والتطرف في سياق جعل جماعات الإسلام السياسي هي المسؤولة عن هذا الإرهاب والتطرف، وهذا يظهر جلياً وواضحا في برامج الرابطة العالمية لخريجي الأزهر، ومؤتمر تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة الذي ينعقد دورياً في أبو ظبي، والذي يقدم التيارات الإسلامية كعامل فوضى وزعزعة للمجتمعات.

- إعلاء الخطاب الصوفي الروحاني وتجريده من معانيه العملية، ومحاولة جعل الدين من خلاله علاقة روحانية بين العبد وربه، وليس له علاقة بالحياة خاصة السياسة.

- خلق تصور في الوعي المجتمعي يحصر علماء الشريعة في الجانب الروحي والوعظ، واستحضار حالة المقارنة الذهنية لهم مع رجال الأديان الأخرى، في محاولة لرهبنة الدين الإسلامي. ولعل لقاء الأخوة الإنسانية الذي جمع شيخ الأزهر ببابا الفاتيكان في أبو ظبي هو أبرز مظاهر ذلك.

 

الإمارات من خلال هذا الخطاب، مع حالة الاستقطاب الواسع التي تنتهجها، تفرّغ المجال الإسلامي من الشخصيات الفاعلة بما تضخّه من أموال وتقدمه من دعم لمؤسسات مؤثرة على رأسها الأزهر

- غض الطرف عن التوجهات العلمانية والتنويرية المحاربة للشريعة والمشوهة لها تحت ذرائع التجديد، والتبرير لها أحياناً، خاصة في ما يتعلق بالشأن السياسي، وهذه التوجهات تدعمها الإمارات أيضاً وعلى رأسها منظمة مؤمنون بلا حدود.

- توفير الغطاء الديني لسياسات التطبيع مع الكيان الصهيوني، ولممارسات الاستبداد السياسي، من خلال الفتاوى والتنظير الفقهي المتكلف.

والإمارات من خلال هذا الخطاب، مع حالة الاستقطاب الواسع التي تنتهجها، تفرّغ المجال الإسلامي من الشخصيات الفاعلة بما تضخّه من أموال وتقدمه من دعم لمؤسسات مؤثرة على رأسها الأزهر، وهذا سيسبب على المدى الطويل ضموراً في الحراك الإسلامي، خاصة بعد التضييق الأمني في كثير من الأقطار العربية، إضافة إلى الدعاية الإعلامية الشرسة الموجهة ضدهم، وهو ما يستوجب على الفاعلين في الحراك الإسلامي الخروج من حالة النخبوية، وتجديد الآليات والاشتغال على خطاب يلائم واقع ما بعد الربيع العربي.