كتاب عربي 21

لماذا "غضب" الغرب لقتل خاشقجي ولم يغضب لإعدامات مصر؟

1300x600

ما الذي جعل اغتيال جمال خاشقجي جريمة عالمية تطغى على أجندة الإعلام والسياسة في مراكز القرار الدولي لأسابيع، فيما مرت أحكام الإعدام في مصر دون اكتراث على الرغم من فساد المنظومة القضائية المصرية؟

أدت جريمة خطف واغتيال الصحافي السعودي جمال خاشقجي لحالة من التنديد والغضب العالمي، خصوصا في الولايات المتحدة والدول الغربية. وتنوعت أشكال "الغضب" الغربي تجاه الجريمة، من المطالبة بكشف ملابساتها، إلى إيقاع عقوبات ببعض المتهمين بتنفيذها، إلى فرض عقوبات على مبيعات الأسلحة مع الرياض، وغيرها من الإجراءات.

وتسببت الجريمة بلا شك في إحراج الدبلوماسية السعودية، وأساءت إلى صورتها في العالم، فيما اعتبر سياسيون وإعلاميون مرموقون في أمريكا والغرب أن الجريمة ستؤثر لفترة طويلة على دور ولي العهد السعودي محمد بن سلمان كسياسي في الساحة الدولية، وهو ما حصل فعلا في قمة العشرين التي عقدت في تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي.

 


خلافا للإدانة وردة الفعل الدولية الكبيرة على جريمة اغتيال خاشقجي، لم نشهد حالة غضب مشابهة تجاه الإعدامات المستمرة في مصر، التي راح ضحيتها حتى الآن حوالي 52 شخصا

وخلافا للإدانة وردة الفعل الدولية الكبيرة على جريمة اغتيال خاشقجي، لم نشهد حالة غضب مشابهة تجاه الإعدامات المستمرة في مصر، التي راح ضحيتها حتى الآن حوالي 52 شخصا. كما لم تمارس أي دولة غربية ضغطا حقيقيا على نظام الانقلاب لوقف الانتهاكات اليومية من اعتقالات وإخفاء قسري وقتل خارج القانون، بل إن السيسي يحظى بحضور دولي من خلال المشاركة في مؤتمرات تعقد في مصر أو الخارج.


فلماذا اختلف التعامل مع الحالتين؟ وما علاقة ذلك كله بالالتزام العالمي بمبادئ حقوق الإنسان؟!

•شكلت جريمة اغتيال خاشقجي حادثة غير مسبوقة من استخدام منشآت دبلوماسية لتنفيذ عملية قتل واختطاف، فيما قد يهدد القيم المؤسسة للعمل الدبلوماسي ولاتفاقية فينا، باعتبار أن المنشآت الدبلوماسية وجدت لخدمة المواطنين، وأنها يفترض أن تكون محصنة ومصدرا للأمن لا مصدرا للتخويف والقتل. فيما يمارس النظام في مصر عملية قتل "يتم إخراجها بشكل قانوني"، من خلال إظهار صورة إجراءات قانونية تشمل تحقيقات وأدلة ونيابة ومحكمة ومحامي دفاع، وبعض الجلسات العلنية في المحاكم، وغيرها من الإجراءات الشكلية.

 

يمارس النظام في مصر عملية قتل "يتم إخراجها بشكل قانوني"، من خلال إظهار صورة إجراءات قانونية تشمل تحقيقات وأدلة ونيابة ومحكمة ومحامي دفاع

يستطيع النظام هنا أن يقدم صورة عن إجراءات تقاضي تفضي إلى الحكم بالإعدام، ولا يهم والحال هذه إن كانت الإجراءات عادلة أو غير عادلة، ولا يهم أيضا أن الاعترافات يتم انتزاعها بالتعذيب، بل المهم أن الصورة التي تظهر للخارج هي صورة إجراءات "قانونية". وهكذا يصبح الاحتجاج في العالم مقتصرا على رفض الإعدام كعقوبة، وهو رفض لم يصبح حتى الآن "قيمة" عالمية؛ لأن كثيرا من دول العالم تنفذ الإعدام أو لا تزال تناقش حول الاستمرار به أو إيقافه.

•الأمر نفسه ينطبق على شكل الجريمة، إذ ساهمت التفاصيل التي سربتها السلطات التركية للإعلام المحلي والعالمي عن تفاصيل الاغتيال في تأجيج الرأي العام العالمي، وإلى إحراج الحكومات الغربية في حال عدم اتخاذها مواقف واضحة ضد الجريمة. أما في الحالة المصرية فإن الأمر يتعلق بأحكام قضائية، وهي حالة موجودة في كل أنحاء العالم، ويمكن أن تمر مع إدانات خجولة من هذه الحكومة أو تلك دون صخب.

 

ساهمت التفاصيل التي سربتها السلطات التركية للإعلام المحلي والعالمي عن تفاصيل الاغتيال في تأجيج الرأي العام العالمي، وإلى إحراج الحكومات الغربية في حال عدم اتخاذها مواقف واضحة ضد الجريمة

•اختلطت جريمة اغتيال خاشقجي بقضية أخرى حساسة لدى الغرب، وهي حرية التعبير والصحافة. فالجريمة هنا ارتكبت ضد صحافي بسبب مواقفه "غير المتماهية" مع سلطات بلاده، وهو ما يجعلها جريمة مركبة. أما في الحالة المصرية، فقد استطاع النظام أن يصدّر رواية للعالم تقول إن الذين تنفذ بحقهم أحكام الإعدام هم "إرهابيون" مدانون؛ لذلك فإن التعاطف الدولي كان محدودا تجاه قضيتهم.

•لعبت الصحافة الأمريكية دورا أساسيا في إظهار قصة خاشقجي، وجعلها على الأجندة اليومية للإعلام العالمي، وللسياسة الأمريكية والغربية بالتالي، باعتبار الصحافي السعودي أحد كتاب صحيفة الواشنطن بوست، بينما لا تعطي الصحافة الأمريكية والعالمية الكثير من الاهتمام للانتهاكات الحقوقية في مصر، ولعل من الأمور التي تساهم في ضعف الاهتمام الإعلامي العالمي هي الترويج الرسمي المصري أن المدانين هم من المتطرفين الإسلاميين، وأن ما يجري هو معركة بين الدولة وبين الإرهاب.

 

العامل الأهم في تشكيل فرق بين الحالتين السعودية والمصرية هو الصراع الداخلي الأمريكي. لقد اعتبرت الصحافة الأمريكية والنخبة السياسية -بل وبعض مؤسسات الدولة العميقة- قضية خاشقجي

•يمكن القول إن العامل الأهم في تشكيل فرق بين الحالتين السعودية والمصرية هو الصراع الداخلي الأمريكي. لقد اعتبرت الصحافة الأمريكية والنخبة السياسية -بل وبعض مؤسسات الدولة العميقة- قضية خاشقجي جزءا من صراعها مع الرئيس ترامب، ولهذا فقد اضطر الضغط الإعلامي والسياسي ترامب لاتخاذ مواقف يومية، وإصدار تصريحات تتعلق بالجريمة، وهو ما دفع بالتالي السياسيين الغربيين لاتخاذ مواقف تلتحق بالمواقف الأمريكية. هذا العامل غير موجود بالنسبة للحالة المصرية، ولذلك فإن الإعدامات تمر من دون إدانة ودون تغطية كبيرة تستحقها.

يبقى القول إن هذه الفروقات تستدعي خطابا مختلفا من الحقوقيين والمعارضين المصريين تجاه الانتهاكات الحقوقية في مصر، للفت انتباه العالم للمجزرة الحقوقية المستمرة تحت نظام الانقلاب، والأهم لإثارة الاهتمام الشعبي داخل مصر، فهو يبقى أولا وأخير العماد الرئيسي للتغيير. صحيح أن المواقف الدولية تؤثر في السياسات الداخلية للدول حول العالم، لكن المحرك الرئيسي للتغيير هو الشعوب والنخب السياسية، وهو ما يستدعي خطابا معارضا يعرف كيف يقدم الحقائق للشعب، ويعرف كيف يجمع الجهود لرفض الانتهاكات ولتحقيق التغيير من الداخل، فهو الأمر الوحيد الكفيل بإجبار العالم على تغيير مواقفه!