كتاب عربي 21

أيها التونسي من أنت؟

1300x600

ومن عجب أنك تراه في أماكن كثيرة، ولكن لا تجد له أثرا مبينا، وقد يخترع له أثرا فيوهمك بمجد تليد، فإذا جئته لم تجده شيئا مذكورا. يقول عن نفسه "دعوة" ليعبر عن قوة فعالة وسلوك قاهر، فلا ينتبه إلى تحريف اللغة عن ثوابتها.. هذا "الدعوة" ينخذل بسرعة أمام عصا البوليس، لذلك حكمه البوليس وفعل فيه ما تفعل الرياح في الرمل، فإذا هو بلا وطن. فما أسرع هجرته واستيطانه. هل التونسي نسخة من العربي؟ المشتركات الصانعة للشخصية كثيرة، ولكن هذا التونسي يحتقر العرب، فخياله باريسي وإن لم يزر باريس. فمن يكون هذا الذي يفخر بأنه ملتق حضارات شتى أخذ منها جميعها حتى لم يعد له وجه مميز؟

سؤالي حائر عن كنه وجود تعجز مكتسباتي القليلة في علم النفس الاجتماعي وفي علم الاجتماع عن حصر صورته في برواز معرفي، وعن رسم ملمح دقيق لشخصيته الأساسية وشخصيته العامة، وعن فهم دوافعه السلوكية اليومية والدائمة، لذلك يقصر بي تتبع أحوال التونسيين أمام سلوكيات لا تقبل التصنيف؛ أيسر عليّ أن أتحمل تهمة التحامل من أن أعرف نفسي بهذا التونسي الذي لا يُرى من بعيد.

ليس نبيها بما يكفي

من بعض أسباب الحيرة، لا كل أسبابها، أن التونسي متعلم في الجملة، وهو حريص على التعلم والتعليم (ويفتخر بتاريخ المدرسة والتعليم ويبز العرب خاصة بذلك)، لكن التعليم لا ينتج عنده نباهة كافية، لذلك يحيرني وقوعه السريع في تصديق الأراجيف والأكاذيب السياسية والإعلامية المفضوحة، والتي لا تتطلب منه ذكاء كبيرا لمعرفة مصدرها وغاياتها وكمية الحماقة والاستغباء التي تحويها. كان هذا منذ زمن التلفزة ذات الصوت الواحد والجريدة الناطقة باسم الرئيس، ولكنه استمر زمن التعدد الإعلامي والحرية الفكرية والسياسية.

 

يحيرني وقوعه السريع في تصديق الأراجيف والأكاذيب السياسية والإعلامية المفضوحة، والتي لا تتطلب منه ذكاء كبيرا لمعرفة مصدرها وغاياتها وكمية الحماقة والاستغباء التي تحويها

هذا الشخص الغفل في السياسة يبهرني بنباهته في تحصيل الكسب والتحايل له بكل السبل، القانوني منها وغير القانوني خاصة (لا يتسع المجال هنا لعرض معجم الجمل التبريرية للكسب غير القانوني لدى التونسي)، لكنها حيل غاية في النباهة، خاصة إذا تعلق الأمر بالحصول على مكسب من الدولة المسماة عنده رزق البايليك.

ليس لدى التونسي أي وجع ضمير إذا احتال على الدولة، لذلك لا نجد الثروة في تونس تعبر عن مستويات التعلم، فليس الأعلم هو الأغنى. تعوزنا هنا الأرقام الدقيقة عن مستويات التعليم لفئة المهربين على الحدود، لكنهم قوم يعرفون مداخل المال غير القانوني ويشغلون المتعلمين أجراء، وكلاهما محتال على القانون.

الشّخصية الدّعيّة

من أسباب إثارة غضب التونسي أن تقول له أنت لا تعرف، فذلك أقسى عليه من الضرب بهراوة. من النادر جدا أن تخوض مع تونسي في موضوع ويصرح لك بصدق أن لا علم له به أو فيه، وينتظر منك رأيا يفيده. يستوي في ذلك العلماء والأميون، ويتجلى ذلك في السوشيال ميديا التي تحررت. وأي نقاش على صفحة مفتوحة يكشف أن أسلوب الكلام في التعليقات ليس طلب فهم المكتوب الأصلي أو نقده بما يطوره أو الإضافة إليه في اتجاه ما رمى إليه، بل تبيان وجهات نظر معاكسة له بقطع النظر عن صوابها. فالتعليق غالبا هو إثبات تميز ومعرفة بالموضوع وليس إثراء أو استفسارا.

منحت الكتابة المتحررة من الرقابة الأمنية خاصة فرصة لصناعة ذات فردية، لكن بناء هذه الذات كان في ما لاحظت يبدأ بتهديم الذات المقابلة وإفقادها تميزها وخصوصيتها، مهما كانت بسيطة أو متواضعة.

تحطيم الآخر لصناعة الذات موجه سلوكي أساسي عند التونسي، فكأنه يبني نفسه بفك أبنية الآخر أو الاستحواذ على مكانه وإخراجه من الصورة. الأمر يتجاوز المنافسة بين متناظرين، بل هي تقنية إلغاء/ إعدام تقوم على الادّعاء المعرفي المطلق، حيث يتكلم التونسي في كل المواضيع بلغة الخبير ويقدم المعلومة ونقيضها في جملة واحدة، والويل للمستمع الذي يقول لمحدثه أنت لا تعرف.

ربما أقول ربما يعود ذلك إلى تقاليد التنافس المدرسي الذي رُبي عليه (حوز المكانة الأولى) في الفصل ثم في العمل ثم في المكانة الاجتماعية. يمكن تبرير هذا فلسفيا، فهوبز يحدثنا عن أن التنافس على المكانة (الوهرة) دافع وجود، ولكن لماذا يكون الوجود (الذات) بالإعدام (الآخر)؟ تحضرني هنا بعض ذكريات الجامعة، فقد كان طلبة كثيرون يسبقون إلى الكتب (قبل زمن البي دي أف) لقطع الفصول التي يأمر بها الأستاذة كمقررات إجبارية، فيعدمون الكتب ويقرؤونها وحدهم ويحرمون بقية الطلبة من الاطلاع. لا يقول لك التونسي على كرسي الحديقة يوجد مكان لشخصين، بل يتمدد وحده، ويضيق المكان بحقيبته، فلا يترك لجليس مكانا

 

نبرر غالبا بميراث الدكتاتورية الذي تخلد في الثقافة ومر عبر التربية الاجتماعية إلى نفوس أذلها القهر، فتحايلت للبقاء بالطرق المتاحة. ومن الحيل النفاق والكذب والتحايل على القانون باعتباره الوجه الظاهر من الدولة القهرية

من يجرؤ على منطقة لاوعي التونسي؟

منطقة شائكة؛ لأن مخزونها مختلف (أقبل الاتهام بجهل الدراسات المقارنة). نبرر غالبا بميراث الدكتاتورية الذي تخلد في الثقافة ومر عبر التربية الاجتماعية إلى نفوس أذلها القهر، فتحايلت للبقاء بالطرق المتاحة. ومن الحيل النفاق والكذب والتحايل على القانون باعتباره الوجه الظاهر من الدولة القهرية، لكن في لحظة رفض القهر لفظا يمارس التونسي القهر على مثيله بلا رحمة فيعيد إنتاج القهر.

من ذلك أننا نقرأ تشخيص مصدر القهر؛ إنه الاستعمار بما قد يوحي بلحظة وعي، لكن نقد القهر يتم بلغة القاهر نفسه، بما يعدم اللغة التي تحمل وسيلة القطع مع مصدر القهر، فلا نفهم كيف يستوي في ذهن نفس العالم والمواطن أن يرى قاهره عيانا، لكنه يحدث نفسه بلغة قاهره.

ومنه أن نقرأ في التشخيص اتهام الدكتاتورية، لكن ضحية الزعيم الدكتاتور توشك أن تصلي له إذا صلت. يمكنك أن تقرأ لتونسي كتب بأناة أن الزعيم بورقيبة محق شخصية التونسي محقا، وعلمه الخوف والنفاق، ورباه على الذلة والمسكنة، لكن في أول فرصة انتخابية يعيد إنتاج نظامه السياسي والثقافي.

ونعدد التناقضات في نفس الشخصية: ملاحدة يحصنون صدورهم بالتمائم، ومتعبدون يستجيزون الموبقات، وعلماء يسرقون بحوثهم، وأدباء يمنعون غيرهم من النشر، وسياسيون يتخابرون مع أعداء بلادهم، وقمة الفضيحة حجاج يرتشون للحصول على مكانة في قائمة الحجيج الرسمية.. كيف تتجمع كل هذه التناقضات في شخصية واحدة؟ هنا أقف عاجزا ولا يسعفني ما قرأت، حتى أني أتهم نفسي بالجهل لتسلم الصورة الخارجية على حسابي، وهذا من خوفي لا من قناعتي، وما خوفي إلا من غزية فإن خافت غزية خفتُ.

الثورة تفسد تحليلي أو تزيدني جهلا

كيف حدثت ثورة في بلاد التونسي الذي وصفت؟ ما هي المركبات النفسية التي تخلقت في وعي هذا التونسي ولاوعيه لتدفعه إلى ثورة خارج مألوف الثورات؟ في حماس الحدث كنت أحد الذين تخلوا عن الحذر العلمي لأقول أن ثورة استثنائية هي فعل شعب استثنائي. وعندما أتذكر مشهد التونسيين في الشهر الأول وقد صاروا ملائكة يعيشون بأسمى الصور المواطنية وأبهاها، وعندما أتذكر احتضان الثورة الليبية، تختل قواعد التحليل النفسي عندي، لكني أعود فأسال: لماذا انقلب التونسي على تلك الروح سريعا، وعاد كائنا نهما جشعا إلى كل شيء.. كيف حوّل ثورته الاستثنائية إلى قوائم مطالب لا تنتهي حتى أودى بدولته إلى الإفلاس؟ أيهما الأصل؛ شهر الملائكة أم دهر الجياع النهمين؟

 

 

ونقول لقد سرقوا الثورة من شعبها، ولكن هذا اتهام مريح يخلصنا من التحليل؛ لأن هناك سؤال أهم من أين ظهرت هذه الطبقة السياسية (يفترض أنها أكثر وعيا بالثورة).. إنها بنت هذا الشعب

يطيب لنا في هذه اللحظة اتهام الطبقة السياسية التي تصدرت لقيادة الحدث الثوري، ونقول لقد سرقوا الثورة من شعبها، ولكن هذا اتهام مريح يخلصنا من التحليل؛ لأن هناك سؤال أهم من أين ظهرت هذه الطبقة السياسية (يفترض أنها أكثر وعيا بالثورة).. إنها بنت هذا الشعب.. هي خلاصته الأكثر علما به، ولأنها تعرف جوهره (الذي هو جوهرها)، فقد فعلت به ما ينسجم مع طبيعتها غير الثورية. كلهم يرفضون التوصيف البورقيبي للشعب التونسي بأنه غبار من البشر، ولكن جميعهم يتعامل معه على أنه غبار.

هل جانبنا الصواب في قراءة التونسي؟

هل تعسفنا عليه؟ نعم في ما كتب أعلاه وَجْدٌ كثير وغضب وقليل من علم النفس الاجتماعي. ونحتاج إلى تكبير الصورة لرؤية التفاصيل. فالعلم التواضع وإن عازتنا معطيات الميدان. وهي منعدمة لما تفتقده الجامعة من إمكانيات بحث. المحاولات القليلة في دراسة الشخصية التونسية لم تستوف الموضوع وهي اجتهادات فردية.

لكن الثابت لدينا أن مرحلة من التحولات النفسية السريعة والعميقة قبل الثورة وبعدها كشفت أن القبول بالمختلف والتعايش الديمقراطي ليست نقطة قوة التونسي (ربما يمكن التعميم عربيا)، لذلك يغلب عليه الجشع في الكسب والإقصاء في الفكر. واللهوجة في إصدار الأحكام ذات المنحى القيمي (المعياري) لا يختلف في ذلك يساري عن إسلامي عن ليبرالي. الإقصاء آلية تفكير عند التونسي، حتى أنه يستهين بالدولة كشرط وجود جماعي فيحتال عليها، ويصير القانون عنده عائقا يقوم ضد منافعه الفردية لا أداة تنظيم وتعايش.

لقد فعلت الاختلافات الأيديولوجية الوافدة عليه فعلها في إحداث الشروخ السياسية والثقافية وتعميقها، وأنتجت عقلا إقصائيا لا يزال على مسافة دهر طويل من التعايش الديمقراطي. المرجعيات الكليانية (الديني منها واللاديني أو اللائكي الفرنسي) مصدر من مصادر الإقصاء، والإقصاء مصدر للاختصارات النفسية المريحة، فإلغاء الآخر أيسر من قبوله.

لنبدأ بمعرفة هذا التونسي الإشكالي الذي لا نقبله (لأننا لا نقبل أنفسنا في العمق) وجب المرور المتأني بعملية نقد ذاتي جذري للشخصية الجامعة، عبر عمل أكاديمي وثقافي حر طويل النفس؛ ينكب على الموروثات النفسية والثقافية، ويعالج ما طرأ عليها بحكم التثاقف المفتوح في القرية الكونية التي ضمتنا رغمنا، فلم نجد لنا بها سبلا نسلكها إلا بإعلاء الذات الفردية في أنانية مرضية. هذه ليست نصيحة وعظية يائسة، بل مشروع بناء مواطن تونسي جديد على أنقاض هذا الذي نعيشه ولا نفهمه. ثمة تونسي يجب أن يموت ليكون ميلاد مختلف. لا أدري متى وكيف، ولكن يقينا أن التونسي الآن مستنزف وبلا هدف أو معنى غير ذاته الصغيرة التي لا ترى من بعيد. وما زال سؤالي معلقا أيها التونسي من أنت؟