صحافة دولية

التايمز: كيف خسرت أمريكا أقدم تحالف لها في آسيا؟

التايمز: كانت الفلبين مستعمرة أمريكية ويتغير ذلك في توجهها نحو بكين- جيتي

نشرت صحيفة "التايمز" تقريرا لمراسلها في الصين ريتشارد لويد بري، يقول فيه إن قليلا من التحولات في القوة التي تتم في القرن الحادي والعشرين، أوضحه مصير قاعدة كلارك الجوية

 

ويشير التقرير، الذي ترجمته "عربي21"، إلى أنه على مدى أكثر من 70 عاما، كانت قاعدة كلارك الجوية أكبر القواعد الجوية في آسيا التي تمت أقامتها أمريكا في جزيرة لوزون الفلبينية في قلب الشرق الأقصى الاستراتيجي.

 

ويفيد بري بأن "القوات اليابانية اقتحمتها بعد بيرل هاربر، وخلال ستينيات القرن الماضي كانت قاعدة لوجستية للقوات الأمريكية المشاركة في حرب فيتنام، وغادرت أمريكا عام 1991 وتركت القاعدة لأعوام طويلة خالية".

 

وتستدرك الصحيفة بأن القاعدة وجدت مصيرا جديدا في نهاية العام الماضي، وخلال زيارة الرئيس الصيني شي جين بينغ للفلبين، فقد وافقت شركة صينية، هي مجموعة "غيزهوبا"، على دفع مبلغ ملياري دولار مقابل السماح لها ببناء منطقة صناعية على مساحة قدرها 500 هكتار.

 

ويلفت التقرير إلى أنه بعد أن كانت القاعدة لعقود موقعا متقدما للاستعمار الأمريكي، ثم قاعدة للصراع مع الشيوعية خلال الحرب الباردة، فإنها ستتحول قريبا إلى مركز خارجي لشركات التكنولوجيا الصينية، التي بدأت تمد أذرعها إلى أنحاء العالم كله.

 

ويبين الكاتب أن فالتمدد الاقتصادي والثقافي والعسكري للصين، والتحدي الذي يمثله هذا للهيمنة الأمريكية التاريخية، أصبحا أحد معالم هذا العصر، مشيرا إلى أن هذا الأمر يتجسد بشكل واضح في الفلبين.

 

وتقول الصحيفة إن "هذا الشعب الأرخبيلي، الذي يبلغ عدده 101 مليون شخص، يعيشون على 7600 جزيرة، يعد قليل الإنجاز مقارنة بـ(النمور) الآسيوية، مثل سنغافورة، وكوريا الجنوبية وتايوان، لكن في الوقت الذي تؤكد فيه الصين قوتها المتنامية، وتواجه تحديا مع أمريكا بخصوص التجارة، وبخصوص حقوق استخدام المياه الآسيوية، فإن الفلبين تعد أحد المسارح التي تتكشف عليها هذه الدراما".

 

وينوه التقرير إلى أنه في صراع لفرض النفوذ في جنوب شرق آسيا، فإن الفلبين لم تدخل المعادلة إلا مؤخرا، أما لاوس وكمبوديا ، التي تشارك الصين حدودا برية، فهما لا تزيدان عن كونهما دولا تابعة لبكين، التي تستقبل الدعم الاقتصادي والسياسي، مشيرا إلى أن الفلبين كانت لفترة طويلة تبدو آمنة في مدار أمريكي.

 

ويشير بري إلى أن الفلبين كانت منذ عام 1898 وحتى عام 1946 أكبر مستعمرة أمريكية، والوحيدة في آسيا، وهي فترة بدأت بحرب همجية وانتهت بمصالحة، فقد قاتل 200 ألف فلبيني ضد اليابان لصالح أمريكا، ما أورثهم حبا للسينما والوجبات السريعة بالاضافة إلى الغة الإنجليزية التي تنتشر على نطاق واسع. 

 

وتذكر الصحيفة أن الفلبينيين يحتفظون بصورة إيجابية عن أمريكا ومنتجاتها الثقافية، مع أنه كانت هناك دائما معاداة للأمركة تميل لليسار، وهو ما أدى إلى إغلاق القواعد في أوائل التسعينيات، مشيرة إلى أن اتفاقية الدفاع المشترك بين مانيلا وواشنطن تعود إلى عام 1951، حيث تزايدت الحكومات الفلبينية تخوفا من الصين؛ بسبب ادعائها السيادة على كل بحر جنوب الصين تقريبا، وهو الطريق البحري الحيوي الذي تحده الفلبين.

 

ويلفت التقرير إلى أن الأمر وصل الى ذروته عام 2016، عندما قامت محكمة دولية في لاهاي برفض ادعاء الصين سيادتها على جزر تابعة لمانيلا، بعد أن طالب الرئيس الفلبيني وقتها بنيغنو أكينو بتحكيم دولي، وغضبت الحكومة الصنية، لكن مع صدور الحكم كان قد خلف أكينو شخص مختلف تماما، وهو رودريغو دوتيرتي، الذي تقارب مع الصين عندما زارها في تشرين الأول/ أكتوبر عام 2016.

 

ويورد الكاتب نقلا عن دوتيرتي، البالغ من العمر 73 عاما، قوله خلال زيارته للصين: "تتجه مسننات السياسة الخارجية إلى هنا.. لن يكون هناك تدخل أمريكي بعد ذلك، ولن تكون هناك تدريبات أمريكية.. لقد كانت الصين صديقة للفلبين، وجذور روابطنا عميقة ولا تقطع بسهولة، وحتى عندما نصل إلى بكين قريبا من الشتاء، إلا أنها ربيع بالنسبة لعلاقتنا".

 

وتبين الصحيفة أن احتضان دوتيرتي هذا للصين تسبب بإلغاء مفعول الحكم الصادر في لاهاي، الذي كان أخر معقل ضد بسط الصين نفوذها التام على بحر جنوب الصين، لافتة إلى أنه قال خلال اجتماع لقيادات جنوب شرق آسيا في سنغافورة في تشرين الثاني/ نوفمبر، إنه يقبل بهذا الوضع بصفته أمرا واقعا.

 

وينقل التقرير عن دوتيرتي، قوله: "الصين هناك.. إنها حقيقة، وعلى أمريكا والجميع أن يدرك أنها هناك"، فيما قال قائد القوات الأمريكية في المحيط الهندي والهادي فيليب ديفيدسون، للكونغرس العام الماضي: "الصين اليوم قادرة على السيطرة على بحر جنوب الصين في كل السيناريوهات الأقل من قيام حرب مع الولايات المتحدة".

 

ويجد بري أن "دوتيرتي كونه سياسيا فإنه يعيش على التحدي، وليس هناك ما يوضح ذلك أكثر من قفزه في حضن الصين، وكلماته التي قالها في الصين كانت ناتجة عن انتقادات باراك أوباما له؛ لحملته الدموية لمكافحة المخدرات، التي أدت إلى آلاف عمليات القتل خارج نطاق القضاء، لكن مع دونالد ترامب، الذي لم يحمل نفسه عبء الاهتمام بحقوق الإنسان، فإن العلاقة الشخصية كانت أكثر دفئا".

 

وتفيد الصحيفة بأن "التهديد الضمني في كلامه -بأن التحالف العسكري الذي عمره 65 عاما بين مانيلا وواشنطن قد ينتهي- لم يستكمل، وغالبا أنه لن يستكمل؛ لأن ذلك سيترك البحرية الفلبينية التي تفتقر إلى المعدات تحت رحمة الصين، واستطلاعات الرأي تظهر أن الفلبينيين العاديين لا يثقون كثيرا بالصين، لكنهم يحترمون أمريكا".

 

ويستدرك التقرير بأنه بالرغم من الكلام عن استثمارات صينية كبيرة، فإن الأموال الصينية لم تصل بكميات كبيرة، لافتا إلى أن الاستثمارات واتفاقات التمويل التي كشف عنها الرئيسان دوتيرتي وشي عام 2016، لم ينفذ منها سوى النذر اليسير.

 

ويرى الكاتب أن "من الصعب التهرب من الاستنتاج بأن هناك تغيرا جذريا في طريقه، وهو تغير سيكون أكثر من رمزي، ولن يكون لصالح أمريكا، فهناك تغييرات كان يظن سابقا أنها مستحيلة، لكنها حصلت وبسرعة". 

 

وتختم "التايمز" تقريرها بالإشارة إلى قول دوتيرتي في العام الماضي: "أنا ببساطة أحب شي جين بينغ.. إنه يفهم مشكلتي، وهو يريد أن يساعد، ولذلك أقول شكرا للصين".

 

لقراءة النص الأصلي اضغط (هنا)