سياسة عربية

تقرير رسمي: هذه الاختلالات تهدد بانهيار الذراع المالي للمغرب

التقرير الضخم الذي رصد لأول مرة اختلالات مؤسسة صندوق الإيداع والتدبير ـ أرشيفية

دق المجلس الأعلى للحسابات بالمغرب (هيئة دستورية لمراقبة تدبير مالية الدولة) ناقوس الخطر، محذرا من انهيار "صندوق الإيداع والتدبير" (منظمة لتأمين المدخرات والاستثمارات الوطنية)، داعيا إلى مراجعة شاملة وسريعة لتلافي المخاطر التي تتهدده.


كشف تقرير جديد المجلس الأعلى للحسابات حول "مراقبة صندوق الإيداع والتدبير 2017"، عن عديد من مظاهر الخلل في تسيير المؤسسة، من بينها تطاول الصندوق على اختصاصات رئيس الحكومة، ومبينا مستوى الوضعية المالية الصعبة التي تعيشها المؤسسة على مستويات الاستثمار أوالحكامة أو القانون.


التقرير الضخم الذي رصد لأول مرة اختلالات مؤسسة صندوق الإيداع والتدبير الذي يعد أكبر مؤسسة مالية تشرف على تدبير مالية الدولة، منذ نشأته في 1959، وبلغ عدد الشركات التي يشرف على تدبيرها 143 من الشركات الفرعية والمساهمات سنة 2017.

سطو على اختصاص رئيس الحكومة
وقال تقرير المجلس الأعلى للحسابات يرأسه رئيس الوزراء الأسبق إدريس جطو، إن "افتحاص عمليات المساهمة في رأسمال عينة من الشركات الفرعية والمساهمات المالية التابعة لصندوق الإيداع والتدبير، كشف عدم تقيد هذا الأخير بالحصول على الإذن المسبق من قبل رئيس الحكومة".


وسجل التقرير أن "مثل هذه العمليات تقتضي إذنا مسبقا لرئيس الحكومة كما تنص على ذلك مقتضيات المادة 8 من القانون رقم 89 – 39 كما تم تغييره وتتميمه طبقا للقانون رقم 98 – 34 المأذون بموجبه بتحويل منشآت عامة إلى القطاع الخاص".

 

اقرأ أيضا: المجلس الأعلى ينشر "اختلالات" مالية بمؤسسات عمومية مغربية

 
وقدم التقرير أمثلة لعدد من الشركات التابعة للذراع المالي للدولة وهي تتجاوز اختصاصات رئيس الحكومة وعدم الرجوع إليه لأخذ إذنه، قائلا: "نذكر منها على سبيل المثال الشركات التالية "CG parking" و"Arribat-Center" و"Med" Resort"" و"Immolog"". 

تجاوز مساطر تأسيس الشركات

وسجل التقرير أن "الصندوق يلجأ إلى شركات غير نشيطة ويقوم بتحميلها أنشطة ومشاريع جديدة، وذلك عبر تغيير مهامها وتسميتها وتركيبة رأسمالها عوض احترام مسطرة ترخيص إنشاء شركات فرعية جديدة كما ينص على ذلك القانون المأذون بموجبه بتحويل منشآت عامة إلى القطاع الخاص".


ودعا المجلس وزارة الاقتصاد والمالية، باعتبارها السلطة المشرفة على الصندوق، إلى "التأكد من مدى احترام هذا الأخير للالتزامات والأهداف التي صدرت على أساسها الموافقة من أجل إحداث الشركات أو المساهمات".


وطالب المجلس الأعلى للحسابات السلطات العمومية، بـ"إعادة صياغة الإطار القانوني والمؤسساتي لصندوق الإيداع والتدبير من أجل ملاءمته مع الممارسات الفضلى لحكامة الشركات".


وأوصى المجلس الأعلى للحسابات الصندوق "بتسوية الوضعية القانونية للشركات الفرعية والاستثمارات وفق مقتضيات القانون رقم 89 – 39 كما تم تغييره ووفق قرار وزير المالية المؤرخ في فاتح أبريل 1960". 


اقرأ أيضا: "الأعلى للحسابات" يحصي اختلالات عديدة بالمؤسسات المغربية

 
مشاكل بالجملة
وأماط التقرير اللثام عما وصفها بـ"الاختلالات والخروقات التي يعرفها على مستوى الوضعية المالية أو الاستثمارية أو الحكامة أو القانونية أو غيرها من القطاعات التي انخرط فيها الصندوق".


وأبان عن "ضعف وعدم انتظام الأرباح الناتجة عن المساهمات المالية على المستوى الدولي، علاوة على افتقار الصندوق لمجلس إدارة يحظى بكامل الاختصاصات ويعمل كهيئة فعلية تمتلك سلطات اتخاذ القرار والتدبير والمراقبة على مختلف المرافق التابعة له". 


وظهر "وجود قصور في مواجهة نقط الضعف التي تطال الرقابة الداخلية للصندوق، وغياب منظومة تدبير المخاطر على مستوى المجموعة برمتها، علاوة على عدم إنجاز عملية الرصد المستمر للمخاطر والأنشطة على مستوى كافة مرافق المجموعة، و قصور على مستوى تدبير المخاطر المرتبطة بالأسواق المالية، لاسيما عدم تحيين دليل المساطر وغياب مساطر محددة لتقييم الوضعيات داخل السوق". 

تراجع المداخيل وتفاقم المخاطر
وسجل التقرير منحى تراجعيا لمردودية المساهمات المالية للصندوق منذ 2008، "فقد انخفضت من 6.6 بالمائة سنة 2008 إلى 2.5 بالمائة سنة 2014 ثم إلى 5.6 بالمائة سنة 2015 وبصفة استثنائية، سجلت سنة 2011 عائدات تناهز 1.6 مليار درهم، مما أتاح إنجاز نسبة مردودية بلغت 5.8 بالمائة". 


ورصد ارتفاع "الاحتياطات المخصصة لتغطية الانخفاض في قيمة المساهمات المالية المباشرة لصندوق الإيداع والتدبير ما بين سنتي 2007 و2017 من 652 مليون درهم إلى 5.059 ملايين درهم أي بنسبة زيادة بلغت 776 بالمائة". 


أرجع "هذا التدهور المستمر إلى تكلفة المخاطر التي بلغت سنة 2016 ما مجموعه 1.1 مليار درهم رغم الجهود المبذولة منذ سنة 2008 حيث كانت في مستوى 1.2 مليار درهم". 

غياب الرؤية الاستراتيجية
وأفاد التقرير: "لا تنم القرارات المتعلقة بتنويع الأصول عبر شراء مساهمات مالية في الخارج عن رؤية إستراتيجية تأخذ بعين الاعتبار القيود التي تواجه الصندوق، خاصة في الشق المتعلق بتأمين أمواله، حيث لم يضع هذا الأخير بصورة مسبقة نموذجا ملائما لتدخلاته على مستوى السوق الدولية يقوم على أساس دراسات معمقة تراعي التوزيع الإجمالي لأصوله وقواعد احترازية للاستثمار".


وكدليل على غياب الرؤية الاستراتيجية سجل التقرير أن "الصندوق اتجه نحو الاستثمار في الأوراق المالية المدرجة بالبورصات العالمية على الرغم من افتقاره للخبرة في هذا المجال، حيث أقدم على تخصيص موارد مهمة لهذا الغرض دون الأخذ بالاحتياطات الضرورية لترشيد الاستثمارات ودون وضع للمبادئ الاحترازية المتعلقة بالتدبير المحكم لهذا الصنف من الاستثمارات". 


وأضاف إليها "تفويت بعض المساهمات مع تسجيل خسائر، حيث تم تعويض الخسائر المتراكمة المسجلة من قبل شركتي "CMVT International" و"TCM" جزئيا عن طريق استرجاع بعض من الاحتياطات (reprises sur provisions) التي سجلت إثر تفويت بعض الأسهم والتي واكبتها في معظمها العديد من الخسائر". 

ارتفاع الخسائر
ورصد التقرير أن "مجموع الخسائر المسجلة في عمليات التفويت على الصعيد الدولي بلغ عند نهاية سنة 2013، ما قدره 296.1 مليون درهم مقابل أرباح في الرأسمال قدرت بـ 50.8 مليون درهم في يونيو 2010". 


وأشار التقرير إلى أن العديد من الشركات سجلت عجزا في ناتجها الصافي، مما أدى إلى مراكمة خسائر مرتفعة، قائلا: "بالتالي أثر سلبا على قدرة تمويلها الذاتي وعلى رأسمالها. كما أن عدم قدرة تغطية مواردها الثابتة لرساميلها المستثمرة دليل على عدم توازن وضعها المالي".


وفي ما يتعلق بالأداء السياحي للصندوق، قال التقرير إنه "في غياب آليات واضحة لتنزيل إستراتيجية وحكامة هذا النشاط، لوحظ انخفاض مردودية الاستثمارات المهمة التي تم رصدها، حيث مكن تحليل البيانات المالية لعينة من عشر شركات خلال الفترة الممتدة من سنة 2007 إلى سنة 2012 من تأكيد هذه الخلاصة. كما تعرف العديد من الشركات التابعة للصندوق، خاصة تلك التي تواجه صعوبات في خلق قيمة مضافة، مخاطر تهم استمرار نشاطها". 


وأضاف: “وبالنسبة للفنادق التي تم شراؤها من (أحد البنوك)، فإن الصندوق يواجه صعوبات في تقويم وضعيتها على الرغم من شروعه في تصفية وضعها العقاري وتسوية وضعيتها القانونية والمالية والاجتماعية، وكذا التدابير المنجرة لإعادة الهيكلة وتعبئة إمكانيات التمويل من خلال القروض التي حصلت عليها (19 قرضا بمبلغ إجمالي قدره 211 مليون درهم)" (حوالي 20 مليون دولار).


توصيات
وأوصى المجلس الأعلى للحسابات، صندوق الإيداع والتدبير بـ"التركيز على مهامه الأساسية المتمحورة حول حفظ ورعاية وتدبير الادخار الذي يعهد إليه، والتخلي عن الأنشطة الأخرى المتعلقة بالسكن الاقتصادي والاجتماعي، والخدمات، والفنادق، وشركات التنمية المحلية وغيرها". 


وأوصى المجلس "بالتخلي عن قطاع السكن الاقتصادي والاجتماعي، علاوة على دراسة إمكانية الانسحاب من قطاع الخشب، وشركات الخدمات لفائدة المقاولات وشركات التنمية المحلية".


وطالب التقرير "بإعادة تنظيم قطاع السياحة ودراسة إمكانية التخلي عن التسيير الفندقي، بالإضافة إلى تدارك العجز المسجل في تتبع بعض الشركات الفرعية وبعض المساهمات". 


وشدد "على ضرورة التتبع الدائم للعلاقة بين رؤوس الأموال الذاتية والمخاطر المرتقبة من أجل ضمان مستوى مقبول من المخاطر".


ودعا السلطات العمومية إلى "إعادة صياغة الإطار القانوني والمؤسساتي لصندوق الإيداع والتدبير من أجل ملاءمته مع الممارسات الفضلى لحكامة الشركات، وصندوق الإيداع والتدبير، بتعزيز نظام الرقابة الداخلية وإعداد نظام إدارة المخاطر للمجموعة بأكملها". 


وحث على "تسوية الوضعية القانونية للشركات الفرعية والاستثمارات وفق مقتضيات القانون رقم 89 – 39 كما تم تغييره وفق قرار وزير المالية المؤرخ في فاتح أبريل 1960. شدد المجلس على ضرورة تأكد وزارة الاقتصاد والمالية، باعتبارها السلطة المشرفة على الصندوق، من مدى احترام هذا الأخير للالتزامات والأهداف التي صدرت على أساسها الموافقة من أجل إحداث الشركات أو المساهمات".


وأوصى بـ"تأطير الاختيارات الإستراتيجية بخطط التشغيل قابلة للتنفيذ وفقا لجدول زمني محدد وكذا من خلال آليات التقييم والرصد، إضافة إلى تعزيز آليات القيادة لضمان مراقبة الشركات الفرعية والممتلكات".


والتمس "مراجعة كيفية قيادة الشركات الفرعية والمساهمات من أجل تنظيم نموذجي يسمح بإعادة توزيع الأدوار بين مختلف المتدخلين من أجل تتبع فعال وتفادي تداخل الاختصاصات". 


ووجه إلى "وضع سياسة توضح القواعد الخاصة بتوزيع الأرباح من قبل الشركات والمساهمات ومراجعة وضعية الشركات التي لا تقوم بذلك". 


وحث التقرير مجلس الصندوق إلى اتخاذ التدابير المناسبة لإعادة التوازن بين حصص مختلف فئات الأصول (الأسهم والسندات والعقار والمال) من أجل ترشيد العلاقة بين المردودية ونسبة المخاطر المرتقبة مع ضمان المتابعة الدائمة في هذا الشأن.

 

ويعتبر المجلس الأعلى للحسابات، أحد مؤسسات الحكامة التي أعاد المغرب هيكلتها في دستور 2011، وهو مؤسسة دستورية دورها المساهمة الفعالة في عقلنة تدبير الأموال العامة وتمارس كليا وظيفتها كمؤسسة عليا للرقابة مستقلة بذات الوقت عن السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية، ويصدر تقاريره بشكل سنوي ودوري.