كتاب عربي 21

انسحاب ترامب وتناقضات حرب الإرهاب

1300x600

تمتاز المقاربة الأمريكية في مجال الحرب على الإرهاب بالتشوش والتناقض والاضطراب، كما هو شأن مصطلح الإرهاب ذاته الذي ينطوي على إشكاليات ومفارقات والتباسات. إذ يمكن الحديث عن هزيمة الإرهاب والقضاء عليه وإعلان النصر، في نفس الوقت الذي نتحدث فيه عن بقاء الإرهاب وانتشاره وتناميه وزيادة خطورته. وقد تجسدت مفارقة غياب الإرهاب وحضوره في قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب؛ الذي أعلن فيه سحب القوات الأمريكية من سوريا، حيث ادعى أن تنظيم "الدولة الإسلامية" قد هُزم في سوريا، ثم ناقض نفسه مدعياً أن التنظيم أصبح الآن مشكلة دول أخرى.

مفارقات وتناقضات الحرب الأمريكية على الإرهاب لا تقتصر على الرئيس الأمريكي الحالي ترامب، فمنذ أن دشنت الولايات المتحدة الأمريكية سياسة "الحرب على الإرهاب"، عقب هجمات تنظيم القاعدة على نيويورك وواشنطن في 11 أيلول/ سبتمبر 2001، كان الهدف المعلن يتمثل بالقضاء على تنظيم القاعدة وهزيمة الحركات الجهادية المساندة العابرة للحدود، حيث أعلن الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش الابن مرارا هزيمة الإرهاب والقضاء عليه، وكذلك فعل خلفه الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما، لكن سرعان ما تكشفت نتائج الحرب على الإرهاب عن فشل ذريع، إذ لم تسفر جهود الحرب عن حرمان الإرهابيين المفترضين من ملاذات آمنة، وحصارهم وتجفيف مصادر تمويلهم وتدمير أديولوجيتهم الخطابية ودعايتهم الالكترونية. وقد بدا ذلك واضحا مع تخبط قرارات الانسحاب من أفغانستان، وهو البلد الذي شهد أولى غزوات حرب الإرهاب نهاية 2001. فاليوم تبدو عودة حركة طالبان وحلفائها من التنظيمات الجهادية والقاعدة مسألة وقت لا أكثر، كما أن نتائج غزو العراق 2003، تحت ذريعة "الحرب على الإرهاب"، ثم قرار الانسحاب في 2011، بدت كارثية، مع سرعة صعود تنظيم "الدولة الإسلامية". وإذا كانت قرارات الانسحاب من أفغانستان والعراق بالأمس تمتعت بنوع من ادعاءات النصر وهزيمة الإرهاب دون جدل كبير، فإن قرار ترامب الانسحاب من سوريا وادعاء هزيمة الإرهاب؛ لا يتمتع بالقبول ويوصف بالكارثي، حتى من قبل مستشاريه.

 

ادعى أن تنظيم "الدولة الإسلامية" قد هُزم في سوريا، ثم ناقض نفسه مدعياً أن التنظيم أصبح الآن مشكلة دول أخرى

مفارقة وتناقضات ترامب في الحرب على الإرهاب مضاعفة، فقد جاء قرار الانسحاب من سوريا في 19 كانون الأول/ ديسمبر، عقب رفع سقف التوقعات بمجابهة شاملة للإرهاب؛ لا تقتصر على حرب تنظيم "الدولة الإسلامية" و"القاعدة"، بل مواجهة "إيران" و"مليشياتها". ومن البداهات، أنه لم يتحقق أي تقدم في الحد من النفوذ الإيراني، بل إنه توسع وتمدد، كما أن إلحاق هزيمة نهائية بتنظيم "الدولة الإسلامية" لا تسنده الحقائق، فمركز دراسات الحرب الأمريكي (ISW) نشر تقريرا في 19 كانون الأول/ ديسمبر، بعد إعلان ترامب انسحاب القوات الأمريكية بساعات، جاء في مطلعه: "لم تهزم الولايات المتحدة وحلفاؤها داعش في العراق أو سوريا". ويشير التقرير إلى أن جيوب التنظيم قادرة على لملمة نفسها مرة أخرى، وآلاف المقاتلين ما زالوا موجودين في مناطق متفرقة من البادية السورية والقرى، بالإضافة إلى وجود شبكة لسيطرتهم؛ من خلال طرق وأنفاق تمتد لأطراف المدن السورية أيضا.

ثمة حالة من الشك والارتياب في قرار ترامب الانسحاب وتقييم وضع الإرهاب، فكبار مستشاري ترامب لمكافحة الإرهاب لا يشاركونه تفاؤله، فالأدميرال جوزيف ماغواير، الذي تمت المصادقة أخيراً على تعيينه في منصب المدير الجديد لـ"المركز الوطني لمكافحة الإرهاب"، قال بداية العام الحالي إنه على الرغم من خسارة تنظيم "الدولة" لمعظم الأراضي التي كان يسيطر عليها، "إلّا أنه لم يتمّ بعد تقليص قدرته على إطلاق تمرّد في سوريا والعراق، والحفاظ على شبكة عالمية بالشكل الكافي، وهو ما يتوافق مع تقييمات الوكالات الحكومية الأمريكية. وكان المبعوث الرئاسي الخاص للتحالف الدولي ضد تنظيم "الدولة"، بريت ماكغورك (الذي استقال مؤخرا)، قد صرح قبل أسبوع فقط من قرار الانسحاب بالقول: إن "أحداً لم يعلن إنجاز المهمة"، الأمر الذي دفعه إلى الاستقاله احتجاجاً على قرار ترامب. وقبل يوم من تغريدة ترامب التي أشار بموجبها إلى انتهاء المهمة العسكرية في سوريا، أكد المستشار الخاص لوزير الخارجية الأمريكي لشؤون سوريا، السفير جيمس جيفري، على ضرورة الحفاظ على وجود عسكري أمريكي في سوريا؛ من أجل ضمان الهزيمة الدائمة لتنظيم "الدولة الإسلامية".

لا تتطلب البرهنة على اختلال منظورات ترامب حول الإرهاب وقرار الانسحاب جهدا كبيرا، فالأدلة والشواهد العملية تدعم المخاوف التي عبّر عنها مستشارو ترامب، فالأمم المتحدة كانت قد نشرت تقريراً مطلع العام الحالي أشارت في إلى أنه ما زال لدى تنظيم "الدولة الإسلامية" ما بين 20 و30 ألف مقاتل في العراق وسوريا، وفي 19 كانون الأول/ ديسمبر، قدّر متحدث باسم التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة ضد التنظيم، الكولونيل شون ج. ريان، أن الجماعة لا تزال تملك بين 2000 و2500 مقاتل في منطقة هجين وحدها في سوريا.

يُذكّر قرار الرئيس الأمريكي بإعلان النصر في سوريا وسحب القوات الأمريكية بالأخطاء التي ارتكبها الرئيسان السابقان بوش وأوباما، حسب ماثيو ليفيت وهارون ي. زيلين، في مقالتهما المعنونة بـ"مهمة غير مُنجزة"، من خلال التقليل من أهمية النسخ السابقة لتنظيم "داعش". فبعد فترة قصيرة من إعلان الرئيس بوش عن "إنجاز المهمة" في أيار/ مايو 2003، أصبحت "جماعة التوحيد والجهاد"، التي كان يتزعمها آنذاك أبو مصعب الزرقاوي، الفصيل المتمرد المهيمن ضدّ القوات الأمريكية، وبعد عام واحد أعيدت تسميته تنظيم "القاعدة في العراق"، عندما بايع الزرقاوي أسامة بن لادن، وفي عام 2006، أعاد تنظيم "القاعدة في العراق" تسمية نفسه "الدولة الإسلامية في العراق"، وتوسّع ليصبح "الدولة الإسلامية في العراق والشام" (داعش) في كانون الثاني/ يناير 2014. كما أن تصنيف أوباما الساخر لتنظيم "داعش" في الشهر نفسه، باعتباره "فريق الناشئين"، مقارنة مع تنظيم "القاعدة"، برز قبل ستة أشهر فقط من استحواذ الجماعة على أراض بحجم بريطانيا، تمتد عبر أجزاء في العراق وسوريا. ويشير انسحاب ترامب المفاجئ إلى ثقة مفرطة بالنفس؛ مماثلة لتلك التي تكونت لدى بوش وأوباما، ومع ذلك، يمكن القول إنها أسوأ، فقد أدلى بوش بخطابه قبل تبلور تهديد الجهاديين، وتفوّه أوباما بزلّة لسانه قبل إعادة ظهور التنظيم. وحيث فشل سلفاه في أخذ التهديد الوشيك بجدية كافية، يشيح ترامب بنظره عن هذا الأمر، ويسحب الولايات المتحدة من اللعبة قبل أن تتم هزيمة النسخة الحالية من تنظيم "داعش". 
ادعاءاته بمواجهة رعاية الدولة الإيرانية للإرهاب وجعلها إحدى أولوياته أقرب إلى الفضيحة، فهو لا يخرج عن ادعاءات أسلافه ونهجهم المحير، فقد ساهمت السياسة الأمريكية بطرائق عديدة بتحويل إيران إلى قوة إقليمية رئيسية


إذا كانت إدعاءات ترامب بالقضاء على إرهاب تنظيم "الدولة الإسلامية" لا يحظى بالمصداقية، فإن ادعاءاته بمواجهة رعاية الدولة الإيرانية للإرهاب وجعلها إحدى أولوياته أقرب إلى الفضيحة، فهو لا يخرج عن ادعاءات أسلافه ونهجهم المحير، فقد ساهمت السياسة الأمريكية بطرائق عديدة بتحويل إيران إلى قوة إقليمية رئيسية، عندما تعاونت مع إيران تحت شعارات أولوية "حرب الإرهاب"، الأمر الذي أدى إلى تخلص إيران من أهم عدوين عبر إسقاط نظام طالبان في أفغانستان 2001 ونظام صدام حسين في العراق 2003. وانتهت المغامرة بخسارة أمريكية باهظة، وبات العراق في قبضة إيران، وأصبحت طالبان حليفة طهران. واليوم، باتت سوريا في صلب المشروع الإيراني، وتحققت طموحاته بخلق ممر بري يصل إيران بشواطئ البحر المتوسط، مرورا بالعراق وسوريا، لتعزيز نفوذ طهران في المنطقة.

لقد ذهبت مقاربة ترامب كسابقيه، حول "إرهاب" إيران، أدراج الرياح، ولكن بصورة أكثر دراماتيكية، فقبل وقت قصير من إعلان ترامب الانسحاب كان مبعوثه إلى سوريا السفير جيفري يؤكد في تشرين الثاني/نوفمبر الماصي، على أن الوجود العسكري الأمريكي في سوريا يساعد على الحد من الأنشطة الإيرانية الخبيثة، وأن الوجود الأمريكي يمنع إيران من تأمين جسر بري إلى لبنان، والذي تستطيع من خلاله بسهولة تسليح الأسد و"حزب الله" بالصواريخ والأسلحة الأخرى، ويُعقّد الجهود الإيرانية لبناء "قوة مشاة" من المقاتلين المخضرمين من المليشيات الشيعية التي أقامتها إيران وتدعمها في سوريا والعراق.

 

المؤكد أن لا نهاية للحرب على الإرهاب، فالسياسات والاستراتيجيات المتبعة في حرب الإرهاب تنطوي على فشل بنيوي، لأسباب سياسية وبواعث عملية، بدءا من تعريف الإرهاب، مرورا بأسباب ظهوره وشروط وجوده

خلاصة القول، أن سمة التخبط والاضطراب في مقاربة حرب الإرهاب لا تقتصر على ترامب، فهو لا يختلف عن أسلافه السابقين، سوى في كونه أكثر ادعاء وتناقضا واضطرابا، فهو الرئيس الذي يقول الشيء ونقيضه دون حرج، ويمكنه كذلك اتخاذ قرارات خطيرة من خلال "تغريدة".. لكن المؤكد أن لا نهاية للحرب على الإرهاب، فالسياسات والاستراتيجيات المتبعة في حرب الإرهاب تنطوي على فشل بنيوي، لأسباب سياسية وبواعث عملية، بدءا من تعريف الإرهاب، مرورا بأسباب ظهوره وشروط وجوده، وصولا إلى طرائق مكافحته ومنعه. وللمفارقة، فإننا نشهد بعد كل إعلان عن هزيمة الإرهاب والقضاء عليه ولادة نسخ أكثر خطورة وأوسع انتشارا وأشد عنفا، ذلك أن الشيء الذي يسمى "الإرهاب" هو مولود شرعي للإمبريالية والدكتاتورية.