قضايا وآراء

هل سيتخلى نتنياهو عن ابن سلمان؟

1300x600

لقد كان رئيس وزراء دولة الاحتلال بنيامين نتنياهو أحد أبرز الزعماء القلائل في العالم الذين دافعوا بشكل واضح وجدّي عن ولي العهد السعودي محمد بن سلمان منذ بداية اتهامه بقتل الصحفي السعودي جمال خاشقجي في قنصلية بلاده في إسطنبول، متجاهلا أيضا موقف وكالة المخابرات الأمريكية الـ"سي آي إيه" بأن ابن سلمان هو من يقف فعلا خلف عملية القتل، مبررا الأمر بأهمية السعودية و ابن سلمان في محاربة ما يسمى بالخطر و النفوذ الإيراني المتزايد في المنطقة والعالم، فإلى أي مدى سيستمر نتنياهو في موقفه المدافع عن ابن سلمان؟ ومتى سيتخلى عن موقفه ذلك.. وذلك في أعقاب التطورات الأخيرة؟


عاملان رئيسان قد يدفعان نتنياهو باتجاه التخلي عن جهوده في دعم ولي العهد ابن سلمان، في مقابل ثلاثة عوامل تشجعانه على المضي قدما، وإن بطرق مختلفة لاستمرار إظهار الدعم لابن سلمان.  من أهم هذه العوامل:


العامل الأول، يتعلق بسجل العلاقة بين إسرائيل والسعودية في ظل ابن سلمان، حيث وصل التعاون الاستخباراتي والأمني بين البلدين في محاربة قوى النهوض في العالم العربي و ما يسمى بالخطر الإيراني و حزب الله حدودا لم يكن يتصورها صغير أو كبير في إسرائيل كما صرح بذلك علنا كبار القادة فيها، و قد أكدت مصادر غربية و إسرائيلية و آخرها ما جاء في هآرتس في 16-12، عن أن رئيس الموساد الإسرائيلي يوسي كوهين اجتمع أكثر من مرة بقادة سعوديين كبار، وزار أحمد العسيري إسرائيل أكثر من مرة و بإشراف من سعود القحطاني الذي لا (يقدح من رأسه)، ولكن بتعليمات مباشرة من ابن سلمان، و ما شراء برنامج التجسس و المراقبة (بيجاسوس) من شركة البرمجيات الإسرائيلية (أن أس أو) إلا مؤشر واحد فقط على ذلك . 


أما العامل الثاني – والذي يلعب لصالح استمرار تمسك نتنياهو بابن سلمان فهو تزايد حاجة نتنياهو لحلفاء موثوقين في المنطقة و الإقليم، وخاصة بعد التطور المفاجئ وهو قرار ترامب الصادم لإسرائيل بالانسحاب الفوري للقوات الأمريكية من سوريا، الأمر الذي سيترك إسرائيل وحدها (كما تقول) في مواجهة ما تسميه الخطر الإيراني في سوريا (والإرهاب) في المنطقة.


ومثلما سيضعفها الانسحاب فإنه سيقوي في المقابل أعداءها و خصومها في المنطقة، وخاصة إيران و روسيا و تركيا، و هكذا تزداد حاجة نتنياهو لحليف كابن سلمان على الرغم مما أصابه من ضعف و تراجع بسبب تداعيات قضية مقتل الصحفي الخاشقجي . 


يشكل حرص نتنياهو الشديد و تحديدا في فترة انتخابات الكنيست و المزايدات الإسرائيلية الداخلية، وفي ظل تطورات قضية الفساد، والتي كان آخرها انضمام النيابة العامة في 19-12 للشرطة في توصيتها للمستشار القضائي للحكومة لتقديم لوائح اتهام بتهم الفساد في قضايا الرشوة، وما تعرض له من فشل أمني في غزة و الضفة الغربية، يشكل حرصه على عدم الظهور بمظهر الفاشل أيضا في العلاقات الخارجية عاملا ثالثا لاستمرار دعمه و تمسكه بابن سلمان، على الأقل ظاهريا و إعلاميا .


 فنتنياهو عرض و باستمرار العلاقة مع ابن سلمان بشكل خاص، وموضوع التطبيع في العالم العربي كقصة نجاح و إنجاز كبير أمام كل خصومه السياسيين، خاصة أن هذا التطبيع يخالف بوضوح نظريات خصومه و منافسيه، حيث أثبت برأيه أن التطبيع ممكن بدون أن يتم حل أو حتى تقدم في عملية التسوية مع الفلسطينيين، بل إن من الممكن ان يضغط العرب على الفلسطينيين في هذا الإطار.


أما العوامل التي تدفع نتنياهو للتخلي عن ابن سلمان فمن أهمها عاملان، الأول – وهو تطورات الموقف الأمريكي باتجاه التخلي عن ابن سلمان والتي كان آخرها و أهمها قرار مجلس الشيوخ الأمريكي بتحميل ابن سلمان مسؤولية قتل الصحفي السعودي جمال خاشقجي، فنتنياهو لا يستطيع الاستمرار طويلا في مواجهة الضغوط الأمريكية بهذا الاتجاه، والتي قد تؤدي لإجبار المدافع الأول عن ابن سلمان وهو ترامب للتراجع عن موقفه.


أما العامل الثاني والذي أثار سؤال هذا المقال، فهو ما أكدته صحيفة وول ستريت جورنال 18-12 من تراجع قدرة ابن سلمان على العمل والمبادرة السياسية في المنطقة بسبب تداعيات قضية خاشقجي وما نجم عنها من إقالة لاثنين من كبار مساعدي ابن سلمان وممن يعتبرون وكلاء العلاقة مع إسرائيل، وهما القحطاني و العسيري، فنتنياهو في ضائقته الأخيرة يريد ابن سلمان قويا ومبادرا كما عهده في بداية الطريق ليتمكن من عرض علاقته معه كنجاح وإنجاز كبير لسياسته الداخلية و الخارجية، لا أن يتحول ابن سلمان لضعيف و بحاجة لدعم الآخرين، فالسياسة الإسرائيلية قائمة على (تشغيل الاخرين) و ليس (الشغل من أجلهم).


بناء على ما سبق فمن المرجح أن تغلب عوامل التمسك بابن سلمان على عوامل التخلي عنه، طالما لم يوجد بديل مناسب له، وبالتالي فمن غير المتوقع أن يبادر نتنياهو لوقف دعمه لابن سلمان طالما بقي وليا للعهد، فما لا يدرك كاملا من قدرات ابن سلمان فلا يترك بعضه أو جزءا منه، هذا ما لم تحدث تطورات جوهرية جديدة لدى الرئيس المتقلب المزاج دونالد ترامب.