كتاب عربي 21

خسر ابن سلمان وعلى ابن زايد أن يخسر أيضاً

1300x600
ليس لدي أدنى شك بأن القتل البشع والمريع للكاتب الصحفي الكبير والمغدور الشهيد جمال خاشقجي؛ قد فتح نافذة أمل واسعةً لأمة بأكملها، ويكاد أن يضع بشكل عملي النهاية المفترضة لحقبة مظلمة تم تكريسها بالعنف والدم وبالعمليات الإرهابية القذرة؛ وراح ضحيتها الآلاف الأبرياء من تونس إلى عدن، وكان وقودها المحرك هو المال السعودي والإماراتي؛ والنزعة الشريرة للحكام الطامحين الجدد في الرياض وأبو ظبي.

خسر محمد بن سلمان معركة تكريس النفوذ في اللحظة التي أقر فيها بأن تصفية كاتب مسالم كان جريمة منفلتة وخارجة عن السيطرة، وهي رواية ساذجة وغير مقبولة، وليس لها من أهمية سوى أنها وضعت حداً للسقف المفتوح الممنوح لولي العهد السعودي الشاب من الغرب، وخصوصاً من أمريكا ترامب.

لذا، فإن الإقرار بمقتل خاشقجي، تطور مهم وخطير وله ما بعده في ما يتصل بالسياسات المقبلة للمملكة العربية السعودية التي لا نعلم ما إذا كان الأمير محمد بن سلمان سيبقى المؤثر الأكبر فيها.

وما نأمله هو ألا يخرج ابن سلمان وحده بهذه الخسارة السياسية الفادحة، فثمة شريك ينضح بالسوء والشر والمؤامرات، وأعني به ولي عهد أبو ظبي محمد بن زايد؛ الذي يحاول حتى الآن الاختباء خلف الجلبة الشديدة التي أثارها مقتل الكاتب خاشقجي في قنصلية بلاده العامة بمدينة إسطنبول في الثاني من تشرين الأول/ أكتوبر الجاري.

فقد أثار الاستقصاء الصحفي الذي نشره موقع "بازفيد" الإخباري الأمريكي؛ قضية لا تقل بشاعة، وتتصل بعملية معقدة مولتها الإمارات وأشرف عليها محمد بن زايد؛ من أهم فصولها استئجار مرتزقة وقتلة محترفين من المخابرات الإسرائيلية وعناصر من القوات الخاصة الأمريكية السابقة، وتزويدها بلائحة من عشرات الشخصيات السياسية والدينية والأمنية والعسكرية في مدينة عدن بجنوب اليمن؛ بعضها نجح وبعضها الآخر فشل.

تتميز جرائم القتل السياسي الإرهابية التي أدارها ابن زايد على الأرض اليمنية بتوفر الأدلة وبإقرار المجرمين بجرائمهم، ويدعمه السلوك الإرهابي والإجرامي الذي مارسته القوات الإماراتية واستخباراتها التي تدار من قبل طحنوب بن زايد، عبر سلسلة من السجون والمعتقلات السرية وأعمال التعذيب البشعة واللاأخلاقية التي طالت المئات من اليمنيين في المحافظات الجنوبية.

نأمل بعد أن اتضحت الصورة بشأن مصير الكاتب المغدور جمال خاشقجي؛ أن تتجه الأنظار إلى جرائم ابن زايد، فاليمن يحتاج أكثر من أي وقت مضى إلى إجلاء الحقائق بشأن الدور الإماراتي الذي يختط نهجاً عنيفاً ولا أخلاقياً، ويتبنى أهدافاً سيئة لحرب أبو ظبي في اليمن، من بينها تقسيم اليمن واحتلال أجزاء مهمة من جغرافيته، وقبل ذلك إنهاء الشرعية أو إعادة تصميمها لتكون غطاء لتحقيق الأهداف الجيوسياسية لتحالف الرياض-أبو ظبي في هذا البلد.

إذا كان هناك بلد يدفع ثمناً غالياً جراء المخطط الإقليمي الشرير الذي يموله ابن زايد وابن سلمان، فهو اليمن وليبيا ومصر، غير أن اليمن ينوء تحت أثقال عديدة؛ أسوؤها الانهيار المعيشي الحاد، الذي أدخل البلد في دائرة غير مسبوقة من الجوع والمجاعة تُقر الأمم المتحدة بأنها تتجه لأن تصبح أكبر مجاعة في هذا القرن.

شكلت السعودية في عهد ابن سلمان نقطة الارتكاز لمحور إقليمي تسلح بكل شرور العالم ليفرض رؤيته الخاصة بصياغة مستقبل منطقتنا، فكان القضاء على ربيع العرب الخطوة الأولى في سلسلة من الترتيبات التي تشمل فيما تشمل إنهاء القضية الفلسطينية والتنازل عن القدس، وتطويع الموارد العربية لخدمة المشروع الصهيوني والأمريكي المتصهين.

والأسوأ من ذلك، تطويع الشعوب العربية للقبول بالحقائق الجديدة التي تحضر فيها الشمولية والدكتاتورية والقمع؛ ونمطٌ مشوه من التحرر الاجتماعي، لكن من كل القيم النبيلة، بما فيها قيم الديمقراطية التي قبلت أمريكا ترامب بأن تضحي بها، بعد أن مارست واشنطن طيلة عقود من الزمن وصايةً على الديمقراطية والحريات في العالم.