كتاب عربي 21

معارك جنوب طرابلس في الميزان

1300x600
بالنظر إلى المعارك التي اندلعت منذ بضعة أيام جنوب طرابلس، هناك عنصران مهمان يميزان القوات المهاجمة: الأول هو القوة بمظاهرها الثلاثة، قوة التنظيم والقوة القتالية وقوة التسليح، أما ميزتها الثانية فهي ظهورها بمظهر الجيش اسما ورسما. 

وهذان عاملان مهمان في تحديد كيفية التعامل معها خاصة دوليا، وهما بالمقابل مؤشر على اتجاه تصحيحي مختلف لا علاقة له بفجر ليبيا كما يعتقد البعض.

لدي تحفظ على اعتبار الهجوم "عملية فجر ليبيا 2"، فعملية "فجر ليبيا" التي كانت ردة فعل مباشرة على التهديد بحل المؤتمر الوطني والقبض على أعضائه وهو الذي كان يمثل الشرعية آنذاك، برز دور الإسلاميين فيها من بين تيار فبراير العريض، وهذا في حد ذاته عامل فارق خاصة بالنسبة للأطراف الدولية.

فجر ليبيا التي توفر لها غطاء اجتماعي واسع وأيدها ما يقرب من 23 مجلسا بلديا منتخبا في المنطقة الغربية، وحركها عمل عسكري استهدف الشرعية في ذلك الوقت، بعد إعلان كتائب عسكرية بعينها حل المؤتمر الوطني بالقوة، لم تستطع فرض واقع سياسي وانتهت تماما، لأن المجتمع الدولي رفضها ورفض مخرجاتها من مؤتمر وحكومة إنقاذ.

فيما يتم التعاطي مع مطالب القوة المهاجمة التي في طليعتها ما يعرف باللواء السابع، ومن المتوقع أن يستجاب لبعض شروطها في المفاوضات المرتقبة، وهذا له دلالته في التصنيف والتقييم.

العلمية العسكرية الراهنة قد تنجح في التأثير على المشهد الأمني، لكنها لن تنجح في تغيير الوضع كليا في العاصمة، وذلك للأسباب التالية:
 
1) أنه وحتى هذه اللحظة لم تحظ العملية بتأييد سكان العاصمة، بل من الواضح أنها مرفوضة من قطاع واسع منهم.

2) أن هذه العملية مرفوضة من المجلس الرئاسي، ما يعني تحفظ المجتمع الدولي، باعتبار أن الأخير داعم للأول، وسيتغير موقف الرئاسي في حال قبلت القوة المهاجمة بتغييرات في الخارطة الأمنية لا تضعف السراج.

3) تشكيل القوة المهاجمة يضم مجموعات محسوبة على فبراير، بالمقابل، فإن من ضمنها عناصر مخالفة وينسبها بعضهم للنظام السابق أو للكرامة وحضورهم قوي، وهو خليط لكن يكون مريحا للرسميين.

4) القوة المهاجمة برغم الظهور الإعلامي الخجول أكدت على الالتزام بالاتفاق السياسي إلا إنها لم تشر في بياناها بالأمس إلى دعمها للمجلس الرئاسي الذي اعتبرته واقعا تحت سيطرة كتائب طرابلس ولهذا دلالة خاصة قد يكون لها تأثير على الرئاسي بشكل أو آخر.

5) مظاهر الاتزان وقوة التنظيم وإبراز القوة على أنها جيش منضبط تحت إمرة ضباط لم يبدد حتى اليوم الاعتقاد السائد بين كثير من سكان طرابلس، أن المعارك الدائرة اليوم هي معارك نفوذ وصراع على مصالح.

ربما يوافقني كثيرون الرأي أن ما وقع لابد أن يقع في ظل الظروف المأساوية الراهنة، فالوضع في العاصمة مترد معيشيا وخدماتيا، والمجلس الرئاسي عاجز تماما عن مجابهة هذا التردي، وتعالت الأصوات وصار لها دوي تطالب بالتغيير في أعلى الهرم، وهكذا وضع يبرر لمن شاء أن يفعل ما يشاء.

من جهة أخرى، لم يتم إعادة تموضع وهيكلة المجموعات والكتائب المسلحة الطرابلسية التي هي خارج أي سيطرة أو رقابة، ولم يتم وضع أسس صحيحة لدمجها في الجيش والشرطة وغيرها من الأجهزة المهمة كجهاز مكافحة الإرهاب الذي ينبغي أن يكون له دور حيوي في ظل استمرار تهديد بقايا تنظيم الدولة ولا يزال الجهاز حبرا على ورق.

واضح أن الحلقة الأضعف في ظل هذا الصراع هي السلطة التنفيذية والأجهزة الرسمية، فما يزال الاعتماد اليوم لتأمين العاصمة على الكتائب وحتى الأفراد العاديين الذين عادة ما يهبون حين الإحساس بالخطر على مدينتهم وأحيائهم، ولا يمكن أن يقبل عاقل الادعاء بأن جهازا أمنيا رسميا أو قوة عسكرية نظامية تتمتع بمواصفات مقبولة من الانضباط في العاصمة قادرة على فرض الاستقرار فيها.

ودعوة قوات من خارج طرابلس كالبنيان المرصوص (كتائب مصراته) والمنطقة العسكرية الغربية (كتائب الزنتان) يعود بالوضع الأمني والعسكري إلى المربع الأول، ولن يقوم به الرئاسي إلا في حال شعر بالتهديد بشكل مباشر ليصبح القرار مسألة حياة أو موت.

تذكرت في ظل الأحداث الكبيرة الراهنة الطلب المستمر الذي دأب على توجيهه المجلس الرئاسي للمجتمع الدولي برفع الحظر على بيع السلاح لليبيا، ذكرني به هذا الكم الهائل من العتاد الثقيل والمتوسط الذي تم حشده في معارك جنوب طرابلس من كلا الطرفين، وصار مؤكدا أن لا حاجة لسلاح جديد والأولوية لتنظيم السلاح الموجود وضبط المسؤولين عنه.

الأهم في ما يتعلق بالحرب الدائرة، التي تكررت مرات ومرات في العاصمة، أنها تفسح المجال لمزيد من التدخل الخارجي بل وتبرره شعبيا، فالسلطة التنفيذية في نظر المواطن في حالة شلل تام، فلا كهرباء، والماء في انقطاع متكرر، ولا سيولة، والأسعار مرتفعة وكلفة العيش باهظة، هذا عن علاوة عن رعب الاقتتال.

أخيرا أقول إن الحرب الدائرة اليوم لها ما بعدها خاصة في إعادة ترتيب النفوذ الأمني والعسكري في طرابلس وقد لا يكون بالضرورة ترتيبا إيجابيا، وينبغي أن تنصب الجهود أولا تجاه وقفها ومنع تفجر الوضع مرة أخرى، على أن يعقب ذلك الدفع باتجاه وضع أسس صحيحة لتنظيم السلاح والمسلحين كأولوية في العاصمة الكبرى ومحيطها، فلا يبرر التأخير في ذلك أي شيء ولو كان التوافق السياسي ذاته.