قضايا وآراء

القضية المصرية بين المبادرات والمزايدات

1300x600

في يومين متتاليين خرجت على الشعب المصري مبادرتين، الأولى من المهندس محمد محيي، عضو مجلس الشورى السابق وأحد أعضاء اللجنة الدستورية التي كتبت دستور الثورة، والثانية من السفير معصوم مرزوق وهو أحد الوطنيين الأحرار الذين تعاهدوا على حماية هذا الوطن في أي موقع وجد فيه. فالمبادرات، وإن كثرت منذ بداية الأزمة المصرية، لا يمكن التشكيك في أصحابها، فمنطلقهم حب الوطن وهدفهم في النهاية إنقاذه.

لكن، يعاب على كل المبادرات التي أطلقت أنها تخاطب نفسها أو الفصيل المعارض، وإن كانت صياغتها موجهة في المجمل للنظام، إلا أن الواقع يقول إن النظام غير معني بهذه المبادرات، حتى تلك التي انطلقت من معسكره أنكرها النظام ونفى صلته بها، وأعني هنا مبادرة الدكتور زياد بهاء الدين، نائب رئيس مجلس الوزراء في حكومة ما بعد الانقلاب.


فالأزمة الحقيقية في تلك المبادرات أن النظام لا يراها، أو بالأحرى لا يريد أن يراها، وهو في ذلك مدفوع بعدة عوامل، منها ما هو داخلي كشعوره بسيطرته على الأوضاع في مصر رغم كل الأزمات التي يعيش فيها الشعب، وتمكنه من مفاصل الدولة يوما بعد يوم بتصفية المعارضين سياسيا أو حتى ماديا، بل وتصفية المؤيدين بالاستيداع والتغيير.

أما العوامل الخارجية التي تدفع النظام إلى عدم رؤية المبادرات فتتمثل في استمرار دعم الكفيل الخليجي، كاره الخير لمصر، والدعم الغربي الذي يرفض الديمقراطية لشعب عندما أتيحت له الديمقراطية أختار الخروج من تحت سيطرة الغرب. ومن ثم يفضل الغرب الدكتاتور المطوع لشعبه المُخنع له على الديمقراطية التي تمرد الشعوب على سيطرته، وهو ما فهمه النظام بشكل كبير ويلعب عليه، كما يفعل الآن في صفقة القرن.

وكأي فكرة في الدنيا لها المؤيد ولها المعارض، فهذه المبادرات تجد لها في الصف الثوري من ينقدها، وهو حق له لا يمكن إنكاره عليه، لكنه في نقده يكون مزايدا أكثر منه مناقشا، فالرافض للمبادرات لا تجد عنده بديلا، وبضاعته في الرفض محصورة في حق الشهداء وحق الرئيس وحق المعتقلين، وللأسف من هؤلاء من يخون أصحاب المبادرات، رافضا ما بها مرتكزا إلى الحقوق الثلاثة، ناسيا أنه لا يملك في النهاية من الأدوات ما يمكنه لاسترجاعها.

على الرغم من خوفنا على مستقبل مصر الذي يحفر النظام له قبرا، نرفض أي مبادرة مبنية على مبدأ "انبطحوا يرحمكم الله"، وحديث البعض عن أن اليابان لما اعترف بهزيمتها في الحرب العالمية الثانية وصارحت نفسها وشعبها بذلك، وقبلت الاستسلام؛ كانت البداية للعودة من جديد وبناء يابان أعظم من الإمبراطورية التي هزمت، وأصبحت تهدد عرش من هزمها باقتصادها؛ عندما التفتت إلى نفسها وبنت الإنسان الياباني وبنت معه اقتصادها فعاشت الرفاه المأمول، وهو المنطق الذي يقنع به المهزوم نفسيا نفسه لأنه لم يؤمن يوما بالثورة، ولكنه مشي معها عندما أملته بمنصب أو مصلحة. وإن كنا نرفض هذا المنطق، فإننا في المقابل نتفهم معنى التفاوض ونعرف آلياته وحدوده، ونفهم جيدا أن التفاوض يحتاج إلى حنكة ونفس طويل، والأهم أوراق ضغط تمكن من قبول أطراف راعية للوساطة وصولا إلى الجلوس على طاولة المفاوضات.

إن أردنا أن ندرك الزمن يجب أن نقرأ جيدا. والمشهد اليوم يفيد أن العالم أصبح راضيا عن منظومة الانقلاب، فقد استطاع السيسي بالصبر أن يكسب اعترافا دوليا، نفتقده الآن. استراتيجيتنا المبنية على المظلومية والتعويل على دم من استشهد لم تؤت ثمارها، كما أن تسفيهنا من منظومة الانقلاب ورأسها لم تغير من الواقع شيئا، كذلك فإن ظننا أن رحيل السيسي مسألة وقت أثبتت خطأها، وانتظارنا شركاء الانقلاب أن يتناحروا وهم نعيشه ونسكن به آلامنا. حتى الدعاء الذي فطرت به قلوب الصالحين منا لم يجد مع النظام نفعا، لا لتحصنه، ولكن لأن لله سننا، ومنها: "لا يغير الله ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم"، ومنها: "إن تنصروا الله ينصركم"؟ ومن أهم سننه في الصراعات: "وأعدوا"، ومن الإعداد امتلاك مقومات القوة وأوراق الضغط.

آن لنا أن نتحرك حتى ننتصر، آن لنا أن نفكر علميا، آن لنا أن نمتلك أوراق لعب حتى ننزل الملعب، وهو ما لن يكون إلا بضخ دماء جديدة في منظومة إدارة الصراع. فالوقت سيف على رقابنا لإنقاذ مصر من أيدي من يغرقها. وعليه، فواجبنا أن نتحرك لإيجاد الحلول، ولو من خلال المبادرات المبنية على موقف قوي. وحتى ذلك، فعلينا أن نصنع لنا أوراق لكي نستطيع أن نلعب بها في لعبة الأمم.

وأخيرا... من لم يكن لديه أوراق لعب فعليه أن يصنعها.