قضايا وآراء

حركة النهضة بين القيمة الوظيفية والقيمة الجمالية

1300x600

منذ رحيل الرئيس التونسي المخلوع يوم 14 جانفي 2011، عاشت البلاد وضعا سياسيا غير مسبوق منذ ما تأسيس ما يُسمّى بالدولة الوطنية.

 

فلأول مرة تعترف الدولة بقانونية حزب من أحزاب"الإسلام السياسي" الذي ظل خلال عهدي المرحوم بورقيبة وخلفه بن علي حركات "غير قانونية" بل مطاردة ومقصية من آليات توزيع السلطة والثروات المادية والرمزية رغم الطابع الريعي-الزبوني للعهدين المذكورين أعلاه.

 

وقد كانت حركة النهضة –الاتجاه الإسلامي سابقا- أكثر حركة إسلامية تعرضت للقمع، خاصة أوائل التسعينات من القرن الماضي. فقد تحالفت السلطة التجمعية مع المعارضة "الديمقراطية" القانونية –وغير القانونية من مثل حزب العمال وبعض مكوّنات العائلة الوطنية الديمقراطية- على ضرب هذه الحركة مما خلّف عشرات الآلاف من المفروزين أمنيا والمُهجّرين والكثير من الشهداء والمفقودين.

 

وقد كان ثمن "المحرقة" مرتفعا بحكم الطبيعة "الجماعية" للعقوبة ونظرا لغياب أية ضمانات قانونية للمشبوهين أو المتهمين حتى بمجرد التعاطف مع النهضة.


لقد مثلت الثورة التونسية لحظة قطيعة "قانونية" مع هذه الوضعية، إذ تحصّلت حركة النهضة على تأشيرة العمل القانوني، بل إنها أصبحت فاعلا رئيسا في الحقل السياسي كله باعتماد نتائج انتخابات المجلس التأسيسي ومن بعده الانتخابات التشريعية سنة 2014 والبلدية سنة 2018.

 

ولكنّ "التطبيع" القانوني لم يكن يعني تطبيعا نفسيا أو فكريا مع وجود هذه الحركة في وعي الكثير من النخب العلمانية بمختلف منحدراتها الإيديولوجية ومختلف علاقاتها مع نظام المخلوع.

 

فقد ظل الخطاب"الاتهامي" والحلم "الانقلابي" غالبين على النخب العلمانية في علاقتها بالنهضة. وهي ملاحظة لا تنحصر في العدو الإيديولوجي التقليدي للإسلام السياسي (خاصة اليسار الفرنكفوني وبعض الحركات القومية التي ظلت تتحرك أساسا ضمن دائرة المعارضة).

 

فالملاحظة السابقة تصحّ حتى على "جسد السلطة" بمكوّناته المختلفة، خاصة حركة نداء تونس التي يمكننا اعتبارها الوريث الشرعي -لا الوحيد- للتجمع المنحل الذي استبد بحكم تونس خلال عهد المخلوع. وهو ما يبدو جليا في تدخلات الأغلب الأعم من قيادات هذه الحركة والمحسوبين عليها في الإعلام والثقافة والعمل الجمعياتي.

بصرف النظر عن المحددات "المصلحية" أو "المبدئية" التي تحكم علاقات النخب العلمانية بحركة النهضة، وبصرف عن موقع تلك النخب في السلطة، فإنها تشترك في تبني خطاب صداميّ يتوجّه إلى الوعي حينا ويشتغل –بحرفية كبيرة- على اللاوعي أحيانا أخرى.

 

ويمكننا اختزال ذلك الخطاب في نقطتين مركزيتين تراهما النخب "العلمانية" أعظم خطر يواجه "النمط المجتمعي التونسي": أولا، النهضة هي التي تحكم وهي سبب الأزمة البنيوية للدولة والمجتمع (مما يعني تخفيف الضغط على حركة نداء تونس وباقي الشركاء في الحكم وفي وثيقة قرطاج)، ثانيا، النهضة هي سبب الإرهاب وهي مسؤولة عنه على الأقل سياسيا وفكريا إن تكن مسؤولة عنه قانونيا (مما يعني تبرئة نظام المخلوع وتبييض سياساته الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والدينية التي أنتجت جيلا  تغلب عليه الخيارات "القُصووية" في الفكر والسلوك: دواعش حداثة ودواعش تكفير). 

ولا شك في أن هذا الخطاب هو الغالب على تدخلات النخب"العلمانية" في الشأن العام مهما اختلفت صفاتهم العلمية وأدوارهم المهنية.

 

فشيطنة "النهضة" ورفض التعامل "الطبيعي" معها يمثلان القاسم المشترك بين تلك النخب، وهو ما يعطي مشروعية لقولنا بأن القائمين على تشكيل الجسد السلطوي (بالمعنى الذي يضعه ميشال فوكو للسلطة) مازالوا يرون في النهضة "عضوا" غريبا، بل خطيرا على الجسد كله، ومن ورائه على أولئك الذين يُنتجون حاجياته المادية والرمزية (أو يستفيدون في مراكز القرار الدولي والإقليمي من المنطق الرافض للشراكة مع الإسلاميين).

لو أردنا استعمال الاستعارة الطبية لقلنا إن "جسد السلطة" هو مثل جسم بشري تعتريه حالات "قصور" أو "شلل" أو "اختلال"، وقد احتاج ذلك الجسد بعد الثورة -أو فرضت عليه الأوضاع- زراعة عضو، وقد كان هذا العضو الغريب عن "جسد السلطة" هو حركة النهضة.

 

ولعل أهم ميزة في هذا الحدث التاريخي هي أن حركة النهضة قد نقلت عملية زراعة الأعضاء من مرحلة "الطعم الذاتي" (التي مثّلها اندماج بعض مكونات اليسار في السلطة زمن المخلوع، وهو اندماج يسّره ونجّحه الانتماء إلى المشترك "العلماني" والعداء المشترك للإسلام السياسي)، إلى مرحلة "الطعم المغاير" (بحكم غربة الإسلام السياسي –جهويا وإيديولوجيا- عن جسد السلطة "المتعلمن" والرافض لأي انفتاح "طوعي" على الإسلاميين). 

ومن المعلوم في الدرس الطبي أنّ من خصائص الجسم الطبيعي مقاومة أي جسم غريب، وهو ما حصل في "جسد السلطة" الذي مازال إلى هذه اللحظة –رغم اللحظة التأسيسية ، ورغم التوافق داخليا والمقبولية الدولية لحركة النهضة- يظهر الكثير من علامات الرفض لهذا العضو الذي كسّر التجانس السلطوي -جهويا وإيديولوجيا-.

 

فرغم أنّ التجانس الإيديولوجي هو واقع فرضته الحكومات المتعاقبة على حكم تونس في اللحظتين الدستورية والتجمعية، فإنه مازال يمثل إلى الآن "حلم" العديد من النخب "العلمانية" حتى داخل حركة نداء تونس ذاتها.

 

ذلك أنّ الكثير من النخب لا يرون للنهضة من موقع إلا باعتبارها -في أسوأ الأحوال- موضوعا للقمع والمطاردة والإقصاء الممنهج –من السلطة والمعارضة، بل من أجهزة الدولة كلها-، أو يرونها -في أفضل الأحوال- ملفّا حقوقيا يمكن للنخب  الحداثية أن تفاوض به –داخليا وخارجيا- من أجل تحسين مواقعها داخل السلطة أو على هوامشها "القانونية" والمدجّنة.

منطقيا، يمكن لعملية المقاومة أن تستقر في المدى المتوسط عند وضعيتين متقابلتين:
1- قبول جسد السلطة لهذا العضو الجديد والاعتراف به بصورة نهائية.

 

فهذا الجسد الموروث أساسا عن نظام بن علي يحتاج إلى العضو الجديد لاستعادة توازنه الوظيفي دون الاضطرار إلى تغيير نواته الصلبة أو خياراته وسياساته الكبرى-رغم طابعها اللاشعبي واللاوطني أحيانا-، ولكنّ العضو هو أيضا يحتاج الى الجسم لتكون له وظيفة"طبيعية" وكي يستمر في الحياة بعيدا عن أي بيئة اصطناعية (العمل السري، السجون، التهجير الخ الخ).

 

ولكنّ هذه الوضعية التي هي في ظاهرها "تَونسة" ناجحة لحركة النهضة تعني "واقعيا" فقدان هذا الحزب لهويته الخاصة وسرديته الذاتيه- التي هي بالأساس سردية إصلاحية وتعديلية-، ودخوله بالتالي ضمن سردية"النمط المجتمعي التونسي" وما تحيل إليه من خيارات ثقافية واقتصادية واجتماعية لا يمكن أن تصادف وقعا حسنا  عند قاعدته الانتخابية التي يغلب عليها التدين أو المحافظة(ثقافيا) والتهميش(اقتصاديا)

2- رفض الجسم للعضو الجديد، وهو ما يعني الاستغناء عنه عند توّفر سياقات إقليمية ودولية ملائمة. ولا يمكن لهذه الفرضية أن تحصل إلا بوجود بدائل حقيقية - ذات وزن في الداخل ومقبولة عند أصحاب القرار الدولي والإقليمي-.

 

وقد يعرض جسد السلطة عن ذلك كله ويتأقلم – عند توفر وضعية مثالية معينة- مع حالة الاختلال الوظيفي -الذي لم يسقط المخلوع إلا بعد 23 عاما من حكمه-.

 

عندها سيتحرك من دون عقدة نقص أو مديونية معنى تجاه اليسار الفرنكفوني- الذي لا يمكن أن يكون بديل النهضة من خارجه-، أي قد يطرح نفسه داخليا وخارجيا وكأنّ "الجسد المرئي للسلطة" النيو-تجمعية لا يحتاج إلى أي عملية زرع-، أو كأن للعضو المزروع -أي حركة النهضة- بعدا جماليا خالصا يمكن الاستغناء عنه من الناحية الوظيفية-.

 

ونحن نعني بالبعد الجمالي كامل مسار الانتقال الديمقراطي بما فيه من انتخابات ومؤسسات وحريات، فهي أبعاد يمكن التضحية بها عند الضرورة دون أن تتأثر القيمة الوظيفية للنظام التابع والمتخلف-وما أمرُ مصرَ منا ببعيد-

ختاما، لا شك في أنّ قبول النخب العلمانية بحركة النهضة و"التطبيع" معها نهائيا من جهة أولى، أو رفضها بعد مدة "اختبار" واستبعادها من توزيع السلطة والثروة من جهة ثانية، هما "ممكنان تاريخيان".

 

فلا وجود لأي حتمية تاريخية إلا في أذهان الأنبياء الكذبة من "خبراء الطابور الخامس" ومن أصحاب الأجندات الخارجية.

 

ولن يتحدد الإمكان الأَوْلى بالوقوع إلا بالقيمة الوظيفية لحركة النهضة داخل المنظومة الحاكمة، وبالقدرة التأقلمية الحقيقية للجسد وللعضو الغريب المزروع فيه على حد سواء، ولكنها قدرة لا يمكن أن ترتبط بالجسد فقط، بل هي مرتبطة أيضا بعوامل "بيئية"/سياقية" متنوعة، وهي عوامل لا يمكن الجزم بمساراتها ومآلاتها في الوضع الحالي إلا من جهة التشهي الذي يعكس مبدأ الرغبة أكثر مما يعكس قراءة موضوعية للواقع.