قضايا وآراء

(يوليو 52) ضجيج وقعقعه وهزائم وانحدار

1300x600

ستة وستون عاما مرت على التحرك العسكري في 23يوليو 1952 وهو التحرك الذي منع اكتمال وتصاعد قوة مصر في الشرق الأوسط تمهيدا لإكتمال وتصاعد قوة إسرائيل كوكيل وخادم وظيفى للغرب الاستعماري, يقولون إن مصر كانت على مسافة (محطة واحدة) من بلوغ مرتبة القوة الصاعدة في المنطقة كلها (تعليم وصحة وفكر وفنون وشعب طموح عرف طريقه), و إن النظام الملكي يتجه نحو تطبيق الملكية الدستورية (سلطة صورية للملك) وكانت الأحزاب وعلى رأسها حزب الوفد تتطلع للحكم الجمهوري وكانت إنجلترا وأمريكا في مرحلة تسليم وتسلم ملفات الشرق الأوسط بعد نتائج الحرب العالمية الثانية .    

والحكاية التى وراءها الف حكاية  تقول أن كيرميت روزفلت (حفيد الرئيس الأمريكي تيودور روزفلت وتوفي عام 2000 عن 84 عاما) التقى بالبكباشي ج.عبد الناصر في مارس 1952 (وثائق الخارجية الأمريكية المتاحة بعد ثلاثون عاما)وان البكباشي أخبره بأن الجيش سيقوم بتحرك عسكرى وطلب عدم تدخل أمريكا وان هذا التحرك في مصلحة أمريكا لمنع قيام أي تحرك شعبي أو ديمقراطي بقيادة الإخوان أو الشيوعيين وأضاف البكباشى ان تطلعات الشعب المصرى محدودة وان المصريين عاشوا على الكفاف آلاف السنين ويمكنهم العيش على ذات النمط لمدة ألف عام أخرى..وهكذا بدأت الحقبة البائسة في وادي النيل.

كان البكباشى يفوق في اللؤم.. اللؤم نفسه كما يقولون,فيتمكن من أهم أدوات السلطة التنفيذية, وزارة الداخلية (أول وزير داخلية بعد 1952م) وبعد أن صنع بها (تنظيمه السرى الخاص) تركها وسلمها لأخلص رجال كل مراحل دولة القهر(زكريا محيي الدين), ويتجه البكباشي للخطوة الأهم وهي الجيش نفسه فيقوم عن طريق اللواء محمد نجيب (الأسد منزوع الأنياب) بتعيين أضعف ضابط عرفته العسكرية المصرية (عبد الحكيم عامر) وزيرا للحربية بعد ترقيته من رتبة بكباشي (مقدم) إلى رتبة لواء.

بعدها سيتم اعتقال الآلاف من جماعة الإخوان المسلمين وتعذيبهم وإعدامهم بعد أن رفضوا أن تكون الجماعة جزء من الدولة ومؤسساتها (؟!) فيترتب على ذلك نشوء أفكار التكفير والتطرف وثقافة الزنازين والعمل السري المغلق ولتدفع الحركة الإصلاحية ثمنا كبيرا (فكريا وسياسيا) جراء التشوهات التي نتجت عن تلك الأفكار .

سيتم ضرب العلامة السنهوري رمز العدالة والقانون والقضاء فى مصر الحديثة بالأحذية فى قلب مجلس الدولة الرمز والأيقونة لحصن القضاء ليكون عبرة لهذا الحصن الحصين الذى عرف رجاله بالترفع والأنفة والكرامة . وتبدأ (دولة البكباشي),, لينفرد بالشعب الغلبان دون (دوشة)الاحتلال والاستقلال الوطني أو الحكم بالدستور ويفعل ما يحلو له بعد أن (حررهم) من الاحتلال وعلمهم العزة والكرامة ,,المفكر الكبير عباس العقاد حين سمع جملة (أنا الذى علمتكم العزة والكرامة) من (البكباشي)علق قائلا:إما أن الرجل فقد عقله أو أن الناس فقدوا عقولهم.!  وتدخل مصر فى أعوام شداد يابسات زاخرة بالخيبات المتتاليات, يتم فيها تجريد الشعب من نفسه, ويصبح مجموعة من الأفراد المبعثرين هنا وهناك, يكفيهم الكفاف كما قال البكباشى (لكيرميت روزفلت).

مضت من الألف ستة وستون, أصبح فيها الأحياء كالموتى والأمس كالغد رأى الناس فيها ما يفوق الكفاف. القهر والهزيمة والبطش والتخلف والفقر والنفاق والتفسخ الاجتماعي والانهيار الأخلاقي وانعدام الأمل وانتشار اليأس وتم التأسيس عميقا ..عميقا لكل أنواع الضياع التى عصفت بالمنطقة العربية كلها وليس مصر وحدها عصفًا قاصفًا ناسفًا لكل مقومات الحياة الصحيحة مصر التى عرفت البرلمان عام 1866م وعرفت الجامعة عام 1908م، وعاشت حقبة من أخصب وأثرى وأزهى الحقب التاريخية فى تاريخنا الحديث(1923م- 1953م) فكرًا وثقافة وسياسة وفنًا وأدبًا وشعرًا.وما كان العقاد رحمه الله موفقًا حين تحدث أمام البكباشي في أحد الاحتفالات آنذاك عن جمهورية (الفكر) التى تكرمها جمهورية(الحكم) ذلك أن التأسيس كان على قدمين وساقين لجمهورية (الخوف) التى لم يلحظ قواعدها مفكرنا الكبير ,,حيث الاستبداد الأشرس وما تبعه من ضعف المؤسسة وشخصنة السلطة وعسكرة السياسة وضعف الكفاءات واغتيال المواهب وانعدام المشاركة ووأد المبادرات الفردية والانتهاكات الممنهجة لحريات وحقوق الإنسان تلك (الجمهورية) التى انتشرت سمومها فى كل مكان, فى اللغة ومفرداتها فى علاقات الناس ببعضهم,, فى نجوى الذات لذاتها فى الهمس والسكون والحركة في أخلاق القيادات السياسية والإدارية وخوفها من الإزاحة والفضيحة, وليستمر صهيل السادة وثغاء العبيد.

في كتابه (الديمقراطية ونظام 23 يوليو) يرصد المستشار طارق البشرى تجربة (دولة البكباشى) في مصر بعد خروج الاحتلال متتبعا دور الجيش المصري في السياسة وخاصة في لحظات الأزمات السياسية التاريخية التي تعيد تشكيل المجتمع وخريطته السياسية من بداية عصر محمد علي (1805) ودور الجيش المحوري في مشروعه ثم انتفاضة الجيش على النخبة الأجنبية الحاكمة في 1881 م بزعامة أحمد عرابي ثم تنظيم (الضباط الأحرار) داخل الجيش في منتصف القرن العشرين وإطاحته بالنظام الملكي وبالحياة السياسية السابقة وبالأحزاب والحركات السياسية وبالدستور وإعادة تشكيل الخريطة السياسية والقيادة العامة للبلاد,,يرصد الحكيم البشرى بعين المؤرخ والفقيه أن(البكباشى) جمع في قبضة يديه السلطات الثلاث (التنفيذية والتشريعية والقضائية) محركا إياها بواسطة الجهازالأهم والأخطرفي (بلد بيروقراطي شديد المركزية) وهو الجهاز الإداري للدولة وعبر أجهزة أمنية متعددة ومتنافسة فيما بينها ويهدد بعضها بعضا وكلها في قبضة (البكباشى) ولينتج عن ذلك كله الانهيار الطبيعى الذى بلغ المدى يوم (التنحي).     

في كتابه (الزحف المقدس أحداث 9/10 يونيو 1967) يقول د/شريف يونس الماركسى الميول حينما خرج المصريون إلى الشوارع مطالبون جمال عبد الناصر بالتراجع عن قرار التنحي كانت هذه الحشود تعكس شعورا ووعيا متراكمين عبر 15 سنة من حكم جماعة الضباط الأحرار ومن ألحق بهم من المدنيين والعسكريين الآخرين شكلت بالفعل أذهان الناس وعواطفهم وتوجهاتهم باستخدام تعبئة أيديولوجية متواصلة وكانت نتيجتها هي تحرك الناس على هذا النحو الفريد في تاريخ (الهزائم الكبرى) للأوطان ويعبر مفهوم الزحف المقدس عن فكرة وردت في كتاب (فلسفة الثورة) ترى الشعب المرغوب فيه شعبا (مفتتا) إلى عناصره الأولية يسير أفراده ومؤسساته وراء (الضباط) كرجل واحد كما هو الحال تماما في الاستعراضات العسكرية ويضيف (أن شعبية عبد الناصر هي في أساسها صنيعة الدعاية التي قامت باللعب على الانتصار السياسي في معركة تأميم القناة 1956م والتضخيم من المكاسب التي حققتها في الأساس الطبقات الوسطى(لا الفقيرة)من أجل تصوير النظام باعتباره نظام الفقراء والكادحين, ويضيف :الناس كانوا كما لو أنهم كالقطيع الذي يمكن سوقه بلا وعي).

كتبت كثيرا من قبل عن قصيدة للشاعر أحمد مطر بعنوان(القاعدة) يقول في بعض سطورها:قلت للعفريت أبدل كل أصحاب الصروح الفاسدة/قال لى ما الفائدة؟ سوف يأتى مثلهم /أو ربما أكثرمنهم مفسدة/إنما تختلف الأسماء لكن المعاني واجدة/قلت ما الحل إذن؟/قال بسيط/ لو غدت آمالكم فى ذاتكم .

ويحدونا الأمل دائما, لأن اليأس كفر والعياذ بالله .