قضايا وآراء

المشروع المغاربي.. التفكير في العوائق

1300x600

يُثير عنوانُ هذا العمود تساؤلين: لماذا المشروع؟ ولماذا العوائق؟ فهل مرور ستين سنة على الإعلان عن بناء المغرب الكبير (1958) ما زالت الفكرة مشروعا؟ ثم ألا يكون حرياً بنا الحديث عن المقومات الجاذبة في المشروع، عوض التفكير في العوائق النابذة له؟ الواقع أن البناء المغاربي المشترك لم يخرج من دائرة المشروع، على الرغم من المحاولات الجماعية الهادفة إلى تجسيده، منذ مؤتمر طنجة الشهير (الملتئم بين قادة الحركات الاستقلالية للدول المغاربية الثلاث في ربيع 1958) وحتى تأسيس "الاتحاد المغاربي" في 17 شباط/ فبراير 1989. ولأن الفكرة ظلت مشروعا، بمقياس التطور والمآل، فإن الحكمة تدعو إلى التفكير في ما يعوق صيرورتها عيشاً مشتركاً وثقافةً جماعيةً.

 

البناء المغاربي المشترك لم يخرج من دائرة المشروع، على الرغم من المحاولات الجماعية الهادفة إلى تجسيده، منذ مؤتمر طنجة الشهير


نَعتبرُ الإعاقة الأولى ذات طابع فكري وثقافي، تخُص طبيعة المشروع في الوعي والإدراك. فبإمعان النظر في الرؤية التي حكمت البناء المغاربي المشترك، نلمس كم كان التشديد على العوامل الجاذبة كبيرا، وإلى حد ما مبالغاً فيه، أي استحضار المشترك من الدين واللغة والتاريخ، وإهمال عامل المصلحة المشتركة، أو على الأقل اعتباره حاضراً وعدم الاكتراث بالتفكير فيه، وإنزاله المنزلة اللائقة به. والحال أن المصلحة بالمعنى الواعي، والمفكر فيه، والمخطط له، والمتوافق حوله؛ لها مكانة مفصلية في أي بناء مشترك ناجح، كما تدل على ذلك الوحدات الإقليمية الكبرى في أكثر من بقعة من بقاع العالم. أما الحجة في ذلك، فهي أن إيجاد مصالح مشتركة (مشاريع كبرى، وسياسات فعالة وناجعة)، وتشابك علاقات الدول من أجل إنجازها، وانخراط المجتمعات في الاستفادة من ثمارها وإنجازاتها، سيشكل الدعامة الحقيقية لتحويل المشروع إلى واقع، ويمثل المناعة اللازمة والضرورية للمحافظة عليه مستمراً ومنتجاً للآثار.. وهو ما لم يحصل مع الأسف على امتداد ستين سنة من إحياء الفكرة المغاربية.

تكتسي الإعاقة الثانية طابعاً سياسياً، حيث لم يحظ المشروع المغاربي بدعم نخب سياسية مقتنعة حقاً بقيمته الإستراتيجية في تحويل المغرب الكبير إلى فضاء مشترك لبناء القوة القادرة على المساهمة الإيجابية في العطاء الحضاري الإنساني، كما كان نصيبه محدوداً من الشخصيات العامة الفكرية والثقافية والسياسية القادرة على التأثير في صناع القرار، والدفع بهم إلى أخذ المشروع مأخذ الجدّ. وحتى الأصوات التي حملت شعار البناء المشترك من الرعيل الأول من الوطنيين (قادة الحركات الوطنية)؛ لم يكن لها التأثير المطلوب بفعل الصراع على السلطة في أعقاب الإعلان على الاستقلالات الوطنية، خلافا للأدوار التي أدتها للشخصيات العامة في تجربة الوحدة الأوروبية، من قبيل: جون موني، وروبير شومان، وكونراد اديناور، ويوهان بيين، ويوسف بيخ، وفالتر هالشتاين.. والقائمة طويلة.

 

إيجاد مصالح مشتركة (مشاريع كبرى، وسياسات فعالة وناجعة)، وتشابك علاقات الدول من أجل إنجازها، وانخراط المجتمعات في الاستفادة من ثمارها وإنجازاتها، سيشكل الدعامة الحقيقية لتحويل المشروع إلى واقع


ترتبط الإعاقة الثالثة بطبيعة المجتمعات المغاربية الناشئة، ونوعية الثقافة الناظِمة لحياتها العامة. فقد ترك الاستعمارُ الفرنسي بعد خروجه؛ مجتمعات مغاربيةً هشّةً، ترفُل في الأمية، والفقر، وسوء الأحوال، وعزّ على السياسات التنموية، التي قادتها الحكومات في أعقاب الاستقلال، النجاحَ في إقامة سياسات تنموية بديلة. لذلك، شكل ضعف الإمكان البشري عاملاً بنيوياً في تحويل المشروع المغاربي إلى مطلب مجتمعي مدرك بالوعي والعقل، وليس مجرد شعار معبر عنه بالوجدان.

 

من المفيد منهجيا التفكير في العوائق، والاجتهاد في تجاوزها عند تجديد الحديث عن البناء المغاربي، عوض الإطناب في التأكيد على العوامل المشتركة على أهميتها

أما الإعاقة الرابعة فنخالها ذات طابع برّاني، أي دولي، حيث ظلت البلاد المغاربية - وما زالت - مفتوحة على التأثيرات الدولية، الأوروبية والأمريكية تحديداً. والحال، أن من أهم شروط تحويل المشروع المغاربي إلى واقع محسوس وملموس أن تتحرر إرادات دوله وشعوبه من كل أشكال الهيمنة الخارجية، وأن يقرر الناس مصيرهم بأنفسهم. نلحظ حضور الأجنبي في انشقاق الهوية وتوزع اللسان، وفي تبعية المناهج التربوية والتعليمية، وفي ارتباط الاقتصاد بالخارج، وفي ضعف معدلات المبادلات البينية التي لا تتجاوز اليوم في أفضل الأحوال الثلاثة في المئة، بعدما وصلت خلال فترة الاستعمار الاثنين في المئة.

نخلصُ مما سبق بيانُه إلى أن من المفيد منهجيا التفكير في العوائق، والاجتهاد في تجاوزها عند تجديد الحديث عن البناء المغاربي، عوض الإطناب في التأكيد على العوامل المشتركة على أهميتها. دليلُنا في ذلك أن المشترك في منطقتنا لا يمتلك في الوقت الحاضر القوة الكافية لتحويله إلى قاطرة لقيادة المشروع المغاربي، وأن الحكمة تقول بضرورة ترجيح المصلحة المشتركة لأهميتها. ثم إن بنية أعمار سكان المغرب الكبير تقتضي التفكير من منطلق المصلحة، وليس من منطق غيرها من العوامل؛ لأن قرابة السبعين في المئة من السكان دون سن الثلاثين، وهذه الكتلة الوازنة من المغاربيين لا يقنعهم كثيرا المشترك من دين ولغة وتاريخ؛ بقدر ما يهمهم فضاء مغاربي مشترك، يستطيعون من خلاله تنمية مصالحهم، وتقوية قدراتهم الجماعية، وتعزيز مكاسبهم ومصالحهم.. كما يهمهم أن يكون هذا الفضاء ضامناً لحريات تنقلهم، وحافظاً لحقوقهم وملكياتهم، وساهراً على تيسير العيش الكريم لهم ولأبنائهم.. إنهم يتوقون إلى مواطنة مغاربية حقيقية، ترسخ فكرة المغاربية (Maghrebinite) في وجدانهم ووعيهم ومخيالهم الجماعي. لذلك، سيظل البناء المغاربي مجرد مشروع تلفّه الآمال والتمنيات، ولن يستطيع التحول إلى واقع مدعوم بالقوة والإنجاز، طالما استمرت هذه العوائق وغيرها جاثمة على نخبه ومجتمعاته.. وستظل الكُلفة باهظةً باستمرار البناء المغاربي متوقفا، كما هو حاصل منذ العام 1994.. وتلك كبيرة.. والكبيرة في معجم المعاني الجامع "إثم كبير منهيُ عنه شرعاً".