قضايا وآراء

بطالة الشباب في العالم العربي.. قنبلة موقوتة

1300x600
سأل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضى الله عنه أحد ولاته: "ماذا تفعل لو جاءك سارق؟"، فقال الوالي: "أقطع يده". قال عمر: "إذن، فإن جاءني منهم جائع أو متعطل، فسوف أقطع يدك. إن الله سبحانه وتعالى استخلفنا على عباده لنسد جوعتهم، ونستر عورتهم، ونوفر لهم حرفتهم، فإذا أعطيناهم هذه النعم تقاضيناهم شكرها. يا هذا، إن الله خلق الأيدي لتعمل، فإن لم تجد في الطاعة عملا التمست في المعصية أعمالا، فأشغلها بالطاعة قبل أن تشغلك بالمعصية".

وهذا الحوار البناء يكشف السياسة الاقتصادية لأمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضى الله عنه التي يبدو قوامها على مد يد العون لكل عاطل، والانتقال به من حالة العوز والحاجة إلى حالة الكفاية وتمامها. وفي واقعنا المعاصر، نجد أولى اهتمامات السياسات الاقتصادية في الدول المتقدمة هي السيطرة على البطالة والتضخم.

وقد سبق أمير المؤمنين (عمر بن الخطاب) بفكره الواعي ونظرته الثاقبة؛ ما توصلت إليه النظريات الاقتصادية المعاصرة، بل وأشار أمير المؤمنين ليس إلى مسؤولية الحاكم المسلم عن توفير فرص العمل والحماية الاجتماعية لرعيته فحسب، بل حذر من خطورة البطالة، حيث تفتح أبواب المعصية والانحراف ومن ثم تفتت المجتمع وانهياره.

من أجل هذا كان أمير المؤمنين يرى أن قوام الدولة في بناء الإنسان العامل الصالح، فها هو يقول يوما: لأصحابه: تمنوا. فقال بعضهم: أتمنى لو أن هذه الدار مملوءة ذهبا أنفقه في سبيل الله وأتصدق. وقال رجل: أتمنى لو أنها مملوءة زبرجدا وجوهرا فأنفقة في سبيل الله وأتصدق. ثم قال عمر: تمنوا. فقالوا: ما ندري يا أمير المؤمنين، فقال عمر: أتمنى لو أنها مملوءة رجالا مثل أبي عبيدة بن الجراح ومعاذ بن جبل وسالم مولى أبي حذيفة وحذيفة بن اليمان.

إن بناء الإنسان الصالح لا يتم إلا بالعلم النافع والعمل الصالح، وهو ما يتطلب تمكينه اقتصاديا بصورة ترفع عنه ويلات البطالة وتجعله في مجتمعه منتجا نافعا، لا عالة على نفسه ومجتمعه. فكيف إذا كان هذا الإنسان شابا عاطلا؟ والشباب بلا شك هم نبض الأمة، وسر قوتها، وراسم مستقبلها. فقد كشف التقرير الاقتصادي العربي الموحد (2017م) لصندوق النقد العربي عن وصول عدد العاطلين عن العمل في الدول العربية في عام 2016م إلى 21.2 مليون عاطل، بما يمثل 14.9 في المئة من إجمالي قوة العمل العربية. كما أن معدلات البطالة في شريحة الشباب (الذين تتراوح أعمارهم ما بين 15 و24 سنة) هي الأعلى في العالم، حيث يقدر متوسط معدل بطالة الشباب في الدول العربية ككل عام 2016م بحوالي 26 في المئة. وتتخطى نسبة الشباب في إجمالي العاطلين عن العمل عتبة 50 في المئة في سبع دول عربية. وتتركز بطالة الشباب بصفة خاصة في أوساط المتعلمين الذين يشكلون في بعض الدول العربية نسبة تصل إلى حوالي 40 في المئة من إجمالي العاطلين عن العمل، وفي الداخلين الجدد لسوق العمل الذين يواجهون تحديات ملموسة في الحصول على فرص وظيفية. كما أن بطالة الشباب في الدول العربية تتسم بأنها ظاهرة طويلة الأجل، وهو ما يعكسه ارتفاع عدد العاطلين عن العمل لفترة تزيد عن عام، حيث تتراوح نسبتها ما بين 40 و70 في المئة من مجمل العاطلين عن العمل في بعض البلدان العربية.

وبالنظر إلى أسباب استفحال بطالة الشباب في الدول العربية، نجد أنها ترجع لعوامل متعددة يأتي في مقدمتها: انخفاض وتيرة النمو الاقتصادي، لا سيما بعد انخفاض أسعار النفط، وفي الوقت نفسه عدم شمولية النمو المحقق لكافة شرائح المواطنين، وميله لشرائح خاصة، فضلا عن التوجه الملحوظ نحو التراكم الرأسمالي على حساب الصناعات كثيفة العمل، إضافة إلى الزيادة في أعداد الخريجين لا سيما حملة المؤهلات العليا، ووجود فجوة كبيرة بين متطلبات سوق العمل ومخرجات أنظمة التعليم، والاتجاه نحو الخصخصة بصورة غير رشيدة؛ وضح فيها التضحية بالعمال لصالح المستثمرين، وهو ما ترتب عليه أيضا انحسار دور القطاع العام وقدرته على استيعاب المزيد من العمالة. كما أن البنية التشريعية في جلها بنية شكلية كان لها دور في تقنين الفساد وانتشار المحسوبيات، فضلا عن عدم ربط القطاع الخاص بمسؤوليته الاجتماعية، وفي بؤرتها المساهمة في حلحلة بطالة الشباب.

ومشكلة بطالة الشباب في الدول العربية، وإن كانت قنبلة موقوتة، فإنها ليست عصية على العلاج، ولكنها تحتاج إلى إرادة مخلصة وإدارة رشيدة؛ لاتخاذ خطوات عملية لعلاج تلك المشكلة من جذورها، يأتي في مقدمتها تأهيل الاقتصاد الكلي لتحقيق الثقة، وجذب الاستثمارات وتعزيز النمو الداعم للتشغيل، وذلك بتوفير بيئة اقتصاية محفزة للنمو الاقتصادي وخلق المزيد من فرص العمل، وذلك بتطوير البنية التشريعية، وجعل السياسة النقدية والمالية مسخرة لخدمة السياسة الهيكلية. فالسياسة النقدية ينبغي أن يكون لها قدرة على السيطرة على التضخم، وتحفيز التمويل للمشروعات، كما ينبغي للسياسة المالية أن تعمل على توفير الحوافز اللازمة لأنشطة التشغيل والتدريب، وتقديم الإعفاءات والمزايا الضريبية للمشروعات، لا سيما الصغيرة والمتوسطة، مع مراعاة نوعية النشاط المستثمر فيه بصورة تزيد من القيمة المضافة، وتعمل على الإحلال محل الواردات، وتشجيع الصادرات، وتخلق هيكلا للنشاط الاقتصادي يتسم بالمرونة والتنوع.

وينبغي تبني منهج متكامل (وليس ترقيعيا أو مظهريا) لحفز مستويات تشغيل الشباب في إطار واستراتيجيات وخطط وطنية هادفة للتشغيل؛ ذات أهداف كمية ونوعية لخفض معدلات البطالة بشكل عام، وبطالة الشباب بشكل خاص، وتوجيه برامج تشغيل الشباب نحو الأنشطة الاقتصادية الأكثر ديناميكية والمؤهلة بشكل أكبر للاستفادة من طاقات الشباب العربي، وفي مقدمتها الأنشطة التقنية، مع الاستفادة من الاستثمار الأجنبي وفقا للمصالح المتبادلة، وبما يسهم في الاستثمار في مشروعات تجدد الجانب التقني، وتستوعب مزيدا من العمالة.

وينبغي للحكومات كذلك إشراك القطاع الخاص ومؤسسات المجتمع المدني لتشجيع ريادة الأعمال لدى الشباب العربي، وتدعيم برامج تأهيل وتدريب العمالة، والتعاون كذلك مع المنظمات الإقليمية والدولية المعنية بهذا الشأن. 

وتتبدى أهمية تقديم حوافز لمنشآت القطاع غير الرسمي ليندرج تحت مظلة الاقتصاد الرسمي، مع تأسيس حاضنات فعلية، لا سيما للمشروعات الصغيرة والمتوسطة، وتوفير سبل التمويل والتسويق لها وما يلزم لريادة الأعمال.

ومن الأهمية بمكان أيضا ربط مخرجات التعليم بمتطلبات سوق العمل، لتعظيم مستويات الاستفادة من قدرات الشباب العربي وتقليل مستويات الهدر في الطاقات البشرية، وفي هذا الشأن يمكن محاكاة نظام التدريب المهني المزدوج المتميز في ألمانيا والذي يتيح لخريجي الثانوية العامة المفاضلة بين البدء في التدريب المهني في بعض المدارس المهنية لممارسة الحرف المختلفة والعمل في نفس الوقت مقابل أجر، أو مواصلة الدراسة الجامعية.

ويبقى الأهم كذلك أن تعود الدول العربية لرشدها، وتمنح شعوبها الحرية المستحقة لها، وألا تتحالف ضد بعضها، وتتكامل فيما بينها لا مع عدوها، قبل أن تجد نفسها وقد حلّ بها، إلى جانب بطالة أبنائها، ضياع دولها كما ضاعت الأندلس بسلوك حكامها.