مقالات مختارة

في أسباب قوة جبران

1300x600
بغض النظر عما يخلفه أداء وزير الخارجية اللبناني جبران باسيل في نفوس اللبنانيين من مشاعر متفاوتة، إلا أن الرجل هو اليوم السياسي اللبناني الأبرز، إذا ما نحينا جانبا «حزب الله»، ذاك أن الأخير لا يُقاس حضوره بالحسابات اللبنانية.

فباسيل هو الناطق الأبرز باسم الحكومة داخلياً وخارجياً. يسبق رئيس الحكومة سعد الحريري إلى مواقف، فيتولى الأخير امتصاص تبعاتها واستدخالها إلى خطابه. هذا ما جرى في قضية الموقف من مفوضية الأمم المتحدة للاجئين التي رفض الوزير تجديد إقامات موظفيها. رفع سقف السجال مع رئيس المجلس النيابي نبيه بري إلى مستويات شتائمية، وتولى «حزب الله» تخريج تسوية يظهر فيها الوزير قوياً، فيما يقبل الحليف الشيعي بمجاملات التسوية.

ويمكن إفراد الكثير من الوقائع التي تشير إلى خصوم جبران في التيار العوني، والذين انتصر عليهم واحداً واحداً، من دون أن تلحقه خسائر تذكر، ناهيك بخصومه المسيحيين، وهؤلاء ما أكثرهم وما أعدل خصومتهم له، وكل هذا لم يفت من عضد الوزير الكبير.

الواضح أن باسيل بعد الانتخابات النيابية هو نفسه قبلها ولكن على نحو مضاعف، على رغم أن التيار الذي يمثله لم يحقق تقدماً في هذه الانتخابات. فما جرى هو أن وزير الخارجية وصهر الرئيس يستثمر في نتائج الانتخابات لجهة تصدع موقع خصومه (الموضوعيين)، لا لجهة تحقيقه تقدماً في نتائجها. فهو يعرف أن رئيس الحكومة المكلف ليس هو نفسه بعد الانتخابات. ثمة أحد عشر نائباً سنياً من خصوم الحريري، هم أيضاً إما حلفاء باسيل وإما حلفاء حلفائه. هذا الواقع يسمح لباسيل بأن يزور معقلاً سنياً له قيمة رمزية في موضوع اللاجئين السوريين كبلدة عرسال، وأن يُطلق منه مواقف غير منسجمة مع المزاج السني في هذه القضية، ويسمح أيضاً بأن لا تشكل الزيارة استفزازاً للخصم (الموضوعي) والحليف (الشخصي) سعد الحريري.

وجبران يجيد أمراً آخر علينا الاعتراف به نحن الذين لا نكن للرجل وداً سياسياً ولا حباً شخصياً، وهو الاستثمار إلى أقصى الحدود برغبة «حزب الله» في عدم إزعاج حليفه، رئيس الجمهورية ميشال عون. فـ «حزب الله» يُدرك أن ما قدمه إليه التيار العوني لا يقدر بثمن. قدم إليه لبنان والحدود وغطاء مسيحياً لوظيفة مذهبية وإقليمية كبرى. وجبران قرر أن يتقاضى بنفسه الثمن. المناورات المتواصلة على موقع الرئاسة الثانية ما كان لوزير الخارجية أن يُقدم عليها لولا يقينه بأن «حزب الله» سيقف شكلياً إلى جانب بري فيها فيما سيكون عملياً على الحياد. محاصرة وزراء بري في قراراتهم وفي أدائهم الوزاري أيضاً هي جزء من رد الدين الكبير الذي في ذمة الحزب.

وجبران يخاطب الحزب أيضاً من حساسية أخرى، ذاك أن معركته على اللاجئين السوريين تنسجم مع ما يُضمره الحزب حيال هؤلاء، وهي معركة وإن كان فيها افتراق كبير عن «الحلفاء السنة» المستجدين، إلا أن فيها تجاوباً مع مشاعر شيعية ترى بهؤلاء ثقلاً ديموغرافياً قد يغير المعادلات إلى غير مصلحتها.

يبدو جبران اليوم الوجه الوحيد للحكومة وللدولة اللبنانيتين. وهو بعد الانتخابات أطلق لحية وقرر أن يكون الشخص الأول في الجمهورية. يساعده على إنجاز هذه المهمة «حزب الله» من دون شك، ويساعده طبعاً عمه رئيس الجمهورية، ويساعده أيضاً ضعف الرئاسة الثالثة، وتصدع الموقع السني في المعادلة الداخلية.

قبل أيام، أطلق الرجل حملة على الأمم المتحدة في سياق حملته على اللاجئين السوريين. وقبل يومين قرر أن يتوج هذه الحملة بزيارة إلى بلدة عرسال، الحضن الأهلي للاجئين. مشهد جبران في عرسال كاشف حجمَ الاختلال الذي أحسن الرجل توظيفه في موقعه. الواقعية تقتضي الاعتراف بذلك.

(عن الحياة اللندنية)