قضايا وآراء

القفز فوق قبة البرلمان!

1300x600
تحاشى الجنرال المأفون عبد الفتاح السيسي الاحتكاك أو الاحتكام لأي مؤسسة ذات طابع سياسي على مدار فترة حكمه الأولى، بعد انقلاب الثالث من تموز/ يوليو 2013، وظل يناور بعيدا عن أروقة ودهاليز السياسة بمفهومها الذي يبدو أنه حديث عهد به، ولا يزال أمامه وقت ليفهم معناها وطريقة عملها.

قال الجنرال ذات يوم معاتبا المتعجلين العمل بالسياسة إنه مكث خمسين عاما حتى يفهم كلمة السياسة ومعناها، وهي ليست إشارة إلى قلة فهم الرجل، بل إلى طبيعة وطريقة تفكيره، فهو غير معني بالسياسة لا من قريب ولا من بعيد. بل على العكس، هو يرى السياسة في كلمة واحدة هي السيطرة، ويعتبر السياسي ناجحا إذا أحكم قبضته وسالت الدماء على يديه وزادت أعداد المعتقلين. هذا ليس شأن السيسي وحده، بل شأن كل مستبد يرى أن ممارسة السياسة نوع من الترف الفكري أو الرفاهية التي تفسد الشعوب وتؤلبها على حكامها الأطهار البررة.

لكن الجنرال السيسي، وبعد خمسة أعوام من الانقلاب، لم يفلح لا في إسكات الشعب ولا في محو ثورة يناير من ذاكرة المصريين. ويبدو لي أنه ومع مرور الوقت، يزداد قناعة بأنه على خطأ، ولكنه لا يستطيع الرجوع عما سار فيه وما اقترفته يداه،فالثمن صعب، لذا فالمضي قدما والقفز في الهواء هو الحل.

يقفز السيسي قفزات في الهواء الحر، ويعلم علم اليقين أن نزوله إلى أرض الواقع يعني نهايته؛ لأن لحظة الهبوط لا تعني ارتطامه بالأرض الصلبة، بل إن هبوطه الاضطراري حتما سيلقي به في حجر الثورة الكامنة، والتي ستكون جاهزة لالتقاطه ومحاسبته، وهو ما يخشاه.

يقفز السيسي في الهواء وهو مطمئن إلى أن طائرات الأصدقاء تحميه، وأن أجهزة التنصت والتجسس والرصد الفضائي تشغل حيزا كبيرا في السماوات العربية، ولكنه لا يدرك ولا يمكنه أن يدرك - إلا لحظة سقوطه - أن شهبا سوف تحيل السماء حمما وجحيما، وساعتها ستولي طائرات الأصدقاء الدبر عائدة من حيث أتت، ويصبح هو وطائرته رمادا تذروه الرياح.

يقفز السيسي ويهبط فوق قبة أقدم برلمان في المنطقة، ليعيد على الأسماع أكاذيبه المفضلة لدى جمهوره المغفل الذي احتل مقاعد المجلس بقوة الانقلاب وقمع الشرطة وقهر المخابرات، وأرز الخليج الطازج والحاضر دائما.

يدرك السيسي مضطرا أنه يتعين عليه التعامل مع السياسة، والهبوط بين مقاعد مجلس النواب ليقسم بأغلظ الأيمان بأن يحافظ على وطن باعه، ويحمي أراضيه التي فرط فيها، فيصفق له أراجوزات المجلس الانقلابيين بتعليمات ممن عينهم ومنحهم الكراسي مقابل تمرير كل ما يحلم به الجنرال وعصابته.

كم من قرارات اتخذها الجنرال وتجاوز فيها الدستور والقانون وقفز فوق البرلمان مرات ومرات، دون أن يرفع علي عبد العال كبير بهلوانات البرلمان صوته؟

كم من مرة زيدت فيها رواتب الجيش والشرطة فلم نسمع إلا التصفيق الحاد؟ وكم من مرة رفع فيها الجنرال الأسعار فلم نسمع فيها لأراجوزات المجلس صوتا؟

يهبط الجنرال فوق قبة البرلمان ليدنسه وليعلن مرحلة جديدة من التعاطي العسكري مع السياسة رغما عنه، في محاولة لإرضاء مناصريه في الغرب الذين رأوا أن استمراره بصورته الحالية يمثل كارثة على الجميع، وأنه يجب عليه أن يبدو سياسيا ولو لبعض الوقت، حتى يرفع الحرج المتصاعد ضدهم.

يعتقد الجنرال أن تغيير الزي العسكري وارتداء الزي المدني يعني أنه أصبح سياسيا، ويظن السيسي أن لقاءاته مع بعض الرؤساء والمسؤولين في الخارج تجعل منه سياسيا، ويجهل السيسي عن عمد أن السياسة هي رعاية شؤون الناس والسهر على مصالحهم، وليس قتلهم أو سجنهم أو الانقلاب على إرادتهم.

تثبت الأيام أن السيسي لم يكن جنرالا طموحا بقدر ما هو جنرال خائن لا يقوم بشيء من تلقاء نفسه، بل يفعل ما يؤمر به، وإلا فقد جاءته الفرصة لكي يفعل شيئا وينجز وعدا واحدا مما وعد به الناس، وطالبهم بالصبر مرة سنة ومرة سنتين وأخرى ستة أشهر، ولم يفعل؛ لأنه جاء في مهمة سيكشف التاريخ عنها لاحقا وربما قريبا.

يصل السيسي إلى مقر البرلمان عبر ميدان التحرير في موكب سيارات لا تعرف أين أوله ولا آخره، فلا أحد سمح له بالتواجد في المكان ولا في البيوت والمقار المحيطة بالبرلمان، ولكنه، ويا للقدر، كان يسير عكس السير في ميدان التحرير.

هل كانت صدفة أن يمر بسيارته عبر ميدان الثورة؟ أم أنه القدر الذي لا يغالبه شيء ولا يفلت منه أحد؟

جاء بانقلاب، ثم سار عكس السير في ميدان التحرير ليقسم كاذبا تحت قبة برلمان لا يقل دموية عن الجنرال نفسه.