قضايا وآراء

صهاينتنا وصهاينتهم

1300x600
بالتزامن مع الذكرى السبعين للنكبة، اختارت الولايات المتحدة الأمريكية أن تنحاز بصورة لا لبس فيها إلى الموقف الإسرائيلي في قضية من أهم القضايا التفاوضية العالقة بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي: الوضع النهائي لمدينة القدس، فقد اختارت الولايات المتحدة المضي في تنفيذ وعد الرئيس ترامب بنقل سفارة بلاده من تل أبيب إلى القدس، باعتبارها "العاصمة الأبدية" (وغير القابلة للتقسيم) لدولة الكيان الصهيوني، وهو ما يعني عمليا إخراجها من ملفات التفاوض العالقة بين السلطة الفلسطينية و"دولة إسرائيل".

رغم أن ترامب لم يفعل شيئا غير تفعيل قرار أمريكي صادر في 8 تشرين الثاني/ نوفمبر 1995، يقضي بنقل سفارة الولايات المتحدة إلى القدس، ورغم أن نقل السفارة كان متوقعا في ظل رئيس يميني متطرف لم يخف يوما انحيازه اللامشروط لإسرائيل ولوجهة نظرها في مختلف الملفات التفاوضية. رغم ذلك كله، فإن نقل السفارة الأمريكية إلى القدس في يوم النكبة مثّل لحظة مفصلية في إطار البديل الأمريكي- الإسرائيلي لحل النزاع مع الفلسطينيين والعرب، ذلك البديل المعروف إعلاميا بـ"صفقة القرن".

ومثلما كان متوقعا لدى صناع القرار الأمريكي، لم تتجاوز ردود فعل أغلب الدول العربية والإسلامية (بدءا من السلطة الفلسطينية ووصولا إلى منظمة التعاون الإسلامي) مستوى التنديد والشجب والاستياء. وحتى تلك الردود التي تبدو ظاهريا ذات سقف مرتفع مقارنة بـ"محور الاعتدال"، فإنها تبقى مجرد تنفيسة لا يمكن أن تؤثر واقعيا في القرار الأمريكي؛ لأنها لا تمتلك أي ورقات ضغط قد يضعها المسؤولون الأمريكيون في الحساب عند تقدير الموقف بعد نقل السفارة إلى القدس.

إنّ نقل السفارة الأمريكية إلى القدس هو لحظة طبيعية في مسار طويل من الانحياز الأمريكي الصريح إلى الدولة اليهودية، وهو يمثل كذلك لحظة التقاء نموذجي بين سرديتين خلاصيتين يُشكلان معا العدو الأخطر على الشعب الفلسطيني، بل على عموم العرب والمسلمين وعلى السلام العالمي: السردية التلمودية وقاطراتها إسرائيل بقيادة بنيامين نتنياهو، والسردية المسيحانية وقاطرتها الولايات المتحدة بقيادة ترامب. ورغم كل محاولات صهاينتهم وصهاينتنا لإقناع جمهور الناس بأن التحالف الاستراتيجي بين أمريكا وإسرائيل هو تحالف مصالح لا تحالف عقائد، فإن البعد "الديني" لهذا التحالف (أي الجذر المسيحاني بصياغتيه اليهودية والإنجيلية) يبقى واضحا وإن تخفّى تحت مصطلحات حديثة ومعلمنة.

من المؤكد أن الصراع في الشرق الأوسط ليس دينيا "فحسب"، ولكنه لا يمكن أن ينفصل عن المعطى الديني مهما كان حجم باقي الرهانات والمتغيرات. فلا شيء يمكن أن يبرّر القرار الأمركي بنقل عاصمة الولايات المتحدة إلى القدس إلا إيمان "كبير"، ذلك الإيمان المسيحاني الخلاصي الذي يجعل صناع القرار يُعرضون عن كل الأصوات التي تذكرهم بآثاره الكارثية على المصالح الأمريكية في العالم، وما سيحدثه من ضرر بالغ بصورة الولايات المتحدة عند العرب والمسلمين، وما قد يوفّره من مناخات عدائية داعمة لحركات التطرف التي تعتمد هي الأخرى سردية مسيحانية مؤسلمة.

خلال حكم ترامب وبعد تدمير المسارات التحررية لثورات الربيع العربي، استطاع "صهاينتهم" (أي الجناح اليهودي والجناح الإنجيلي من السردية المسيحانية) أن يستثمروا الوضعية الحالية لتحقيق انقلاب رمزي كبير على المواثيق الدولية وعلى عملية السلام برمتها. ولم يكن ذلك ليتحقق لهم إلا بـ"صهاينتنا"، وهم أيضا جناحان (مثلما أنّ للصهيونية اليهو-مسيحية جناحين): جناح وهابي تكفيري يعتمد السردية المسيحانية، لكن بصيغة إسلامية (عودة المسيح، علامات الساعة، مقاتلة أهل الصليب، رمزية الشام، الطائفة المنصورة... إلخ)، وهي سردية استطاعت أن تُدمّر أغلب الثورات العربية، ولم تنج منه إلا الثورة التونسية لأسباب ليس هذا موضع تفصيلها. كما أنها سردية يمكننا اعتبارها حليفا موضوعيا للصهيونية اليهو-مسيحية، رغم كل ادعاءاتها الذاتية. أمّا الجناح الثاني لـ"صهاينتنا" فهم أغلب العلمانيين الذين كادوا يجمعون على توصيف الربيع العربي بـ"الربيع العبري"، كما يكادون جميعا أن يعتبروا أن العدو الأخطر على العرب والمسلمين هو الحركات الإخوانية، وليس الكيان الصهيوني. وقد يكون من الدال التقاءُ هؤلاء مع إسرائيل من جهة بغض الثورات العربية وتأييد انقلاب السيسي على الحكم الشرعي، والتقاؤهم مع السعودية الوهابية من جهة بُغض الحركات الإخوانية، وتحالفهم مع آل سعود ومع الإمارات العربية لضرب الانتقال الديمقراطي في تونس مثلا.

ولعل أهم ما يجمع بين "صهاينتنا" رغم اختلافهما الأيديولوجي هو أنهما معا يخدمان قصديا أو بصورة غير قصدية المشروع الصهيوني في العالم العربي والإسلامي. فتدمير الربيع العربي (بجهود السلفية الجهادية من ناحية، والانقلابيين العلمانيين من ناحية أخرى)، والقضاء على إمكان بناء كتلة تاريخية تجمع بين الإسلاميين والعلمانيين في إطار مشاريع وطنية للتحرر من الاستبداد والتبعية، كل ذلك مثّل مقدمة ضرورية لنجاح عملية استفزازية بحجم نقل السفارة الأمريكية إلى القدس. إذ من المستبعد أن تقوم الولايات المتحدة بتلك الخطوة إلا بوجود نظام عسكري كالنظام المصري، ووجود حلفاء موثوقين في الخليج العربي (مثل السعودية والإمارات)، حلفاء بلغ بهم الأمر حد تهديد العمالة الفلسطينية بالطرد في صورة رفض السلطة الفلسطينية لـ"صفقة القرن"، التي يراد لها توطين المهجرين الفلسطينيين في سيناء واعتبارها وطنا بديلا عن فلسطين المحتلة وعن حق العودة.

لقد أثبتت الوقائع أنّ نجاح السردية الخلاصية اليهو- مسيحية واكتساحها للجغرافيا والتاريخ؛ هو أمر مشروط بتقوية عوامل الضعف والفشل في العالم العربي- الإسلامي، أو الأحرى تغذية "قابلية" الاستعمار والاستحمار في لحظتهما المُعولمة. ولا شك في أنّ تلك "القابلية" ترتبط إلى حد كبير (ضمن السياقات الحالية) بسيادة خطابين كبيرين يتعارضان ظاهريا ولكنهما يتحالفان موضوعيا: الخطاب الوهابي باعتباره النقيض الموضوعي للدولة الحديثة ولثقافة المواطنة وما يؤسسهما من فلسفة سياسية- حقوقية، والخطاب العلماني المتطرف (خاصة في صيغته اللائكية الفرنسية) باعتباره النقيض الموضوعي للفكر الديني ولأي سلطة له في هندسة الفضاء العمومي وإدارته. إننا أمام خطابين "متناقضين" من جهتي الأصل والغاية، ولكنّه تناقض أثبتت الثورات العربية أنه مخادع ولا يمكن الاطمئنان إليه؛ على الأقل عند الأزمات التي قد تهدد بصورة جدية العلاقات اللامتكافئة بين "كياناتنا" التابعة والمتخلفة وبين القوى الإمبريالية و"كيانهم" الصهيوني من جهة أولى، أو تهدد، من جهة ثانية، مصالح الوكلاء المحليين للصهيونية العالمية، سواء أكان هؤلاء الوكلاء من الحليقين وأصحاب ربطات العنق، أم كانوا من أصحاب اللحية والقميص.