أفكَار

لماذا كل هذا الجدل حول مصير ستيفن هوكينغ؟

أثار إلحاد هوكينغ الجدل رغم إنجازاته العلمية- جيتي

فتح رحيل عالم الفيزياء البريطاني الشهير، ستيفن هوكينغ، باب الجدل على مصراعيه، بشأن مصيره الأخروي، وجواز الترحم عليه، بين محبيه ومبغضيه في العالم العربي، فمحبوه أمطروه بفيض من الرحمات والدعاء له بأن يكون من أهل الجنة، ومعارضوهم شددوا النكير عليهم، ومنعوا الترحم عليه؛ لأنه ملحد لا يستحق ذلك.

ومع أن الفيزيائي المقعد، بشخصيته الاستثنائية، وسيرته ومسيرته المميزة، أفصح عن موقفه المنكر لوجود الله واليوم الآخر بكل صراحة ووضوح، إلا أن تحديد مصيره الأخروي كان الموضوع الأبرز بين الكثيرين من رواد التواصل الاجتماعي عربا ومسلمين. 

في هذا السياق، تساءل الناشط الإسلامي الأردني، ليث التل: ماذا يعني إصرار بعضهم على طلب الرحمة لهوكينغ من رب لا يؤمن هو به؟ وما جدوى الدعاء له بأن يكون من أهل الجنة، وهو لا يعتقد بوجودها أصلا؟

وأضاف التل لـ"عربي21": "من المعروف عن ستيفن هوكينغ أنه كان يصر على طرح فكرة الإلحاد، وعدم الإيمان بوجود خالق لهذا الكون، وسخر نظرياته وعلمه لإثبات هذه الفكرة والدفاع عنها، وهو ما ترك أثرا في أوساط متابعيه من العرب والمسلمين". 

وأرجع التل أسباب الجدل الساخن حول هوكينغ إلى تصدر الرجل بنموذجه المتميز علميا وشخصيا، للدفاع عن فكرة الإلحاد، بحيث بات بتميزه العلمي رمزا للإلحاد، فخطورة الرجل الرمزية باعتباره عالما ملحدا"، على حد قوله. 

من جهته، رأى الكاتب البحريني، غسان الشهابي، أن "الأمر لا يتعلق بهوكينغ وحده، فلقد اعتاد أهلنا في السنوات الأخيرة هذا النوع من الجدل البائس، بأن يصطنع أناس إثارة الغبار بالترحم والترضي على أموات غير مسلمين، فتثور حفيظة المحافظين، ليردوا بعدم جواز ذلك، تبعا لما ثبت لديهم من أدلة دينية". 

وتابع حديثه لـ"عربي21" بالقول: "فيبادلهم الفريق الأول الرد بأن هذا الذي توفي أعطى البشرية أضعاف ما أعطيتم أنتم، والدليل الإنترنت التي تتحاورون من خلاله، والكمبيوتر الذي تنقرون على أزراره، وسلسلة طويلة من المخترعات التي لم تظهر في بلاد العرب والمسلمين". 

ووصف الشهابي ذلك اللون من الجدل بـ"المعارك الكلامية الجوفاء، التي لا تدل إلا على الباطن الأجوف لكلا الفريقين، اللذين لا يريدان إحقاق حق ولا إزهاق باطل، بل الانتصار لما ذهبا إليه".

ولفت الكاتب البحريني الشهابي إلى أن الكثيرين من "المدافعين والمهاجمين، والناقدين والمبررين، إنما يدافعون عن مواقفهم وقناعاتهم، لا عن الرجل وأفكاره، فأغلب قراءتهم عن الراحل وبحوثه لم تتجاوز ما كتب عنه في موقع ويكيبيديا، واكتفى الفريق المحرم بأنه مات على غير الإسلام، فوجب عدم الترحم عليه".

وفسر الشهابي ما يجري بأنه "الانشغال المستمر بالأسهل، وهو الاكتفاء بالمظاهر والوصف الخارجي للأمور، أما التعمق في الأفكار وتفكيكها ومناقشتها، ومحاورة الفكرة بالفكرة، فهذا أمر عسير يحتاج إلى إعمال العقل، والبحث المتعمق والتخصص، ولا يصلح معه استخدام الحجج الجاهزة الناجزة التي يستدعيها الفريقان دائما من فوق الأرفف". 

بدوره، قال الأكاديمي والكاتب الكويتي، فهد راشد المطيري: "من الطبيعي أن يترحم بعض المسلمين على عالم بحجم هوكينغ؛ لأنك إن كنت معجبا بأي شخص لأي سبب، فمن الطبيعي أن تتمنى له الأفضل، وليس هناك مصير أفضل من أن يدخل المرء الجنة بالنسبة للمسلم".

وجوابا عن سؤال "عربي21": ما معنى الترحم على شخص لا يؤمن بوجود إله مثل هوكينغ؟ أكدّ المطيري أنه لا معنى له بالنسبة لهوكينغ، لكن له معنى بالنسبة للمؤمن، بصرف النظر عن إلحاد من تُطلب له الرحمة، وهو الأمر ذاته بالنسبة للذين أدانوا الترحم على ملحد، فعدم الترحم لا يعني شيئا لشخص مثل هوكينغ، في حين أنه يعني الكثير لأولئك المتمسكين بتعاليمهم الدينية". 

ورأى المطيري أن صعوبة الفصل بين إنجازات هوكينغ العلمية ومصيره الأخروي في بعض أوساط المسلمين "ناشئة عن ردة فعل ما حظي به خبر وفاة هوكينغ من اهتمام كبير حول العالم، إذ إن الملحد بالنسبة للأصوليين ينبغي ألّا يحظى بالتعاطف معه مهما كانت إنجازاته البشرية".

وتابع: "لقد شاهدنا بعض المحاولات الساذجة في صفوف المسيحيين والمسلمين، على حد سواء، لتزييف الحقائق، والادّعاء بأن هوكينغ لا ينفي وجود الله"، مشيرا إلى أنه "ينبغي عدم فصل هذه المحاولات عن تلك المتعلقة بالنهوض بالهوية الإسلامية في القرن العشرين، والتي أنتجت ظواهر مستحدثة مثل "الاقتصاد الإسلامي" و"الإعجاز العلمي"، وغيرها، فجميعها تكشف عن جرح عميق بالهوية، واعتراف ضمني بالتخلف عن اللحاق بركب الحضارة الإنسانية والتقدم العلمي". 

من جانبه، أشاد الخبير الفلكي الأردني، عماد مجاهد، بإنجازات سيفن هوكينغ العلمية، التي أحدثت قفزة نوعية في مجالي الفيزياء النظرية، وعلم الكونيات"، في مجال الفيزياء النظرية، واصفا إياه بـ"العبقرية المقعدة"، وبـ"خليفة إسحاق نيوتن".


واستغرب مجاهد في ختام حديثه لـ"عربي21" ذلك اللون من الجدل حول مصير الرجل الأخروي، لافتا إلى ضرورة الإفادة من نظرياته وبحوثه، أو التصدي لمناقشتها وتفنيدها بعلم وموضوعية، وليس بالحط من قيمتها بحجة أن صاحبها كافر ملحد".