قضايا وآراء

هل مقاطعة انتخابات العسكر خيانة وإثم؟!

1300x600

لم يترك الحكم العسكري المؤسسة الدينية في كل عصوره إلا وابتزها وجندها لأغراضه، بل والجماعات الدينية التي تنضوي تحت جناحه كحزب النور.

 

فقد رأينا عمائم أزهرية عسكرية تفتي بأن من يدعو لمقاطعة انتخابات الرئاسة تحت حكم العسكر في مصر فهو آثم شرعا، وخرج ياسر برهامي وقال قولا آخر، فقال: من يقاطع الانتخابات الرئاسية فهو عدو للوطن، أي أن المقاطع لهذه المهزلة المسماة انتخابات سيقع بين التأثيم الديني، والتخوين الوطني باسم الدين كذلك!! ولك أن تختار ما يناسبك من التهمتين، وهو كلام فارغ لا ينطلق من شرع ولا عقل.


فالمشاركة في الانتخابات أو المقاطعة أمر يخضع لمعايير النزاهة الانتخابية، وجدواها، ومدى شفافيتها، فهل سمح النظام العسكري لأحد أن يترشح؟ وهل من انقلب على رئيس شرعي منتخب سيترك المنصب بصناديق الانتخاب بعد أن استحوذ عليه عن طريق صناديق الذخيرة؟ وبناء على هذه المعايير يبني الفقيه فتواه، هل يشارك الناس أم لا؟ وبناء على الموازنة بين المصالح والمفاسد يرجح الفقيه الرأي الذي يفتي به، سواء بالمشاركة أو المقاطعة، وهو ما تشير إليه كل الدلائل الفقهية والسياسية أنه الرأي المعبر عن الواقع السياسي في مصر.


لكن المزايدة التي يروج لها الحكم العسكري بأن من يقاطع فهو آثم أو خائن، كلام ساقط دينيا، فالمقاطعة خيار شرعي يتيحه الشرع للإنسان عندما لا يجد جدوى أو مصداقية للعمل السياسي، أو كان رأيا اقتنع به صاحبه، حتى لو كان رأيه خطأ، أو بني على مقدمات خاطئة، فلا يحكم عليه شرعا بالإثم أو أنه عدو، وإلا لحكم أبو بكر الصديق رضي الله عنه والصحابة بالإثم الشرعي والعداء للدولة الإسلامية على السيدة فاطمة الزهراء، وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما.

 

فعندما تولى أبو بكر الخلافة، ذهبت السيدة فاطمة له لأخذ ميراثها في رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخبرها بأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا نورث ما تركناه صدقة"، فغضبت رضي الله عنها لذلك، ولم تبايعه حتى ماتت، وقد توفيت بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم بستة أشهر، وشاركها علي بن أبي طالب في موقفها، فلم يبايع إلا بعد وفاتها، فهل حكم أحد هنا على مقاطعة السيدة فاطمة وسيدنا علي بأنهما فعلا إثما؟ أو صنفا في خانة الأعداء؟!


كما أن كلمة (إثم) و(حرام)، لا تطلق إلا على فعل أو قول، ورد فيه نص شرعي واضح في ذلك، فكلمة الإثم والحرام كلمة كبيرة في الشرع، لا تطلق من فم العالم إلا بعد تثبت وتيقن كبير منها، فجمهور العلماء يشترطون في ذلك آية قرآنية، أو حديثا نبويا واضحا في ذلك، واشترط الأحناف أن يكون النص قرآنيا، أو نبويا متواترا، أي درجة أشد في الاستدلال.

 

وهذا ديدن كل فقهاء الأمة لا فقهاء السلاطين، الذين يستأجرهم الحكام للتدليس على الناس بما يملونه عليهم. والقرآن الكريم يشدد في قضية الإفتاء والتحريم والتحليل بدون تثبت، وجعله افتراء للكذب على الله، وأنه لا يفلح من يفترون الكذب على الله، يقول تعالى: (وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ) النحل: 116. ويقول مبينا أن مثل هذه الفتاوى التي تصدر بغير بينة أو دليل صحيح بأنها افتراء، قال تعالى: (قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ) يونس: 59. فضلا عمن يحكم على المقاطع بأنه من الأعداء، فكلاهما وصفان لا يصدران إلا عن مخبر أمن دولة لا أهل علم أو دعوة. وهو ما أطلقنا عليه من قبل: السلفية المخابراتية.