قضايا وآراء

"قالوا إيه علينا"... سنقول الكثير

1300x600
للحرب أدوات عدة وليس فقط السلاح، إلا أن السلاح هو الرقم واحد الذي تزيده أصفاره قوة، وفي غيابه تتحول كل الأدوات "بنسبة كبيرة" إلى مجموعة أصفار تنتظر الواحد الذي يصنع لها قيمة حقيقية. وأحد أدوات الحرب هي الحرب النفسية، ولها شقان؛ الأول هو رفع الحالة المعنوية للقوات إلى أعلى درجة ممكنة، والثانية هي السحق النفسي الكامل للطرف المعادي أو على الأقل إشعاره الدائم بحتمية الهزيمة.

ومن المفترض ألا تكون الحرب النفسية موجهة إلا ناحية العدو؛ لأن هدفها تحطيم قدرة الآخر على المواجهة، ولذلك يمكن تسميتها "بالحرب من أجل السيطرة على عقول الرجال". وفي حالات نجاح الحرب النفسية، فإن تأثيرها يمهد الأرض بشكل كبير لهزيمة العدو، ويسعى الجميع من أجل حماية قواته من تأثيرات الحرب النفسية المضادة، تماما بنفس قوة شنه للحرب على عدوه لسحقه نفسيا.

تمارس النظم الحاكمة التابعة للاحتلال أو النظم المستبدة نفس الأسلوب ضد شعوبها، فهذه الأنظمة تضع الشعوب كالعدو الأول لها، كما تمارسه الأنظمة جميعها بدرجات مختلفة، وما يحدث الآن ضد غالب شعوب الأرض من محاولة للسيطرة الكاملة على العقول (خاصة بعد التطور التكنولوجي الكبير)، وإيهامهم بأمور وهمية تستطيع الأنظمة الكبرى فعل ما تريد يؤكد ذلك، وما حدث في الحرب ضد العراق وأفغانستان وغيرهما في العقود الأخيرة؛ أكبر أدلة على ذلك. 

إلا أن الأمور في الدول الاستبدادية والتابعة للاحتلال أكثر وضوحا، وربما الحديث عن مصر، كأحد تلك النماذج الفاضحة، هام، فيبدو أن هذه الحرب لن تنتهي سريعا، والنظام المصري يستخدم كافة أدوات الحرب ضد الشعب، عدوه الأوحد والأكبر الآن. وبالرغم من امتلاكه غالب القوة المسلحة، إلا أنه دائما ما كان يسعى إلى استخدام كافة أدوات الحرب الأخرى أولا قبل استخدام القوة العسكرية، وهذا ليس لعدم رغبة منه في استخدام السلاح ضد شعبه، ولكن لإدراكه بالضعف الشديد والترهل الكبير في تلك المنظومة وأن المواجهة قد تؤدي إلى خسارة كل شيء، وإدراك قطاعات كبيرة من الشعب بقدرته على سحق النظام.

وربما يبدو ذلك واضحا قبل انقلاب 2013؛ فقد قام نظام الاحتلال بتمهيد الأرض بكل أدوات الحرب الأخرى، وكانت الدبابة رمز القوة العسكرية آخر ما نزل به للشارع بعد استخدامه كافة الأدوات، وكانت الحرب النفسية بصناعة عدو وهمي ثم مهاجمته بكل الوسائل، والسيطرة على مجال الإعلام وصناعة الوعي هي العنصر الأقوى لهذا التمهيد النيراني بغير مدافع.

وبعد ما يقرب من خمس سنوات من إعادة سيطرة قوات الاحتلال على أرض مصر، لا زالت المحاولات مستمرة وبنفس الأدوات التي أصبحت أكثر بكل تأكيد، إلا أن القدرة على استخدامها وتحقيق نتائج كبيرة كما كانت في السابق؛ أعتقد أنها محل شك كبير، وربما الدفع في الإعلام بأغنية ركيكة وإجبار طلاب المدارس على ترديدها بالزي العسكري؛ أرى أنه يعكس حالة مختلفة ليست كما كانت بعد انقلاب تموز/ يوليو.

فالكتيبة 103 صاعقة، والتي انتشرت هذه الأغنية باسمها، أحد أكثر الأماكن تعرضا للهجمات المسلحة، وفي إحدى المرات أبيدت الكتيبة بشكل كامل تقريبا، ومن المفترض أن يقلل النظام الحاكم من ظهورها أو التعامل باسمها، فهي لم تقتحم أو تهاجم مرة أو اثنتين، بل تقريبا تتم مهاجمتها باستمرار وبشكل شبه دوري، وفي كل مرة تتعرض لمشكلة تصل أحيانا إلى حد الفضيحة العسكرية، ومع ذلك يصر النظام على إعادة ترميزها كرمز للقوة.

إن هذا النمط يدل على إدراك النظام لحقيقة مفصلية في التعامل مع الجماهير، وهي أن الجماهير لا تعامل بالمنطق والتحليل العلمي، ولكنها تتعامل بشكل مختلف يؤدي دائما إلى تفسير كل الأمور بناء على عدة ثوابت يصعب تغييرها، ومن ينجح في ترسيخ تلك الثوابت ويصر عليها؛ قادر على الدفع بأي نتائج وتفسيرها طبقا لها.

فالجيش الأسطورة الذي نجح النظام في تثبيت صورته المزيفة في عقول الكثير من الجماهير لا يحتاج لانتصارات أو حتى حروب لإثبات قوته؛ فقط مجموعة من الصور والمشاهد الدقيقة، ومجموعة أخرى من الأغاني (لا يهم إن كانت ركيكة أم بليغة) لإعادة تكوين تلك الصورة أو تثبيتها، دائما ما يفعل ذلك، إلا أن هذه المرة اضطر أن يستخدم أغنية صادرة من أكثر النقاط تعرضا للهزائم في السنوات الأخيرة، ولهذا عدة دلالات:

أولا: بالرغم من كثرة الأدوات التي تمكن النظام من السيطرة على العقول واستخدام الحرب النفسية ضد الشعب، إلا أن حجم الوسائل الفنية للعمل قل للغاية، بل ربما انعدم فاضطر إلى استخدام ورقة تضره أكثر من أن تفيده.

ثانيا: هذا رد من النظام على عدة أغان وأعمال فنية مضادة حققت نجاحا ملحوظا، مما اضطر النظام إلى الرد عليه، واعتبار أن إهانة الجيش والشرطة خيانة عظمى.

والنقطتان السابقتان تعنيان تطورا في أدوات ووسائل الشعب، بالرغم من ضعفها على حساب الوسائل التي يستخدمها النظام.

ثالثا: كما ذكرت أن القوة المسلحة هي الواحد الذي يصنع لباقي أدوات الحرب قيمة، وهناك من المؤشرات ما يفيد أن هذه الأداة مرشحة للتفتيت داخل مؤسسات القوة المسلحة. فحجم الانشقاقات المعلن وحجم الخيانة الكبير يشير إلى أن القادم ليس في مصلحة النظام الانقلابي، وربما تجاوز هذا الأمر النقطة الحرجة أو كاد، وفي هذه اللحظة قد تتجاوز قوة الشعب قوة النظام.

لذلك، فعلى كل القوى المجتمعية عدم اليأس، بل على العكس؛ فهناك الكثير من المؤشرات باقتراب حدوث توازن في القوى (أو على الأقل تقليل الفارق)، مما يسمح بالانتصار أو حدوث ثورة شاملة ناجحة، وعليها أيضا أن تدرك أنها من تستطيع أن تصنع الفارق بتحركها المدروس وقت الثورة، وهذا ما ينبغي أن يعمل الجميع عليه.