قضايا وآراء

عملية سيناء 2018.. حرب العقول

1300x600
بضعة أيام مرت على العملية العسكرية الشاملة التي يشنها الجيش المصري على بؤر من سماهم الإرهابيين في سيناء.. العملية التي يشارك فيها القوات البرية والجوية والبحرية إلى جانب حرس الحدود مع عناصر الشرطة، والتي أعلن عنها المتحدث العسكري في بيان متلفز يوم 9 شباط/ فبراير الجاري، والتي وصفها بأنها خطة لمجابهة شاملة للعناصر الإرهابية والإجرامية على حد وصفه، وحدد نطاقها لتشمل شمال ووسط سيناء ومناطق بدلتا مصر والظهير الصحراوي غرب وادي النيل، وهو ما يجعلها أكبر عملية يشارك فيها الجيش المصري على أراضيه. ويبدو لي أنها تتماشى مع ما صرح به رأس النظام، بأن الجيش يمكن أن ينتشر بطول مصر وعرضها في ست ساعات، وبغض النظر عن فكرة نشر الجيش داخل المدن، وهو مستغرب في العسكرية المصرية، إلا مع هذا النظام الذي آلى على نفسه أن يغير عقيدة الجيش الراسخة منذ 130 سنة أو يزيد.

وبعيدا عن التفسيرات التي صاحبت تلك العملية وأهدافها غير المعلنة، من محاولة رأس النظام إلهاء الجيش المنقسم على نفسه والغاضب خلال الفترة الأخيرة من تصرفات قائده الأعلى، بعد أن زج به في صراعه على السلطة، أو بأنها شكل من أشكال الداعية الانتخابية الرخيصة على حساب دم أبناء سيناء، أو أنها محاولة لتفريغ سيناء تمهيدا لصفقة القرن، أو أنها محاولة لإعادة الانتشار من أجل التضييق على غزة تمهيدا لضربة صهيونية على القطاع، أو غيرها من التحليلات، فإن عملية سيناء 2018، أو أي عملية عسكرية يجب أن يصاحبها ترويج إعلامي يصنع رأي عام داعم للقيادة خلال سير العمليات على الأرض.

وإن كان المتحدث العسكري يقوم بذلك من خلال بياناته التي تعد شحيحة بعض الشيء، فإن قيادة النظام العسكرية والسياسية تعول على الإعلام التابع لها في تغذية الشعب في هذا الإطار.

إلا أن الهدف الاستراتيجي من العملية، والذي لم يترك رأس النظام وقتا ولا مجالا ولا ساحة ومساحة إلا وتكلم عنه، "الحرب على الإرهاب"، هو الهدف الأكبر للعملية والذي يجب الترويج له داخليا ودوليا.

ولكي تتأكد هذه الفكرة، في ظل علو الأصوات التي تحاول فضح أهداف العملية وإظهارها على أنها ضد المدنيين لتهجيرهم قسرا من مدنهم وقراهم، فإنه كان لزاما أن يخرج الإرهابيون أنفسهم ليقولوا أنهم موجودون، ليكون رد فعل الشارع متناغم مع ما يريد النظام، وهو أن النظام محق فيما يفعل.

لكن إصدار ما تسمى بولاية سيناء لم يكن هدفه الوحيد أن يعرض مشاهد لقتل غير مبرر لمجندين، أو أفراد عاديين في متاجرهم، في اغتيالات أشبه ما تكون بتلك التي نفذت في إيطاليا وأمريكا في أوج مجد المافيا في تلك الدولتين.

ولكن إصدار ولاية سيناء ضرب أكثر من عصفور بفيديو واحد، وأرسل رسائل للاوعي لا يمكن تكذيبها، لا سيما وأن الصورة هي من تتكلم.

فالإصدار الذي كان يصر مقدمه خلال كل لقطاته أن يؤكد على كفر من يقاتلون (الجيش المصري)؛ إنما الهدف منه تأكيد المؤكد، بأن الحرب عقائدية، مع إصرار الرجل على التأكيد على فساد عقيدته، وفقا للمفاهيم المنتشرة في المجتمع المصري والتي تؤكد عليها المؤسسة الدينية منذ الستينات، وهو ما يبني بالنتيجة خصومة بين الشعب وهذه الجماعة.

أما إظهار الشاب المدعو عمر الديب؛ في الإصدار على أنه من شباب الإخوان، والذي كفر بالسلمية فهداه الله لطريق العنف، هو محاولة لكسب مجموعات جديدة من الشباب الغاضب من عجز المعارضة المصرية في إيجاد حل لأزمتها وأزمة مصر مع ذلك النظام الغاشم المتجبر والذي لا يخشى عقاب، وهو ما يعني جر مزيد من الشباب إلى مربع العنف، وربما تنجر قيادته معه عندما تجد نفسها محصورة في مربع التفريغ من قواعدها، فترضخ. وهو ما يحاول النظام فعله من أول يوم بعد الانقلاب العسكري، لإكمال الهدف الموكل إليه بإفشال مصر.

هذا الشاب المدعو عمر الديب، أعلن النظام تصفيته في شقة في أرض اللواء في الجيزة مع أصدقائه، على الرغم من تأكيد والده أن الشاب كان يدرس في ماليزيا قبل عودته لمصر ليصفى بعد أيام من عودته.. وإظهار الشاب في إصدار ولاية سيناء على أنه أحد منتسبيها في مشهد وضح فيه الافتعال، سواء من ملابس الشاب وعتاده أو الطريقة التي تحدث بها. وعلى الرغم من أن أيا من المنظمات الحقوقية لم تعلن إخفاء الشاب قسرا، إلا أن إعلام النظام خرج ليدعي على تلك المنظمات بأنها أعلنت عن اختفائه قسرا، وهدف النظام هنا هو ضرب مصداقية منظمات حقوق الإنسان التي تزعج النظام في المحافل الدولية، والتي كان أخر إنجازاتها تحريك مجلس حقوق الإنسان في الأمم المتحدة للعمل على القضية المصرية، وهو ما أثمر عن طلب المجلس من النظام المصري فتح السجون لتفتيشها والوقوف على الحالة الحقوقية في مصر.

كما أن مقدم الإصدار حذر الشعب من الاقتراب من مقار الانتخابات والمحاكم في أيام الانتخابات الرئاسية القادمة، وهو هدف آخر سيعمل النظام على إبرازه ليغطي الإحجام المتوقع من الناخبين لتلك الانتخابات التي ينافس فيها رأس النظام نفسه، بعد حالة القمع الواسعة لكل المرشحين.

هذه الأهداف التي يمكن رصدها من خلال هذا الإصدار المنسوب لما يسمى بولاية سيناء، يؤكد أن أحد ما حاول إرسال رسائل يمكن الاستفادة منها في المستقبل القريب. وأنا هنا لن أسرد تحليلات وتعليقات أهالي سيناء وناشطيها عن زي من ظهروا في الإصدار ولا لهجتهم ولا اللامعقولية في أغلب المشاهد التي بثها الإصدار، للتأكيد بأن الإصدار موجه بشكل لا تخطئه عين واعية. ولن أقول أنه صناعة مخابراتية مباشرة، إلا أن معقولية اختراق التنظيم على مستويات عليا احتمالية مقبولة، يمكن معها وبارتياح قبول تمرير رسائل يبنى عليها تشكيل الوعي الجمعي، ومن ثم تبني عليها مواقف ترسخ مفاهيم تعضض مواقف النظام.

وهنا يكفي توضيح الأهداف الخفية من مثل هذه الإصدارات، لفهم دور حرب العقول في المعارك العسكرية.