قضايا وآراء

زيارة مودي إلى الأراضي الفلسطينية.. قراءة في أبعاد المشهد ودلالاته؟

1300x600

حملت زيارة رئيس الوزراء الهندي "نارندرا مودي" إلى رام الله هذا الأسبوع واللقاء بالرئيس محمود عباس الكثير من المعاني والدلالات، وأثارت العديد من التساؤلات حول المواقف والسياسات الهندية تجاه القضية الفلسطينية، على ضوء اتساع العلاقة بين الهند وإسرائيل، وتطور التعاون بينهما في أكثر من مجال، الأمر الذي استدعى حالة من الانزعاج والتخوف لدى الطرف الفلسطيني، خشية أن يكون لذلك انعكاسات سلبية تجاه العلاقة الاستراتيجية التي تربط الهند بشعبنا وقضيتنا الفلسطينية.


ولذلك، ربما كان التأكيد الذي حاول من خلاله رئيس الوزراء الهندي"مودي"طمأنة الفلسطينيين، وتهدئة المسلمين في الهند بأن العلاقة القائمة مع إسرائيل لن تأتي على حساب العلاقة التاريخية مع الفلسطينيين، حيث أشار في كلمته التي ألقاها في المؤتمر الصحفي مع الرئيس أبو مازن في رام الله، بأن الصداقة بين الشعبين؛ الهندي والفلسطيني، اختبرها الزمان، مشيدا بشجاعة الفلسطينيين في مواجهة تحديات مختلفة. وأضاف، إن بلاده كانت وستظل دائما تدعم فلسطين في طريقها التنموي، مشيرا إلى أن الحل المستدام الوحيد لهذا الصراع بين الفلسطينيين والإسرائيليين يكمن في الحوار.


نعم؛ كان هناك وقبل هذه الزيارة إلى الأراضي الفلسطينية الكثير من اللغط السياسي، الذي ارتفعت وتيرته مع زيارة رئيس الوزراء الهندي مودي إلى إسرائيل في الخامس من يوليو 2017، ثم قيام نتنياهو ووفد إسرائيلي كبير بزيارة الهند في يناير الماضي، وعقد صفقات تجارية كبيرة بين البلدين، مما أثار تساؤلات مقلقة في الشارعين العربي والإسلامي عن مستقبل العلاقة مع الهند؛ الدولة التي تربطها بدول وشعوب المنطقة علاقات تاريخية مميزة تعود إلى الفترة التي سبقت ظهور الإسلام، حيث إن العرب عرفوا الهند من خلال الرحلات التجارية البحرية التي كانت سفنهم تنقل خلالها البضائع المتبادلة بين الجانبين، ولكن هذه العلاقات توثقت أكثر في عهد الإسلام، الذي دخل تلك البلاد عن طريق التجار العرب. ولاحقا، قامت أول علاقة سياسية قوية بين بلاد الهند والعرب في القرن الثامن الميلادي، أيام القائد العربي محمد بن قاسم الثقفي، الذي فتح بلاد السند والهند عسكريا، وأسّس أول حكومة إسلامية مستقلة فيها. وفي العصر الحديث، خضعت معظم الدول العربية والهند للاستعمار البريطاني، فكانت هناك حركة وطنية متشابهة في الطرفين تسعى لنيل الاستقلال. ومن المعروف أن تلك العلاقات قد تعززت في مرحلة ما بعد الاستقلال، من خلال ما يسمى بمنظمة عدم الانحياز، التي أوجدت تناصرا دوليا قويا مع الشعب الفلسطيني، وأعطت قضيته صدارة على الأجندة العالمية استمرت لسنوات طويلة.


لا شك أن التوجهات الهندية شطر إسرائيل لها أسباب ودوافع ومبررات نتحمل نحن العرب بعض المسؤولية تجاهها، وقد أشار إلى هذه القضية د. مصطفى الفقي، واعتبرها "خطيئة عربية"، قائلا: كلما قارنت بين موقف الهند من القضية الفلسطينية، عندما كنت أعمل مستشارا للسفارة المصرية في نيودلهي منذ ربع قرن من الزمان، وبين موقفها الحالي، رددت بيني وبين نفسي كم تغيرت الدنيا، وتبدلت الأحوال!! فعندما كنت أعمل في نيودلهي في أواخر السبعينيات وأوائل الثمانينيات، كانت الهند داعما رئيسيا للقضية الفلسطينية، وعندما كنا نتحدث عن احتمال قيام علاقات ديبلوماسية بين الهند وإسرائيل، كنا نتلقى استهجانا هنديا لسخافة الفكرة، واستبعادا تلقائيا لها... ولست أنسى أن سفير فلسطين في نيودلهي كان يستطيع في تلك الأيام الخوالي أن يقابل رئيسة الوزراء في أي وقت. وأضاف: إن التحول في الموقف الهندي تجاه القضية الفلسطينية هو خطيئة عربية بكل المعايير.


عرفات والهند: صداقة وعلاقات ثابتة


لم يكن قد مضى على نيل دولة الهند استقلالها عن بريطانيا ثلاثة شهور، إلا وكانت الحكومة الهندية من أوائل المعارضين لقرار تقسيم فلسطين رقم (181)، الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة في العام 1947. في الحقيقة، وقف المهاتما غاندي ومن بعده جواهر لآل نهرو إلى جانب الشعب الفلسطيني وحقه في تقرير المصير، وتحول هذا التأييد إلى ثقافة عامة لمئات الملايين من الهنود الهندوس والمسلمين بطبيعة الحال عبر عقود من الزمن.


كانت العلاقة الهندية – الفلسطينية قد تطورت بشكل لافت للنظر في عهد الزعيمة الهندية "أنديرا غاندي"، التي جمعتها علاقة صداقة شخصية مع الزعيم ياسر عرفات (رحمه الله)، وعندما أصبح ولدها راجيف رئيسا للوزراء، ازدادت زيارات عرفات "أبو عمار" للهند، ونجح في توثيق العلاقة بين الهند والفلسطينيين وتجذيرها، حيث تعمَّقت تلك العلاقة أكثر فأكثر، وقام أبو عمار بزيارات عديدة للهند، حتى إنه في واحدة منها، وكانت بهدف المشاركة في عيد الهند الوطني، حظي باستقبال استثنائي ومختلف عن بقية الزعماء، مما استدعى وزيرا هنديا للهمس في أذن أحد مرافقي عرفات، قائلا له، إن الملكة إليزابيث لم تحظ بذلك.


في الحقيقة، وبحسب رؤية الباحث د. رويد أبو عمشة، كانت الهند في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي تعتبر أحد أكثر الدول التي تميل بمواقفها لجانب العرب والفلسطينيين، وكانت تعدُّ عدوا  حقيقيا لإسرائيل، ويعود ذلك في الغالب لإرضاء وجهة النظر العربية، ولم يستطع حتى حزب "بهارتيا جاناتا"، الذي كان معاديا للمسلمين وصديقا لإسرائيل، تجاهل العرب، وترسخت العلاقات الثنائية بين الهند ومنظمة التحرير الفلسطينية من خلال زيارات وفود المنظمة المتكررة للهند، وتصويت الهند الدائم لصالح المنظمة، لإدانة إسرائيل في الجمعية العامة للأمم المتحدة، وكانت الهند قد اعترفت بمنظمة التحرير في العام 1975، وقررت منحها الوضع الدبلوماسي الكامل في مارس 1982، وكانت أول دولة - غير عربية -تعترف بإعلان استقلال دولة فلسطين عام 1988. للأسف، تراجعت العلاقة بعد رحيل ياسر عرفات؛ لأسباب أرجعها البعض لضعف الأداء الدبلوماسي والسياسي الفلسطيني.


أما علاقة الهند المعلنة بدولة الكيان الإسرائيلي، فقد جاءت بعد انطلاق عملية التسوية السياسية بين العرب، وهذا الكيان في مؤتمر مدريد عام 1991؛ أي بعد أن باشرت بعض الدول العربية بالانفتاح عليه والهرولة باتجاهه سرا وعلانية!!


وعليه؛ وفي 29 يناير1992، قام رئيس وزراء الهند (ناراسيما راو) من حزب المؤتمر، بإعلان إقامة علاقات دبلوماسية كاملة بين الهند وإسرائيل وتمَّ تبادل السفراء بينهما.


تساؤلات: الرؤية والعمل المطلوب

 

 إن النخب الفلسطينية كانت لها قراءتها لهذه الزيارة الخاطفة لرئيس الوزراء الهندي، التي كانت تحمل _بلا شك_ الكثير من المعاني والدلالات، حيث أشار د. أيمن دراغمة؛ النائب بالمجلس التشريعي عن حركة حماس، إلى أن هذه الزيارة تأتي كمحاولة من الهند لتأكيد ثبات علاقاتها التاريخية مع الفلسطينيين، وأن دورها الداعم لحقوقهم لم يتغير، خاصة أنها جاءت بعد زيارة نتنياهو للهند، ومن ثمَّ كامتداد للدور السياسي الهندي على الساحة الدولية، حيث إن الهند تدرك أهمية الملف الفلسطيني وانعكاساته على المشهد الدولي، وربما هي تحاول استكشاف فرص تأدية دور محوري في عملية السلام في ظل انكفاء الدور الأمريكي، خاصة مع الأزمة الناشئة عن سياسة ترامب–نتنياهو الاستعلائية، التي تتعمد تجاهل الحقوق الوطنية الفلسطينية، كما شاهدنا ذلك واضحا في الطريقة الفجِّة وعجرفة القوة التي تعامل بها ترامب وإدارته مع ملف القدس، ضاربا بالاتفاقيات الأممية الموقعة عرض الحائط.


أما الناشط في الرابطة الفلسطينية الهندية؛ الأستاذ فتحي طبيل، فإنه يعتبر أن هذه الزيارة التي يقوم بها رئيس الوزراء الهندي إلى فلسطين ذات دلالات مهمة ويصفها بالتاريخية؛ لأنها تأتي في الوقت الذي تتعرض فيه القضية الفلسطينية للكثير من تهديدات دولة الاحتلال وحليفها الأمريكي دونالد ترامب، الذي قامت إدارته بعدوان سافر على الحقوق الفلسطينية بقرارها نقل سفارتها إلى القدس، والاعتراف بها كعاصمة لدولة الاحتلال!!


لقد عبرت الهند مرارا وتكرارا عن وقوفها الراسخ مع حق الشعب الفلسطيني بنيل حقوقه غير القابلة للتصرف، واعترافها بدولة فلسطين، وأسهمت في توطيد أركان ذلك ببناء سفارة لدولة فلسطين في العاصمة الهندية نيودلهي. ومن هنا، فإن على القيادة الفلسطينية متابعة وتقوية العلاقات الفلسطينية الهندية ليس فقط في جانبها السياسي، بل وفي تمتين العلاقات الأخوية بين الشعبين، من خلال تعزيز التبادل الثقافي والتعليمي بين البلدين، وتعريف الشارع الفلسطيني بالثقافة الهندية العريقة، وذلك بإقامة مركز ثقافي هندي في فلسطين، والارتقاء بالرسالة الإعلامية المتبادلة عبر استضافة رجال إعلام وسياسة والحديث في المواضيع ذات الاهتمام المشترك. وأيضا تشجيع السياحة بين البلدين وخاصة الدينية، حيث إن الهند فيها طائفة مسلمة كبيرة تتجاوز المئتي مليون مسلم. وأخيرا؛ تنشيط الحركة التجارية، وخاصة في مجال الصناعة عبر المعارض المتنقلة أو الثابتة. كما أن هناك الكثير من الأفكار والمشاريع التي يمكن عرضها في حال إنشاء الآليات الخاصة بالتطبيق.


الأستاذ أكرم قويدر؛ نائب رئيس جمعية خريجي الجامعات والمعاهد الهندية، أشار بأنه يتوجب علينا رسم استراتيجية فلسطينية جديدة تجاه الهند، بحيث تكون من أولوياتها إسناد وتعزيز دور الدبلوماسية الفلسطينية العاملة في الساحة الهندية، وحث السلك الدبلوماسي العربي والإسلامي الموجود في شبة القارة الهندية على دعم تلك الاستراتيجية. ومن جهة أخرى، علينا تعميق العلاقات السياسية والتجارية والسياحية الهندية الفلسطينية، وتفعيل جمعيات واتحادات الصداقة الهندية-الفلسطينية اجتماعيا وأكاديميا، فالحضور الإسلامي الكبير هناك يشكل لنا ولقضيتنا ثقلا مهما، علينا الاستثمار فيه سياسيا وثقافيا.


في دراسته الموسومة بعنوان: "السياسة الخارجية الهندية تجاه القضية الفلسطينية (1947 - 2005)"، أشار الباحث في العلاقات الدولية محمود الفطافطة إلى أن محاولات الهند المتكررة في تفعيل سياستها الخارجية إزاء العديد من قضايا العالم المتناثرة، ومنها القضية الفلسطينية، لم تؤهلها لغاية الآن من تأدية دور سياسي فاعل وملحوظ على المسرح الدولي بشكل عام، ومنطقة الشرق الأوسط بشكل خاص، على الرغم من نجاحها الاقتصادي والتكنولوجي، موضحا بأن الهند لديها من القوة ما يكفي فقط لمقاومة نفوذ الآخرين إزاءها، في الوقت الذي ما زال عليها أن تتقدم بخطى واسعة قبل أن تحرز نفوذا ذا معنى على الدول الأخرى، ومن ثمَّ ضمن النظام العالمي بأسره. وأضاف: رغم حاجة الهند الكبيرة إلى إسرائيل في العديد من المجالات؛ لاسيما المجالين العسكري والاقتصادي، إلا أنها لم تُقدم على التغيير السلبي في سياستها الخارجية إزاء الشعب الفلسطيني وقضيته، في الوقت الذي غلب على هذه السياسة الحذر والتوازن، مع التركيز على المصالح المتبادلة بدلا من مفهوم الأيديولوجيا، الذي أصبح يتراجع بعد انتهاء الحرب الباردة، وطغيان مفاهيم العولمة، وبروز تجليات السوق الحر، والشركات متعددة الجنسيات، وما إلى ذلك من تعابير الليبرالية الجديدة.


ختاما، ستبقى الهند تحافظ على علاقات متوازنة تجاه كل ما يشكل حالة الصراع بين الفلسطينيين والإسرائيليين، ولن تنحرف البوصلة كثيرا عن مساراتها التاريخية؛ لاعتبارات تتعلق بثقل الحضور الإسلامي في الهند، وحجم الارتباطات القائمة بين الهند ودول عربية وإسلامية وازنة، الأمر الذي يحد من التوسع في علاقاتها بإسرائيل، والمرتبطة باحتياجات الهند الآنيِّة لتقنيات بعض الأسلحة المتقدمة التي تنتجها دولة الاحتلال.