كتاب عربي 21

أبو إسماعيل في مواجهة السيسي!

1300x600
لنفترض أن صدفة كونية ما حدثت، وخرج أبو اسماعيل، وسُمح له بالترشح.. أبو اسماعيل الآن في مرحلة جمع التوكيلات، ويرى، ورؤيا المؤمن مثل فلق الصبح، أن الترشح والمزاحمة مع انعدام الأمل أفضل من تركها للسيسي سهلة سائغة، ويملك على هذه الرؤية من المبررات التاريخية، والأدلة الشرعية ما يدفعه لذلك مخلصا، مبتدئا وجه ربه.. ماذا ستفعل؟

أغمض عينيك قليلا، وحاول أن تتخيل أن أبا إسماعيل الآن مكان خالد علي، هل كنت ستعتبره "كومبارس"، وتتهمه بأنه "حمدين"؟! فكر قبل أن تجيب..

الآن، دعك من أبي إسماعيل - مجرد مثال - أغمض عينيك ثانية، دقيقة واحدة، ضع بدلا من أبي إسماعيل من تشاء، من تحب، من تثق به، أي اسم.. باسم عودة، عصام سلطان، محمد البلتاجي.. من يعجبك، هل كنت ستتركه ليخوض "الخناقة" وحده بدعوى أن الترشح خيانة، وإضفاء للشرعية، وأن المقاطعة هي الحل؟

الموضوع كله هو "الشخص" وليس "فكرة" الترشح.. مزاجك، وليس تحليلك السياسي. هذه الحالة من الرفض مردها النفور الأيديولوجي، ودون ذلك كانت الفكرة ستجد من معارضيها بشراسة تفهما ونقاشا، وآراء هنا وهناك، وكانت ستدرج عند أعظم الرافضين لها - من الإسلاميين - تحت بند الاجتهاد الخاطئ، والأجر والأجرين، وكل سنة وحضرتك طيب..

بص يا صديقي، أنت تقول المقاطعة هي الحل، وفي الوقت نفسه تقول إنه لا انتخابات ولا صندوق ولا سياسة ولا أمل، أي أنه لا حل، فما الذي ستحققه المقاطعة ولا يستطيع الترشح أن يحققه؟ الحقيقة - ووفقا لرؤيتك - لا شيء، لا الترشح نافع ولا الهروب شافع... سيان.

تتساءل: لماذا تبنى خالد علي المقاطعة في الانتخابات السابقة، ولماذا يترشح الآن، رغم أن شيئا من ظروف المقاطعة لم يتغير؟! "جربناها وفشلت"، قاطعنا جميعا، إلا حمدين، وخدمنا الحظ، ولعبت لصالحنا الظروف، واشتبك النظام مع رجال الأعمال، ملاك الفضائيات، فساهموا بدورهم في إبراز وجه المقاطعة الحقيقي للعالم كله، وظهرت اللجان خاوية على عروشها، وشاهد العالم رفض المصريين للانتخابات وللمنظومة كلها، واضطر السيسي لمد أيام التصويت ليوم زائد، بالمخالفة للقانون والدستور.. فضيحة أخرى، ورصيد إضافي لصالح المقاطعة ونجاحها المبهر والرهيب، فماذا حدث؟ لا شيء، نجح السيسي رغما عنا، وعن الناخبين والناخبات، وعن المقاطعين والمقاطعات، وعن العالمين، ووضع لنفسه بنفسه ملايين الأصوات، ونسبة لا يمكن أن ينجح بها "نبي" لو ترشح لرئاسة قومه، وحكم أربع سنوات بالحديد والنار، والاعتقالات والإعدامات، وكل ما من شأنه أن يسقط أي نظام - في الظروف العادية - ولم يسقط. وها هو يترشح لفترة أخرى بمباركة إعلامه، وجيشه وشرطته وبرلمانه ومواطنيه الشرفاء والكابتن مدحت شلبي، فماذا ستصنع لك المقاطعة؟ وماذا ستضيف إليه المشاركة؟

الشرعية؟! يا رجل يا طيب، أي شرعية تلك التي تبحث عنها في عالم بائس يحكمه مجنون مثل ترامب؟ الصندوق؟ مرسي جاء بالصندوق ورحل بانقلاب، وجاء السيسي بالعافية، وها هو يحكم، فماذا فعلت الشرعية للسجين مرسي؟ وماذا خصمت اللاشرعية من الرئيس السيسي؟ قلبك أبيض..

الإحراج أمام العالم؟ أي إحراج أكثر من كون السيسي بصفته وشخصه محل احتقار كل المنظمات الحقوقية بالعالم.. تقارير هيومن رايتس وأخواتها، وتحقيقات نيويورك تايمز وأخواتها، وتسريبات مكملين وأخواتها.. فضايحنا بجلاجل.. قتل خارج القانون، واختفاءات قسرية بالمئات، وإعدامات دون أدلة، بالإضافة لبيع الأرض، والتنازل عن حقول الغاز، وتهريب الآثار للإمارات، وألف جريمة وجريمة. هذا ليس إحراجا، هذه "جرسة"، ركوب للحمار بالمقلوب على الطريقة المملوكية، فهل ركب السيسي على الحمار، أم ركب الحمار على ظهور كل المصريين وبال وتغوط و"دلدل" رجليه وبرك؟

لا شرعية ينتظرها السيسي منك أو من غيرك طالما أن هذا العالم البائس معه، ولا إحراج سيحرك العالم ضده ولا يحزنون. كل ما هنالك أنه على الشاطئ الآخر من هذه البقعة المنكوبة التي نعيش فيها؛ منظمات مجتمع مدني وقوانين ودساتير، ومنجز حقيقي استطاعت المجتمعات هناك أن تنتزعه من أنياب حكام لا يقلون حقارة ووضاعة عن السيسي، لها من القوة الناعمة ما "يحرج" أنظمتهم، لا أنظمتنا، ويجعل من التعامل مع نظام عسكري دموي مثل نظام السيسي "سبة"، ولذلك يضغطون لإنجاز "مشهد"..

كان من الممكن أن تكون المقاطعة حلا، لو كنّا قادرين فعلا على إنجاز مقاطعة حقيقية، ومنظمة، إلا أن تجربتنا مع المقاطعات الانتخابية تقول بأنه دائما ثمة "حمدين"، سواء انتخابات البرلمان قبل الثورة، أو انتخابات الرئاسة بعد الانقلاب.. هنا يصبح حل المقاطعة - على وجاهته - غير مناسب لتحقيق ما نريد من "إحراج"، وخصم من رصيد النظام في دوائر الخارج الفاعلة، بمستوى ما.

قد لا يكون "خالد" حلا نهائيا، لكنه محاولة في اتجاه آخر. ليس لدينا ما نخسره، توكيل في ربع ساعة، وتصويت في ربع آخر.. نصف ساعة، مسافة حجرين وفنجان قهوة. ما أكثر النصف ساعات التي تضيع في غير طائل.. رسالة للنظام والداعمين له بأن المصريين لم ينتهوا ولم يموتوا ولم ييئسوا، وأنهم يرفضون ما يُفعل بهم. محاولة لجمع الناس على أي شيء - يستحق أو لا يستحق - مجرد اجتماعهم قيمة، فرصة، تنفسية - على رأي عمك المليجي - يمكن!