قضايا وآراء

الأقباط.. والحقيقة المصرية

1300x600

"نحن الأقباط لا نشعر بأننا أقلية؛ لأنه ليس بيننا وبين إخوتنا المسلمين فرق عرقي، فكلنا أقباط، يجرى فينا دم واحد من أيام الفراعنة. ونحن بالفعل لا نشعر بشعور الأقلية البغيض الذي يعاني منه غيرنا. الأقباط دروهم تقلص في الحياة العامة بعد حركة الضباط في 1952.. لم يكونوا وحدهم، ما تم لهم كان جزءاً من التقلص الشامل في المشاركة العامة بمصر، فقد كانت هناك سلبية شاملة. نحن نرفض ما يسمى "المسيحية السياسية"؛ لأن السيد المسيح قال: مملكتي ليست بهذا العالم؟ ولو حدثت تلك المسيحية السياسية، تكون انتكاسة على المسيحيين. تقسيم مصر فكرة مستحيلة وغير مسيحية. ولو فكرنا في ذلك، فإن هذا يعنى أننا نجهز أنفسنا للإبادة.. إنها فكرة غبية صهيونية من أجل تفتيت مصر"..

 

أقباط مصر ليسوا أقلية، وما كانوا في يوم من الأيام، ولن يكونوا. فهم قطعة من ذات الوطن


هكذا تحدث حبيب الشباب "الأنبا موسى"، أو أسقف عام الشباب بالكنيسة القبطية الأرثوذكسية، والتلميذ النجيب في مدرسة الأب متى المسكين العظيمة. الأنبا موسى كان طبيبا قبل رسامته أسقفا عام 1978، وهو مولود بأسيوط عام 1938. في هكذا ظروف تحياها مصر وشعبها، بل ويحياها المشرق كله، يكون الحديث حول رجل بقيمة الأنبا موسى حديثا ترقى به العقول وتحيا به الآمال، كما يقولون: "أعلل النفس بالأمال أرقبها..".

نعم، أقباط مصر ليسوا أقلية، وما كانوا في يوم من الأيام، ولن يكونوا. فهم قطعة من ذات الوطن، وصدق الأنبا موسى في قوله: إننا كلنا أقباط يجرى فينا دم واحد من أيام الفراعنة.. صحيح انه حدثت هجرات كثيرة لمصر على مدار التاريخ، قبل الفتح العربي وبعده، ولكن يبقى الوعاء العرقي للمصريين واحدا. فحتى من لم يكن مصريا نقيا، فهو قد تمصر بالطباع والسلوك، بل وبالنسب والاختلاط. يحفظ تاريخ الحركة الوطنية في أروع صفحاته رفض المصريين جميعا لأن يكون أقباط مصر أقلية، ويذكر الرجل باحترام وإكبار أن المسيحيين لا يشعرون بشعور الأقلية البغيض الذي تعاني منه بعض الأقليات، لكن هذا لا يمنع من القول بأننا كمسلمين علينا أن نفتح صدرونا أكثر وأكثر لإخوتنا الأقباط، فهم العهد والذمة والمصير.

ذكر الرجل أن سبب ابتعاد المسيحيين عن الحياة العامة كان في سياق تلك السلبية العارمة التي انتشرت في مصر بعد ثورة 52، حيث الكآبة الثقيلة والملاحقات الأمنية الساحقة التي أعقبتها.. حركة يوليو لم تكتف بتأميم الأملاك فقط، ولكنها أممت مصر كلها لصالح البكباشي وأصحابه.

 

ابتعاد المسيحيين عن الحياة العامة كان في سياق تلك السلبية العارمة التي انتشرت في مصر بعد ثورة 52


ويرفض الرجل تعبير "المسيحية السياسية"؛ لأنها بالفعل تتناقض مع مفهوم الدين المسيحي "مملكتى ليست بهذا العالم"، كما قال السيد المسيح. ولعل هذا التعبير أخذ تجلياته البارزة وانتشر من أحاديث غبطة البابا الراحل شنودة الثالث، والذي كان سياسيا بالأساس والثقافة والطموح، على أننا نعتبر حالة غبطة البابا الراحل حالة استثنائية ضمن الاستثناء العام الذي عاشه الوطن وأهل الوطن. وأنا لا أريد أن يفهم من كلامي أنني أشير من طرف خفي إلى غبطة البابا الراحل شنودة الثالث بما لا يستحب، فأنا، وإن كنت قد اختلف معه في كثير من المواقف حول إدارة الشأن القبطي، والذي هو شأن وطني بامتياز، إلا أنني أذكر له كلماته الرائعة التي قالها في إحدى حواراته: "نتوق للعيش في ظل - لهم ما لنا وعليهم ما علينا - ليس عندنا في المسيحية ما في الإسلام من قوانين مفصلة، فكيف نرضى بالقوانين المجلوبة ولا نرضى بالإسلام؟".

حبيب الشباب له كلام معتبر وبالغ الأهمية عن تقسيم مصر (الذي تردد كثيرا على لسان برنارد لويس)، فوصفة بأنه فكرة صهيونية خالصة، والدولة الصهيونية لا تفتأ تذكر هذة الأمنية بإلحاح، على لسان خبرائها الاستراتيجيون، ولكن هيهات هيهات.. ليست مصر التي تقبل القسمة على اثنين.. مصر لم تكن يوما ولن تكون متنافرة الأعراق. من يستطيع أن يفرق بين المسلم والمسيحي في الحارة والشارع والقرية والنجع، سواء في الملبس أو في الملامح (السحنة) أو في الطباع أوالعادات والتقاليد؟ وارجعوا لكتاب "مصر الحديثة" الذي كتبه اللورد كرومر (1841-1917)، المندوب السامي البريطاني في مصر وقت الاحتلال، وطالعوا قدر اليأس الذي أصابه من تفريق هؤلاء الذين يمشون في الطرقات في سلام، يفعلون الخير ويعيشون شرفاء، ثم لا يلبث أحدهم أن يدخل مسجدا والآخر يدخل كنيسة. وأذكر هنا أن حركة المعلم يعقوب، وقت الحملة الفرنسية، لم تكن تعبر عن الأقباط، ورفضتها الكنيسة، شعبا وبطريركا (الأنبا مرقص الثامن) وقتها.

سيكون هاما هنا أن نذكر ما كتبه المفكر الراحل المستشار وليم سليمان قلادة (1924/1999م)، في بحث هام ضمن دراسة أعدها مركز الأهرام للترجمة والنشر في الثمانينيات، تحت عنوان (مصر في القرن 21). بحث المستشار قلادة كان بعنوان "الأقباط من الذمية إلى المواطنة"، والذي بدأه بتقديم رؤية عامة للتاريخ المصري من القرن الأول الميلادي حتى دخول الإسلام. فقبل الإسلام، كان المجتمع المصري مقسوما أفقيا بين حاكمين ومحكومين، ثم بعد دخول الإسلام، زاد على التقسيم الأفقى تقسيما رأسيا؛ يقوم على التعددية الدينية، وتداخل التقسيمان الديني والسياسي، في ما يعرف بالكيان المصري الذي تفاعلت فيه الجغرافيا مع التاريخ مع البشر، وحدث التعايش الوئامى بين أتباع مطلقين (حيث الإيمان يمثل المطلق الذي يستبعد الآخر)، ليس من دائرة وجوده، ولكن - وهذا هو الأهم - من دائرة إيمانه. وهكذا، حدث ما يمكن تسميته بـ"الحياة المشتركة" التي تستند إلى القيم الواحدة والمصير الواحد. وعلى هذه المقومات والأسس، تشكلت حركة المجتمع المصري عبر التاريخ - كما يوضح المستشار الراحل - فقد أخذ التقسيم السياسي يستوعب التقسيم الديني. وبتأثير الحركة العامة للجماعة الوطنية، تجاوز المسلمون والأقباط هذا التقسيم، وانطلقوا معا إلى ما يمكن تسميته "فقه المواطنة"، وبدأ المحكومون، مسلمين وأقباطا، حركة مشتركة لاختراق حاجز السلطة، والجلوس على كراسي الحكم.

وهكذا، أتى الاختراق المشترك لحاجز السلطة كواقعة تاريخية تكتمل بها "الحقيقة المصرية"، وتعبر بدقة عن مقومات الكيان المصري.. وهكذا دخل المسلمون والمسيحيون معا مجال المواطنة والحكم والسياسة. ويستكمل المستشارقلادة: ثم تأتى لحظة الحق في تاريخ مصر الحديث، حيث صدر دستور 1923؛ مستوعبا ما سبقه من دستورين صدرا في عهد إسماعيل وتوفيق، مقررا بصفة حاسمة؛ مبدأ المواطنة أساسا للحياة السياسية والدستورية، سواء على مستوى المشاركة أو المساواة، وسادت مصر ما يمكن تسميته بالأخلاق الدستورية.

 

أن تقوم فئة مريبة اسمها "التضامن القبطي" بالتعاون مع شخصيات أكثر ريبة في الكونجرس الأمريكي لإصدار قانون "حماية الأقباط" في مصر، فيكون ذلك هو التاريخ في أقذر أكاذيبه


هذه هي الخلفية العامة التي تحركت فيها الجماعة الوطنية في مصر عبر التاريخ، وهذا هو التاريخ في أصدق مقولاته، أما أن تقوم فئة مريبة اسمها "التضامن القبطي" بالتعاون مع شخصيات أكثر ريبة في الكونجرس الأمريكي لإصدار قانون "حماية الأقباط" في مصر، فيكون ذلك هو التاريخ في أقذر أكاذيبه.

لست قلقا على الحياة المشتركة بيننا (مسلمين وأقباطا) في ربوع الحبيبة مصر، قلقي من الأهواء الشخصية للبعض وضيق أفق البعض الآخر.