قضايا وآراء

صفقة القرن .. دولة كردية مقابل كيان هزيل للفلسطينيين

1300x600
يبدو المشهد السياسي الإقليمي معقدا ومتداخلا، العداوات تتغير وتتبدل والتحالفات تتلون بألوان مختلفة، كل هذه المشاهد قد تبدو غريبة، غير متناسقة لا بل تبدو أحيانا متناقضة ومتضاربة، لكن ينبغي أن نذهب إلى ما وراء العالم المشاهد، لنكتشف أسرار وخفايا هذا المشهد السريالي المعقد.

كيف التقت حماس (الإخوان المسلمين) مع النظام المصري الذي قتل الآلاف من الإخوان المصريين، ولازال يحتجز عشرات الآلاف منهم خلف قضبان السجون، كيف أصبح النظام المصري الذي اتهم الدكتور محمد مرسي الرئيس السابق بتهمة التخابر مع حماس فجأة نظاما حريصا على إنجاز المصالحة التاريخية بين حماس و سلطة رام الله، وكيف أصبح حريصا على تقديم بعض التسهيلات لغزة تحت حكم حماس وهو الذي اختطف خمسة شبان من شباب غزة أربعة منهم على الأقل هم عناصر من حماس؟

وكيف قبلت سلطة رام الله بالوساطة المصرية وخنعت لها، وتنازلت عن كثير من مطالبها؟

وكيف وقفت إسرائيل متفرجة، فقط تكتفي بإطلاق التصريحات الرافضة والمشككة بالمصالحة والمتوجسة منها؟

وكيف التزمت أمريكا الصمت تجاه المصالحة؟

كيف دعمت الإمارات والسعودية ومصر جهود المصالحة، وهي التي صرحت على الملأ بأن حماس جسم إرهابي، لا بل جعلوا دعم حماس سببا رئيسيا لحصار و مقاطعة قطر؟

كل هذه الأسئلة تبدو من غير الممكن إيجاد أجوبة مقنعة و منطقية بدون أن ننتقل للبحث خارج الحدود.

وإذا أنعمنا النظر فيما يدور في الإقليم وتعمقنا في البحث خلف الأحداث، حينها فقط يمكننا الإجابة، وفك رموز الشيفرة لمؤامرة كبيرة تحاك هناك من وراء البحار.

اليوم المشهد الإقليمي يسير على النحو التالي.. يتم تبلور إنشاء دولة للأكراد في شمال العراق … 
اليوم يتم تمزيق سوريا أيضا بأيدي نظام مجرم تنفيذا لأجندة دول الاستكبار والاستعمار وهو يصرخ طوال الوقت سوريا تتعرض لمؤامرة كونية، وهو كلام صحيح لكن لم يقل إن النظام نفسه هو من ينفذها بحذافيرها.

اليوم كل المنطقة على شفا اندلاع حروب بينية و داخلية، فمن يا ترى المستفيد الأكبر، ومن يقف خلف هذا المخطط الجهنمي الخطير؟

لكي لا نتهم بأننا نلقي التهم جزافا لابد لنا من ربط خيوط المؤامرة جيدا. 

إذا علمنا أن أمريكا منذ بداية الثورة السورية قامت بتقديم الدعم اللوجستي والفني للمليشيات الكردية في سوريا المسماة قوات سوريا الديمقراطية. واستمرت بهذا الجهد والذي أدى إلى سيطرتهم على مناطق واسعة في شمال سوريا وتحت أعين قوات النظام السوري الذي تحالف معهم منذ بدايات الثورة … فما الذي دفع أمريكا لذلك يا ترى؟

وإذا علمنا أن أمريكا فرضت على العراق مناطق آمنة للأكراد في الشمال منذ معركة  عاصفة الصحراء (تحرير الكويت) في عام 1990، وكذلك في مناطق الشيعة في الجنوب، واستمر هذا الحال مع فرض منطقة حظر جوي فوق مناطق الأكراد، كل ذلك تمهيدا لإنشاء كيان مستقل لهم في المستقبل، وها هم الأكراد بزعامة مسعود البرزاني يجرون استفتاء ويصرحون بعزمهم إعلان الاستقلال وقيام دولة الأكراد!!

طبعا لا يخفي على أي سياسي عاقل مخاطر هذه الخطوة، فستكون مدخلا لإعلان أكراد تركيا وإيران وسوريا قيام دولة أو دويلات كردية مما سيؤدي إلى نشوب حروب ومعارك في مناطق متفرقة، و مما سيدخل المنطقة في دوامة عنف وإرهاب جديد، لذلك اتخذت كل من تركيا وإيران مواقف متشددة تجاه هذه الخطوة الكردية.

إذاً المشهد هو كالتالي، هناك مخطط لتفكيك العراق الضعيف على طريقة المشهد السوري، ومحاولة إدخال كل من تركيا وإيران في صراعات داخلية، مما سيوقف خطى التنمية المتلاحقة وعلى كل الصعد، وأما إيران وهي أقل تضررا من جارتها تركيا في هذه الحالة لكون الكتلة الكردية في إيران أقل بكثير مما هو الحال في تركيا، ففي حين يبلغ عدد الأكراد في تركيا حوالي خمسة عشر مليون نسمة فإن عددهم في إيران حوالي خمسة ملايين نسمة. 

وهكذا ستكون تركيا هي المستهدفة بشكل رئيس في هذه المؤامرة، إذاً كيف يمكن لأمريكا وإسرائيل أن تنفذا مخططهما لتفتيت المنطقة وإبعاد شبح أي خطر على وجودها المستقبلي وإضعاف وتفتيت كل القوى والدول المحيطة بها، إلا من خلال مخطط معقد متعدد الأبعاد والأهداف.

لذلك فكرت أمريكا في إيجاد مبررات لخطواتها، وكذلك تحاول تجميل هذه الخطوة، كي تتجنب النقد الشديد المتوقع، ولذلك كان لا بد لهم من العمل على تهدئة الجبهة الفلسطينية وتخدير الجمهور العربي بتسوية مذلة ومهينة وهو ما يتم تداوله عن صفقة القرن، حيث سيتم التمهيد لقيام دولة فلسطينية هزيلة مع تبادل للأراضي على حساب مصر من خلال زيادة مساحة قطاع غزة في سيناء، وتتنازل السلطة عن مناطق واسعة في الضفة الغربية، وستكون دولة هلامية هزيلة وشكلية فاقدة للسيادة على أجوائها وبحرها.

وفي الحقيقة صفقة القرن هي تمزيق المنطقة وإشعال نيران الفتن والحروب العرقية والمذهبية في المنطقة بدون استثناء ولعل المنطقة السنية هي المستهدفة بشكل رئيس لأنها تمثل الخطر المستقبلي الحقيقي على الكيان الصهيوني، والمنافس المستقبلي الأهم للغرب على مستوى السياسة الدولية.

 وستدفع دولا من الخليج أيضا ثمن انسياقها في هذا المؤامرة عن علم أو بجهل منها وليس كما يتصورون من أن هذه النار ستشتعل في تركيا وإيران فقط.

 كل ذلك كي تستطيع أمريكا تمرير مخططها ومؤامرتها لقيام كيان كردي مستقل، والذي كان سيكون مثيرا للجدل أمام المجتمع الدولي وسيكون مثارا للانتقاد من الجماهير العربية والإسلامية ومثيرا للغضب.

وسوف تواجه أمريكا انتقادات واسعة في المنطقة على الصعيد الرسمي والشعبي على خلفية مواقفها الهزيلة لا بل المنحازة بقوة لإسرائيل تجاه قيام دولة فلسطينية للشعب الفلسطيني الذي يعاني من الاحتلال منذ سبعين عاما، في حين تدعم قيام دولة الأكراد بهذه السرعة لا بل تمدهم بالسلاح والخبراء والغطاء الجوي.

لذلك شرعت في هذه التسوية لذر الرماد في العيون، ولذلك أوعزت لحلفائها وعمالها في الخليج ومصر للمساهمة في إنجاح هذه المهمة الصعبة، وبسكوت إسرائيلي للتمهيد لهذا الأمر من خلال إنجاز المصالحة بين فتح وحماس والسماح لوفد فتح الكبير الذي بلغ حوالي ثلاثمائة شخص بالدخول لغزة والعودة منها دونما معوقات.

إنه التاريخ يعيد نفسه من جديد بطرق ملتوية، فهذه أمريكا تعيد صياغة مؤامرتها على العراق عام 1990 بتغيير بعض الأطراف والعناصر، فإذا رجعنا في التاريخ قليلا للوراء لعام 1991 سنجد كيف أن أمريكا شرعت بالدعوة لمؤتمر مدريد للسلام لتخدير مشاعر العرب والمسلمين الغاضبين من حربها على العراق، لتمرر حربها المدمرة على العراق وبمؤازرة قوات عربية وإسلامية وغربية… إنها إعادة تكرار للمشهد ذاته لكن مع بعض التعديلات في الديكور.

أخيرا لا بد من التأكيد على مبدأ مهم في السياسة الخارجية الأمريكية والتي تقوم على إضعاف وإنهاء كل المحاور التي تشكل تهديدا لمصالحها في مختلف أنحاء العالم، ولا أدل على ذلك من موقف أمريكا بقيادة ترامب من خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي حيث شجعها، لفتح باب إنهاء هذا الاتحاد الذي يشكل منافسا قويا لنفوذ أمريكا الاقتصادي وتهديدا لسيطرة الدولار، وسنسمع قريبا عن مواقف مؤيدة لاستقلال إقليم كاتالونيا عن إسبانيا، هذه هي خطوط السياسة الأمريكية، فهل تنجح أمريكا في ذلك أم يمكن تجاوز هذه المحنة؟ وما هو الثمن الذي ستدفعه المنطقة بأسرها؟ كل ذلك ستجيب عنه قادم الأيام.