كتاب عربي 21

هذه مواطن الخلاف.. أما البقية فهي لغو أو تفاصيل

1300x600
لم أتوقع أن يثير مقالي الأخير تحت عنوان "تركيا والتدين المتوحش" ردود فعل عنيفة لدى بعض القراء، ما دفع بأحد معارفي إلى مهاتفتي ليطرح علي السؤال التالي، قبل أن يقرأ المقال، " هل حقا طالبت بالقضاء على التدين في تركيا؟".
 
استغربت من السؤال، ولكني أجبته وهو يعلم بأني متدين منذ حوالي خمسين عاما "هل تصدق مثل هذا القول؟ ومن هو العاقل الذي يمكن أن يدعو إلى ذلك؟". 

فأنا شخصيا من عشاق التدين على الطريقة التركية، نظرا لما يحمله من بصمة صوفية عميقة نسبيا. 

بل إن أحدهم اعتبر أن موقفي غير مستغرب، لأنه صادر عن "يساري متطرف، لا يعرف من الفلسفة إلا ماركس". 

ولا أريد في هذا المقام أن أتوقف عند من أسف في القول، ونزل بالحوار إلى درجة انعدام أدب الخلاف.

أعدت قراءة المقال، وأدركت أن الذين اعترضوا على ما كتبت لا تخرج مواقفهم عن أحد احتمالين:

- لم يفهم هؤلاء ما كتبت، رغم أنه قد صيغ بلغة عربية مفهومة. فالنص لم يتضمن حتى مجرد الإشارة الخفية لما قد يفهم منه موقف معاد للدين أو التدين في مفهومه العام.

ولو كان ذلك هو القصد من الكتابة، لكنت صريحا لكوني لست ممن يخشى توجيه رسائل مضمونة الوصول. 

وكل من يخاف من إعلان مواقفه بصراحة وجرأة أمام الرأي العام لا يحق له أن يمسك بالقلم، ويواجه أبناء شعبه وأمته. فالكتابة موقف ومسؤولية، أو لا تكون.

- أما الاحتمال الثاني، فهو أن يكون هؤلاء المعترضون قد فهموا المعنى من المقال، لكنهم يختلفون مع صاحبه، دون إبداء الرغبة الجادة في مناقشته بهدوء، وأدب وحجة.

وأقدر بأن هذا التفسير هو الأقرب للواقع.

نعم، نختلف حول ثلاث مسائل جوهرية:

أولها الخلط بين الدين والتدين. ولهذا كلما تم انتقاد بعض أنماط التدين، هب البعض لإعلان الحرب على المنتقدين، ظنا منهم بأن المستهدف هو الدين. 

وكم سالت دماء وانتهكت حقوق بسبب ذلك. في حين أن التدين حق من حقوق الإنسان، ولكنها تبقى ممارسة بشرية خالصة، تتأثر بالسياق التاريخي والاجتماعي، وبالحالة النفسية والثقافية للأفراد وحتى الجماعات. 

فكل نمط من التدين هو وليد بيئته التي أفرزته وأثرت فيه ووجهته. 

التدين تقليد إلى حد كبير، وإن حافظ في الغالب على الطقوس الرئيسة للدين، خاصة في جوانبه التعبدية. 

التدين مثله مثل الفقه، يتفاعل مع ثلاثية الزمان والمكان وسقف المعرفة الإنسانية خلال لحظة التفكر، ومحاولة معالجة الحادثة التي طرحها الواقع المعاش.

تتعلق المسألة الثانية بالفضاء العام، لأن هؤلاء ينزعون في فهمهم للمجتمع نحو امتلاك هذا الفضاء والسيطرة عليه، بالتالي إقصاء الآخرين منه، انطلاقا من اعتقادهم بأنه يجب أن يخضع لما فهموه من الدين والعقيدة. 

وهذه مسألة تاريخية وفلسفية تحتاج إلى إفاضة في الحديث وتوسع في الشرح.

الفضاء العام هو المجال المشترك بين أفراد المجتمع والمتساكنين داخل المدينة. 

وهو من هذه الزاوية يفترض فيه أن يشكل مجالا يستطيع الجميع أن يتعايشوا داخله رغم اختلافاتهم وتعارض مصالحهم، وتباين مواقعهم الاجتماعية والسياسية. 

ولهذا، سيكون من الخطأ والخطر أن تتولى مجموعة ما القيام بمصادرة هذا الفضاء، وأن تقوم بإخضاعه لمنظومة أيديولوجية قامت ببنائها وفق قناعاتها، دون الأخذ بعين الاعتبار التنوع القائم في المجتمع الواحد. 

ولهذا تتولى الدساتير الديمقراطية وضع أسس لحماية هذا الفضاء العام، وبما أن الدساتير الديمقراطية لا تحتكر وضعها جماعة دون أخرى، وإنما يشترك في مناقشتها والمصادقة عليها جميع ممثلي الشعب، فإن هذا ما يجعل الفضاء العام يخضع لمقاييس تستند على التوافق، وليس على مبدأ الفرض أو موازين القوى.

المسألة الثالثة والأخيرة تتعلق بالحريات الفردية، وهذه مسألة جوهرية لا يزال الفكر الإسلامي السياسي مترددا في معالجتها.

ويعود ذلك إلى أسباب عدة، من بينها اهتزاز موقع الفرد داخل المجتمع الإسلامي.

فالأمة والجماعة مقدمتان دائما على الفرد في تجربتنا التاريخية، وذلك على الرغم من أن الإسلام يتضمن العديد من المبادئ والإشارات التي تبرز أن للفرد حرمة، وأن له حقوقا لا يجوز الاعتداء عليها أو سحبها منه إلا في حالات استثنائية ومشروطة. 

تأخرت كثيرا مسألة حماية الحريات الفردية في المجتمعات العربية والإسلامية، ما يحتم خوض معارك ديمقراطية جدية في سبيل ترسيخها عبر المؤسسات وفي الحياة اليومية. 

وهذه فريضة يجب التصدي لكل من يشكك فيها أو يحاول أن يفرغها من محتوياتها والإطاحة بها تشريعا أو ممارسة. 

في ضوء هذه التباينات، يمكن أن نؤسس لحوار جدي وبناء بعيدا عن الثلب وبذاءة اللسان، والتشكيك في النوايا.. فذلك أسلوب من لا حجة له.