مقالات مختارة

عن فوبيا سقوط الدولة

1300x600
إن المصريين، مثلهم مثل أي شعب من شعوب العالم، يودون أن يعيشوا في بلد آمن في دولة حديثة تؤمن بالمدنية والديمقراطية، لا أن تكون حياتهم قائمة على التخويف؛ لأن المصريين في الأساس يعيشون في شظف العيش والرعب مما يحدث حولهم يوميا، وليسوا في حاجة للمزيد من الرعب والخوف.

فبداية أود أن أنوه بأن الفوبيا هي مرض نفسي يحتاج إلى العلاج، وهو الخوف الزائد أو المبالغ فيه من أشياء بعينها، والذي يصاب الإنسان به، سواء بالوراثة أحيانا أو من خلال مواقف في الحياة وخبرات معينة رسخت في وجدانه.. هذا الخوف وبتضخمه يصبح إحساسه بالفوبيا من شيء معين. فأخطر ما يضر الشعب هو الإحساس بالخوف دائما فلا يستطيع أن يعبر عن رأيه أو يتململ؛ لأن الشعور بأن كل خطوة محسوبة عليه ومراقبة يؤدي إلى مواطن يأكل وينام فقط، أما مشاعره فليس لها قيمة، صوته ليس له قيمة، رأيه ليس له قيمة!! فهل هذا هو هدف النظام في هذه المرحلة؟!! 

فكرة فوبيا سقوط الدولة هي في أصلها أن يصبح المواطنون مرضى بالفوبيا، هم سيصبحون مرضى بالطبع حتى لو كانت الفوبيا من فكرة إسقاط الدولة، ففي الأول وفي الآخر هو مرض اسمه «فوبيا» وهو أن يتحول المواطن من مواطن عادي سوى إلى مواطن مريض نفسيا لديه خوف ورعب من فكرة غياب أو سقوط الدولة مثل حالات غياب الأمن وغياب القانون، وأن يطلب من الإعلام أن يكون أداة تعمل ليلا ونهارا لتخويف الناس وتشويه الأخبار وتبني أي أفكار تشيع الخوف بشكل متكرر في جميع برامج الفضائيات، كأننا نعيش في عصر الببغاوات حتى يشعر الناس بأن هذه هي الفكرة التي يجب أن يعتنقها. فحتى يمرض الشعب بهذه الفوبيا ويقبل بأي شيء سواء كان مهينا أو غير آدمي لمجرد أنه أصبح مريضا بالفوبيا فهذا جرم في حق الشعب ولا يصنف أبدا بعمل بطولي يُجنّد الإعلام من أجل تعميمه. 

ويبقى هنا السؤال هل المجتمع الواقع تحت سيطرة الخوف المرضى هو مجتمع ناضج واع عاقل يمكن الاعتماد عليه؟ أم مجتمع ضعيف مريض واقع تحت سيطرة الأوهام حتى أصبح لا حول له ولا قوه. هل هذا يبني المجتمع الذي حلمنا به من بعد ثورة 25 يناير التي كانت بؤرة ضوء كان يمكن من خلالها أن نبني الدولة التي نصبو إليها؟ 

هذا كان توضيحا لابد أن نذكره أولا وبعده سأحاول أن أحسن الظن وأعتبر أن خانة التعبير في لفظ «فوبيا» والمراد هو الحفاظ على الدولة وتثبيت وتوطيد أركانها ضد من يفكر أن يعبث بها أو يحاول إسقاطها. وهذا كلام بالتأكيد محمود ومقبول ولكن كيف يقال هذا؟ وكيف ينفذ؟ 

***

الحفاظ على الدولة ليس فقط بالحديث دوما وأبدا عن أهل الشر!! ونريد أن نحدد فعلا من المقصود بأهل الشر!! هل هم كل من يعترض أو يختلف على ما يحدث الآن في مصر؟ فنريد أن نعرف من هم أهل الشر بالتحديد؟ لأن هذا الكلام المرسل لا يفيد بل ضرورة أكثر بكثير. الحفاظ على الدولة ليس فقط بمراجعة التهديدات والأخطار الخارجية والمؤامرات الدولية، إنما أيضا بمواجهة الفشل الداخلي المتراكم سواء كان من سوء الأداء والجهل به أو من انعدام الكفاءة وغياب المحاسبة وتفشي الفساد وتعيين أهل الثقة بدلا من أهل الخبرة والدليل على ذلك ما حدث أخيرا من تعيين رئيس جامعة القاهرة الجديد. 

الحفاظ على الدولة لا يكون أبدا بدوام الفشل في مواجهة الأزمات، ففي الكثير من الأحيان يكون الهدف نبيلا في حل بعض الأزمات ولكن الطريقة أو الوسيلة التي تحل بها المشكلة هي طريقة فاشلة وإجراءات خاطئة تتخذ من قبل النظام تؤدي إلى تفاقم المشكلة لا حلها ولكم في أزمة جزيرة الوراق الأخيرة مثال. 

السقوط لا يصيب الدول الناجحة الناجزة سواء اقتصاديا أو اجتماعيا أو سياسيا، السقوط يصيب الدولة الاستبدادية الفاشلة فقط لا غير. 

للتذكرة.. الموضوع مهم جدا ونكرر للمرة الثانية أن وظيفة الإعلام هي نقل الحدث بشفافية ومصداقية، لا بث الخوف والمرض في نفوس الشعوب. 

وظيفة الحكام في العالم كله بث روح الأمن والأمان بين الشعوب وتحقيق العدالة بين الناس لا بتحريض أدوات الدولة كالإعلام وتوظيفها من أجل أن يمرض الشعوب بالفوبيا والخوف الزائد من أي شيء في الحياة. على الرغم من أن الشعوب يعيشون هذه الحالة من الخوف في كل لحظة فبدلا من أن نعالج خوفهم وأن ننشر في صفوفهم الأمل في حياة أفضل نعمل على رفع شعار «من أجل مزيد من الخوف في نفوس الشعوب «فهذا بالتأكيد عبث!!».

***

سنحافظ على مصر من السقوط إذا تحولت إلى دولة قانون وعدالة ومساواة على الكل، إذا أنعم الله عليها بالذكاء والخبرة على صعيدي إقامة المشاريع القومية التي تسعى لتحقيق التنمية الحقيقية أو صعيد مواجهة الأزمات. 

سنحافظ على مصر من السقوط إذا طبقنا الدستور بكامل مواده من أكبر رأس في الدولة لأصغر رأس دون أي استثناءات. وهذه قضية محورية في سبيل الاستقرار وتطبيق القانون في أعلى سلطة تشريعية.. وأعتقد أن قضية د. عمرو الشوبكي ستظل نقطة سوداء في تاريخ هذا البرلمان وتاريخ السلطة التشريعية وتاريخ تطبيق القانون بالمزاج والمحسوبية. 

سنحافظ على مصر من السقوط بإعلام حر خارج عن سيطرة النظام الحاكم يعمل في إطار القانون والدستور والقواعد المهنية دون توجهات مرضية وإعطاء مسئولية الإعلام لمهنيين محترفين ليس لهواة سطحيين وليس لديهم خبرة في الحياة السياسية والاقتصادية، وتتمحور مهمتهم في السب والقذف والتشويه والتخوين فهذا ليس إعلاما.. هذا فجور إعلامي. 

سنحافظ على مصر عندما يحيا مواطنوها حياة كريمة عادلة لا أن يكونوا تحت مستوى الفقر. 
ستثبت الدولة في مصر تلقائيا عندما يشعر الشعب بالانتماء الحقيقي لهذه البلد بالحب والولاء لهذا الوطن والإدراك الكامل لعظمته، لا عندما يغترب عن الوطن بفوبيا تذهب عقله وتقتل وعيه وإدراكه. 

هل من أصوات رشيدة وخبراء يضعون لمصر صيغة تعطي الناس الأمل بدلا من التخويف!!

الشروق المصرية