كتاب عربي 21

قراءة في بيان حصار قطر

1300x600
بعد اجتماع دول الحصار الأربع في القاهرة بالأمس، خرج إلى النور بيان المحاصرين ليصف الردود القطرية بأنها سلبية، وأنها خالية من المضمون، حسب تعبير المؤتمر الصحفي الذي عقد في الغرض. 

وزراء خارجية الحصار الأربع وصلوا إلى حدود دعوة المجتمع الدولي إلى أخذ موقف من دعم قطر للإرهاب والاستغراب من وقوفه هذا الموقف منها. 

أما المبادئ الست التي أكد عليها المحاصرون، فإنها تدور في فكرة واحدة يتيمة وهي دفع الإرهاب عن دول الحصار ومحاولة إلصاقه بدولة قطر.

لم يكن المؤتمر في الحقيقة مخيبا لآمال الجمهور العريض الواسع من المراقبين العرب والأجانب، وذلك لثلاثة أسباب أساسية:

أولا: إدراك كل المراقبين تقريبا أن القرار الحقيقي بالنسبة للحصار إنما يقع خارج دول الحصار نفسها بل وخارج منطقة الخليج برمتها. فقرار الحصار كان قرارا أمريكيا خالصا حسب تصريحات الرئيس الأمريكي نفسه، ولو كان ذلك بالتزكية في أقل الاحتمالات. 

ثانيا: غياب حجج حقيقية تدين قطر وتثبت جملة الاتهامات التي وضعت ضدها منذ الخامس من الشهر الماضي. هذا السبب هو الذي يقف وراء وعي الشارع العربي بأن الأمر لا يغدو أن يكون مكيدة تهدف إلى عزل قطر وفرض الوصاية عليها ومصادرة سيادتها. 

ثالثا: مكان المؤتمر. فقد عقد في مصر الانقلاب التي تعتبر عدو قطر اللدود لأنها الدولة العربية الوحيدة التي رفضت الاعتراف بمخرجات الانقلاب، ورفضت تزكية المذابح التي ارتكبها نظام العسكر هناك.

مثلت هذه الأسباب الثلاثة إطارا يسمح بالحكم الأولي على بيان دول الحصار دون النظر إلى مضمون المعطيات التي تضمنها البيان الصادر عن وزراء الخارجية الثلاثة. 

أي أن السياق السابق للمؤتمر ينبئ قبليا بأنه لن يأتي بجديد على الإطلاق لا من ناحية المعطيات ولا من ناحية القرارات الختامية، وهو بذلك لا يخرج عن البيانات الباهتة التي تصدرها الجامعة العربية من حين لآخر ومن سنة لأخرى.

أما مضامين المؤتمر، فلم تخرج كما أشرنا عن إعادة نفس الاتهامات السابقة التي ما فتئ يكررها وزير الخارجية السعودي في أغلب ندواته الصحفية، وهي تدور أساسا حول دعم قطر للإرهاب والتدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى والتحريض على الكراهية، وغيرها من التهم التي لا تبتعد عن هذا الإطار العام. وهي تهم خطيرة جدا، لكنها رغم خطورتها لا تستطيع الإجابة عن الاستفهامات  التالية:

لقد ربط خطاب دول الحصار دائما بين دعم قطر للإرهاب من ناحية وبين رفض الدوحة الانقلاب على الإخوان المسلمين من ناحية أخرى. فدولة قطر لم تدعم الإخوان المسلمين بشكل حصري بل تعاملت مع محمد مرسي الرئيس المصري الشرعي لأنه وصل إلى سدة الحكم عن طريق الانتخابات لا على ظهر الدبابة. ثم آوت قطر الهاربين من جماعة الإخوان المسلمين كما آوت غيرهم من المعارضين السياسيين من أطياف سياسية يسارية ولبرالية وقومية وغيرها. 

لكن حتى لو افترضنا جدلا أن دولة قطر دعمت الإخوان المسلمين فهل في ذلك جرم يعاقب عليه القانون الدولي؟ من يستطيع تصنيف الإخوان تنظيما إرهابيا باستثناء النظام الانقلابي العربي وحلفائه؟ 

الولايات المتحدة نفسها لم تجرؤ على تصنيف الإخوان تنظيما إرهابيا لأنهم أصبحوا في دول عربية كثيرة مثل المغرب وتونس جزءا من النظام السياسي الحاكم. ومن ناحية أخرى لم يثبت بالدليل تورط الجماعة في عمليات إرهابية لا في الداخل العربي ولا في خارجه بل إن أفراد الجماعة كانوا دائما ضحايا النظام الإرهابي الاستبدادي العربي مثلما تشهد على ذلك مجزرة رابعة البشعة التي باركتها دول الحصار وأثنت عليها وموّلت القائمين بها. 

لكن من ناحية أخرى أسئلة كثيرة تطرح فعلا حول تمويل الجماعات الجهادية المقاتلة منذ الحرب السوفياتية الأفغانية. ألم يكن دعم المجاهدين الأفغان أو ما يسمى بالأفغان العرب سعوديا بدرجة أولى قبل أن يتحول هؤلاء إلى تنظيمات أخرى مثل تنظيم القاعدة المسؤول الأساسي عن هجمات الحادي عشر من سبتمبر؟ 

كيف يمكن أن تتهم دولُ الحصار دولةَ قطر بالتدخل في شؤون الدول الأخرى في حين أنها هي التي دعمت كل الفوضى في منطقة الربيع العربي اليوم وبالأمس القريب. 

ألم يدعم النظام السعودي الانقلاب الدامي في مصر وكذا فعلت دولة الإمارات؟ ألم تدعم دولة الإمارات محاولة الانقلاب في تونس ومولت اعتصام الرحيل "بباردو" في نفس الصائفة التي أسقط فيها نظام محمد مرسي في مصر؟ ألم تدعم دولة الإمارات الجنرال الانقلابي في ليبيا عن طريق الجيش الانقلابي في مصر؟ 

أما خطاب الكراهية وبث الفتنة، فإنه يقصد به رأسا قناة الجزيرة التي لا تزال تمثل كابوسا حقيقيا للنظام الاستبدادي الذي لم يتعود على الرأي المخالف وعلى هامش حرية التعبير التي سمحت بها قناة الجزيرة، واستحقت عن جدارة وصف "رائدة الإعلام الحر في العالم العربي".

بناء على ما سبق، يمكن القول إن حصار قطر ليس في الحقيقة إلا محاولة يائسة من النظام القمعي العربي وممثليه من أجل استعادة المجال الذي كان له قبل اندلاع ثورات الربيع في تونس. 

نعم يمكن للفعل القمعي العربي استعادة مجاله القديم وبشروط محسنة، لكنه لن يستطيع أبدا أن يصادر الوعي الذي أنشأه هذا الربيع وهو الوعي الذي سيقود عجلة التغيير القادمة لا محالة من أجل تحرير الإنسان من عبودية الإنسان.