قضايا وآراء

الحالة الإسرائيلية: عن إطفاء الحرائق وعن إشعال التحريض

عبد الحكيم مفيد
1300x600
1300x600
هذه المرة، وعلى الرغم من التحريض المنفلت الذي أطلقه "بنيامين نتنياهو" ووزراؤه، كالعادة، بحق العرب، بعد الحرائق التي اجتاحت البلاد في أماكن متفرقة ومتباعدة.. هذه المرة كان هناك من التفت حتى داخل الإعلام الإسرائيلي الناقل والمشارك الأساسي في عمليات التحريض، إلى أن هناك من فقد البوصلة، وتعجل للغاية في إطلاق التهم تجاه العرب.

لم يكن هذا نابعا من شفقة يحملها هؤلاء تجاه العرب، ولا يجرؤ أحد أصلا أن يبدي موقفا من هذا النوع، لدى مجتمع حاز العرب فيه على أقل درجة "شعبية" بين الإسرائيليين وصلت إلى 23 في المئة، فيما حصل الجيش الإسرائيلي على أعلى درجات التأييد والشعبية ووصلت إلى 80 في المئة.

يجيد "بنيامين نتنياهو" استعمال الإعلام أكثر من أي شخصية إسرائيلية أخرى، فعدا عن أنه يمتاز بكاريزيما عالية، فإنه ولد في شاشة التلفزيون، ويعرف تفاصيله، قوته وضعفه، أي التلفزيون.

كان مبتذلا للغاية من وجهة نظر بعض الإسرائيليين أن يتم التعامل مع الحرائق التي اجتاحت البلاد على النحو الذي تعامل به "نتنياهو" ووزراؤه. وكانت ردة فعل العرب الأولية للتجنيد بتقديم المساعدة واستقبال أصحاب البيوت المتضررة؛ قد أحدثت شرخا وتصدعا في الجبهة الإعلامية. اختارت السياسة الإسرائيلية التصرف على نحوين، التحريض العلني أو الصمت عنه، فليس هناك من يجرؤ على اتخاذ موقف ثالث مثل الدفاع عن العرب، إلا بعض الأصوات النادرة في الإعلام الإسرائيلي.

كانت الرصاصة الأولى التي أطلقها "نتنياهو"، وزاد من تسارعها الإعلام الإسرائيلي، عبر إطلاق مصطلحات مثيرة وعلى "قد المقام"، مثل "انتفاضة الحرائق" و"إرهاب الحرائق"، وكانت التصريحات والعبارات كافية لإشعال الرأي العام في اللحظات الأولى بـ"إرهاب العرب"، الإسرائيليين منهم بشكل خاص، ولأن الإعلام عادة يشغل الناس في اللحظة الأولى، فلا تصبح أي أهمية لما يقال بعد ذلك، لقد تحقق الهدف، الآن لا يهم ما يقال.

من جهة أخرى، لم يقصد "نتنياهو" إطلاق لعبة تسالي، ولا إشغال الناس بلعبة في أوقات فراغهم، فهو واع لما يقول ويفعل، وإذا كان المنطق يؤكد أنه ليس من المعقول في غضون ساعات قليلة "القبض" على الجناة، وإذا كان من المنطق أكثر أن لا يتم اتهام أحد قبل إنهاء التحقيق بشكل نهائي، وهي مسألة تحتاج إلى أيام، فإن المنطق يقود إلى أسباب أخرى كانت وراء دوافع التحريض المنفلتة تجاه العرب، إما إخفاء أمور أخرى تتعلق بالحرائق، مثل العجز في السيطرة عليها لوجيستيا، فتكون مسألة اتهام العرب والتحريض عليهم أسهل وأقصر الطرق للهروب من مسؤوليات أخرى، وإما أن تكون المسألة تحولت إلى مركب ثابت في الخطاب الإسرائيلي السياسي، الذي يقوده "نتنياهو" واليمين في السنوات الأخيرة، بشكل خاص بعد الانتخابات الأخيرة الكنيست عندما تحدث عن العرب قائلا إنهم "يهرولون إلى الصناديق".

من جهة أخرى، من الضروري للغاية فهم الواقع السياسي الإسرائيلي لفهم اتجاهاته المستقبلية. السياسة في النهاية هي قراءة واقع ومحاولة استقراء.

لا يحبذ عزل "نتنياهو" وحلفائه عن مجمل السياسة الإسرائيلية، فالاستمرار بالاحتجاج بهم كسبب أساسي ومركزي بل ووحيد للسياسات الإسرائيلية عامة هي خاطئة أولا ومضللة ثانيا، رغم أنه من الصحي تبيان توجه ورؤية المجموعات السياسية والدينية الإسرائيلية المختلفة، بدون إخفاء أي شيء.

الصمت عن سياسة "نتنياهو" ومجموعته هو أيضا موقف سياسي، هو شبه موافقة ضمنية. الصمت في حالة ما يسمى بـ"المعارضة الإسرائيلية " هو شراكة، بغض النظر عن أسباب واعتبارات الصمت.

هذا الخطاب الذي ينسب بالعموم "لنتنياهو" واليمين، لصعود نجم التيار الديني -الصهيوني، لا يجد أي ردة فعل تذكر في السياسة الإسرائيلية الواقعة على يسار اليمين من المركز وحتى آخر حزب، كلها تقابل بالصمت وفي كثير من الأحيان بالمشاركة بالتحريض، أهم ما يميز الحالة السياسية الإسرائيلية مؤخرا، وهي قضية يجب الالتفات إليها جيدا، خوف الأحزاب والسياسيين من الشارع الإسرائيلي، فيبقى الخيار أمام التحريض ونزع الشرعية الذي يمارس بمنهجية على وجهين، إما الصمت أو التنافس على التحريض، من لديه رأي آخر سينال قدرا من الشتائم والتخوين، وفي العادة لا يفضل أحد من الشخصيات السياسية فعل ذلك.

الحرائق التي اشتعلت والتي تم "الاعتراف" بأن قسما منها فقط بفعل فاعل، لم تكن أكثر من "فزاعة مناوبة" للإسرائيليين، سهلة ومريحة ومقنعة، تصطاد 100 عصفور بصرارة.

النيران المشتعلة والخوف والرعب، هي أسهل الطرق لإشعال نيران الكراهية، وتأجيجها.

المعادلة في الحالة الإسرائيلية بسيطة، القيادة والأحزاب أسيرة الشارع والجماهير، والأخيرة أسيرة الإعلام، وتجرد الأولى بحكم الضبط والهيمنة تغذية الخوف عبر وسائل الإعلام، التي لا تقل كراهية للعرب من القيادة السياسية إن لم تكن أكثر؛ لأن كراهية العرب والتحريض عليهم تحصل على نسب مشاهدة عالية جدا، هذه هي الدوائر التي تداور على العرب.

هجوم القيادة السياسية الإسرائيلية على العرب مرده في تقديرنا، كذلك، إلى خلق محور كراهية دائم يغطي على الأزمات الداخلية، العرب هم أفضل مخرج للهروب من الأزمات، وهم أفضل المنتجات التي يمكن ترويجها لاختصار الأزمات الداخلية، للقفز عنها، هذه بالذات تمكننا من قراءة واستقراء بعض ملامح المرحلة القادمة بالنسبة للعرب: مزيد من التحريض مزيد من نزع الشرعية، مزيد من التضييق والتشريعات السيئة.

هل هناك من يرفض سياسات "نتنياهو" وحلفائه اليوم تجاه العرب بشكل مبدئي؟ الجواب لا، الدليل: لم يقف أي اتجاه أو حزب ليعلن عن رفضه المبدئي لهذه السياسات، قول بعض الجمل والتحفظات على الهامش لا تغير من هذه الحقيقة. "بنيامين نتنياهو" واليمين والتيار الديني - الصهيوني يقودون عملية التحريض ونزع الشرعية تجاه العرب، قد تتطور إلى شرعنة الطرد والترانسفير، تحت رعاية وصمت ودعم "المعارضة الإسرائيلية"، التي تجيد التعبير عن مواقفها الرافضة لقضايا أخرى ذات طابع مدني وسياسي محلي، لكنها لا تفعل ذلك في حالة العرب!

وبخلاف ما يروج عامة للتمييز والعنصرية التي يواجهها العرب، وهي مسألة نابعة من حالة "مواطنة مدنية"، فإن التعامل مع العرب سياسيا وأمنيا لا يخضع لهذه الاعتبارات، فعدا أن "المواطنة" غائبة أصلا لأسباب كثيرة، فإن المسألة المدنية، الحقوق والواجبات وأمور أخرى، كانت مشتقة دائما من "الحالة الأمنية"، وليس هناك أدل من الانقضاض عليهم بعد الحرائق، واعتبار ما حصل على "خلفية قومية"، قبل إجراء أي تحقيق جدي، مع أنه كان بالإمكان اعتبار هذه الحرائق مثلا على خلفية "جنائية"، لكن حينها ستنهار رواية "العرب كحالة أمنية".

بين "المواطنة" غير القائمة أصلا، وبين عدم الإمكانية لنفي الوجود بالمطلق، جاءت "العرب كحالة أمنية" لتحل مشاكل عديدة للإسرائيليين، حالة هي "منزلة بين منزلتين" ، حاليا تميل للدفع باتجاه نزع الشرعية والنفي بالمطلق. الطرد في تقديرنا ما زال مشروعا يحاكي الواقع الإسرائيلي.
التعليقات (0)