كتاب عربي 21

لا بد من تحرير القرار المصري أولا

إسماعيل ياشا
1300x600
1300x600
أثارت تصريحات رئيس الوزراء التركي بن علي يلدريم، حول رغبة تركيا في ترميم علاقاتها مع سوريا ومصر ضجة كبيرة، وتم تفسيرها على أن أنقرة تسعى إلى المصالحة مع بشار الأسد وانقلابيي مصر، على غرار المصالحة التي أدَّت إلى تطبيع علاقاتها مع موسكو وتل أبيب. 

لا شك في أن ما ورد في تصريحات يلدريم بحاجة إلى توضيح، لأنه يعارض في ظاهره ما يقوله رئيس الجمهورية التركي رجب طيب أردوغان. ومن المعروف أن أردوغان هو الذي يرسم ملامح السياسة الخارجية التركية وأن يلدريم لا يمكن أن يعارضه في مثل هذه القضايا الهامة.

أردوغان، في حوار مطول أدلى به لصحيفة لوموند الفرنسية، قبيل لقائه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في التاسع من أغسطس/ آب الماضي بمدينة سانت بطرسبورغ، شدد على أن بشار الأسد مسؤول عن مقتل 600 ألف سوري، وأنه لا حل للأزمة السورية طالما بقي الأسد على رأس النظام. وفي مؤتمر صحفي عقده قبل أيام على هامش قمة مجموعة العشرين في الصين، أكد مرة أخرى أن بشار الأسد مجرم وأنه يعتبر الدفاع عن بقائه في منصبه مدعاة للخجل. وتشير هذه التصريحات بشكل واضح إلى أن ما يقصده يلدريم ليس مصالحة مع النظام السوري.

موقف أردوغان من عبد الفتاح السيسي الذي انقلب على الرئيس المصري الشرعي محمد مرسي لا يختلف كثيرا من موقفه من بشار الأسد. وعلى الرغم من محاولة الملك سلمان تخفيف التوتر بين أردوغان والسيسي وعقد لقاء يجمعهما برعايته، فإنه لم يتغير موقف رئيس الجمهورية التركي من الانقلاب المصري. وهذا من أهم أسباب التراجع عن خطوات التقارب بين السعودية وتركيا، بعد قمة منظمة التعاون الإسلامي التي انعقدت في منتصف أبريل/ نيسان الماضي بمدينة إسطنبول التركية.

ما لم يتراجع أردوغان عن موقفه من السيسي، فإن تصريحات يلدريم أو غيره من المسؤلين الأتراك حول تحسين العلاقات التركية المصرية، تظل مجرد أماني أو رسالة حسن نية لنظام لا يستحقها ولا يفهمها. ولو كان في مصر رجال دولة يحكمونها لالتقطوا تلك الرسالة واستغلوها لصالح بلادهم.

الانقلابيون حوَّلوا مصر إلى أضحوكة العالم. وشاهد الجميع تعمد الرئيس الأمريكي باراك أوباما إهانة قائد الانقلاب عبد الفتاح السيسي قبل أيام في قمة مجموعة العشرين بمدينة هانغتشو الصينية. وإن كانت مثل هذه الإهانات التي يستحقها الانقلابيون تسرنا من جهة، فإننا نحزن من جهة أخرى على ما وصل إليه الأمر بأم الدنيا التي اغتصبها هؤلاء بقوة السلاح.

هناك أمثلة أخرى للإساءة إلى مصر، مثل ما حدث بعد مؤتمر الشيشان الذي شارك فيه شيخ الأزهر أحمد الطيب، بالإضافة إلى مفتي الديار المصرية السابق علي جمعة والمفتي الحالي شوقي علام، وآخرين من دول عربية وإسلامية مختلفة. وكانت مؤسسة طابة التي يرأسها الحبيب علي الجفري وتدعمها دولة الإمارات من الجهات التي شاركت في تنظيم المؤتمر. ومع ذلك، فإنها لم تتعرض أي دولة لضغوط كالتي تعرضت لها مصر. بل قال أحدهم غاضبا: "ولتذهب مصر السيسي إلى الخراب" لمجرد مشاركة الطيب وجمعة وعلام في مؤتمر الشيشان. وبغض النظر عن موقفنا من هذا المؤتمر المثير للجدل، فهل يمكن أن يتجرأ ذاك المنبوذ أن يدعو على الإمارات بالويل والخراب بسبب مشاركة الجفري ودور أبو ظبي في تنظيم المؤتمر؟ كلا.

أعتقد أن كل مصري وطني غيور على بلاده يستاء من هذا التعامل المهين مع دولة بحجم مصر، حتى ولو كان من معارضي جماعة الإخوان المسلمين. وكما قال بعض الإخوة المصريين، فإن الخطأ ليس في من دعا على مصر بالخراب، بل الخطأ في من جعله يهين مصر ويتحدث بهذا الأسلوب الوقح.

القرار المصري للأسف مختطف من قبل شحاتين لا يتمتعون بأدنى قدر من الصفات التي يجب أن تتوفر في رجال الدولة، ولا يشعرون بأي مسؤولية تجاه الوطن والمواطنين، ولا يرجى منهم أن يغلِّبوا مصلحة مصر وشعبها على أي اعتبارات أخرى. وبالتالي، فإن محاولة تحسين العلاقات بين الجمهورية التركية وجمهورية مصر العربية في إطار مصالحة مشتركة ودون الاعتراف بشرعية الانقلاب العسكري مضيعة للوقت، لأنها سياسة عقلانية لا بد من تحرير القرار المصري لانتهاجها ومناورة لا يمكن أن يستوعبها الانقلابيون ولا يحسنونها.
التعليقات (0)