صحافة إسرائيلية

ما قصة "الفيروس" الذي كان سيدمر الحواسيب النووية الإيرانية؟

أمريكا وإسرائيل فشلتا في عملية "الألعاب الأولمبية" التي استهدفت الحواسيب النووية- تعبيرية
أمريكا وإسرائيل فشلتا في عملية "الألعاب الأولمبية" التي استهدفت الحواسيب النووية- تعبيرية
قالت صحيفة "معاريف" الإسرائيلية، إن الولايات المتحدة وإسرائيل قامتا بتطوير برنامج فيروسي لتدمير الحواسيب النووية الإسرائيلية، إلا أن العملية فشلت بسبب قيام إسرائيل بتشغيل البرنامج دون تنسيق أمريكي.
 
وفي مقال للمحرر الأمني في صحيفة "معاريف"، يوسي ميلمان، أشارت الصحيفة إلى فيلم وثائقي جديد سيعرض في مهرجان برلين للأفلام الثلاثاء، بعنوان "زيرو دايز"، يقتبس عن الجنرال مايكل هايدن، رئيس الاستخبارات المركزية الأمريكية (سي آي إيه) والوكالة الأمريكية للأمن القومي (أن أس إيه) سابقا، قال فيه إن "إسرائيل سعت لجر الولايات المتحدة إلى الحرب مع إيران".

واقتبس الفيلم عن عدة مصادر من الجواسيس للولايات المتحدة، اتهموا اسرائيل بأن العمل المتسرع وبدون تفاهمات هو الذي شوش عملية سرية مشتركة كانت تهدف إلى إلحاق الضرر بحواسيب الخطة النووية الإيرانية، وأضاعت ملايين الدولارات المستثمرة في الموضوع. 
 
وأشار ميلمان إلى أن الفيلم من إخراج الوثائقي أليكس غفني، الذي وصفه بأنه "أحد المخرجين الوثائقيين الأكثر انشغالا في هوليوود، والذي اعتبر في الماضي أحد المنتجين الوثائقيين الهامين في زمننا"، موضحا أنه قام بإخراج أفلام: "الزبون رقم 9: صعود وسقوط إليوت سبيتسر" (2010)، و"كذب أرمسترونغ" (2013)، و"السنتولوجيا وسجن الإيمان" (2015)، و"ستيف جوبس: الشخص في الماكينة" (2015)، و"سيارة بجانب الظلام" (2007)، والأخير هو الفيلم الذي فاز بفضله بجائزة الأوسكار للفيلم الوثائقي.
  
"الوحدة 8200"

وتحدث الفيلم عن العملية الاستخبارية المشتركة بين إسرائيل والولايات المتحدة لإفشال خطة إيران النووية، ويشتمل على شهادات من رجال الـ"أن أس إيه" والـ"سي آي إيه" الذين عملوا مع نظرائهم في إسرائيل، في "وحدة 8200 التابعة للاستخبارات العسكرية والموساد" من أجل تطوير عدد من الفيروسات القاتلة التي ستوضع في الحواسيب في موقع تخصيب اليورانيوم في نتناز في إيران. 
 
وبحسب الفيلم، فإن العمل المتسرع لإسرائيل أفشل عدة عمليات تم التخطيط لها من أجل الإضرار بالحواسيب في الموقع الثاني الأكثر حماية لتخصيب اليورانيوم في فوردو، ويكشف الفيلم أيضا عملية سرية مستقبلية أخرى لحرب "السايبر" والكود السري لها "إن زد" (الأحرف الأولى لكلمات إفشال زيوس).

وقال أحد المشاركين في الفيلم: "لقد أنفقنا على هذه العملية المليارات"، مضيفا أنها كانت تهدف إلى تخريب كل الحواسيب في إيران في حال حدوث حرب، إذ إننا "دخلنا إلى كل أجهزة السلطة وخطوط الكهرباء ومولدات الكهرباء وأغلبية البنى التحتية في إيران". 
 
وتم إدخال الفيروس القاتل - الذي سمي "ستوتكانت" - إلى مفاعل نتناز، ضمن عملية "ألعاب أولمبية"، بحسب ما كشف الصحفي ديفيد سنجار من "نيويورك تايمز"، وكانت التقديرات هي أن إدخال الفيروس يشير إلى دخول دولتين للمرة الأولى في حرب السايبر ضد دولة ثالثة، وحتى ذلك الحين كانت معظم الهجمات تنفذ من قبل قراصنة أفراد من أجل التسلية أو لدوافع سياسية أو مجرمين من أجل الخداع وسرقة الأموال أو شركات تجسس تجاري وصناعي.
  
واتهم نائب الرئيس الأمريكي جو بايدن، الإسرائيليين بأنهم "غيروا الكود" لخطة الفيروس القاتل، بحسب الفيلم، ما أدى لانتشار الفيروس من حواسيب المشروع النووي إلى كثير من الحواسيب الأخرى في إيران ومن هناك إلى العالم، وأضر أيضا بحواسيب شركات أمريكية، كما أنه تسبب بالكشف عن العملية ومكن الإيرانيين، بمساعدة الخبراء من روسيا وبلاروسيا، من إيجاد "تحصين" لحواسيبهم والدفاع من خلال دفاع أفضل عن خطتهم النووية. 
 
وأدى الكشف المبكر عن الفيروس، بسبب سلوك إسرائيل، إلى انكشاف خطة الفيروس التي كانت الأكثر تقدما وسرية في العالم أمام الاستخبارات الروسية والإيرانية، والمفارقة أن "الصيغة السرية لكتابة الكود وبرمجة الفيروس قد سقطت في أيدي روسيا وإيران- الدولة التي وضعت الخطة من أجلها"، بحسب الفيلم، كما أنها أفشلت العمل المستقل للفيروس لحظة دخوله بحسب ما كان مبرمجا. 
 
كسب الوقت
 
وبدأ تطوير فيروس "ستوسكانت" وعملية "الألعاب الأولمبية" منذ عام 2006، في عهد الرئيس جورج بوش الابن، الذي سعى إلى إفشال المشروع النووي الإيراني، وقد كشف هايدن، الذي كان منذ عام 1999 رئيسا لـ"أن أس إيه"، والـ"سي آي إيه"، في الفيلم أن "الرئيس بوش لم يرغب بخيار الحرب فقط"، بحسب ما نقل ملمان.
 
ونقل ملمان عن الفيلم أن خبراء من إسرائيل وأمريكا وصلوا إلى فكرة إلحاق الضرر بالمنشآت النووية الإيرانية ولا سيما الحواسيب، وساعد في ذلك الصور التي تم بثها من زيارة الرئيس الإيراني في حينه، محمود أحمدي نجاد، لموقع نتناز، حيث ظهرت في الصور الحواسيب بوضوح وكذلك أنواعها وتفاصيلها، وشكلت هذه النقاط فرصة لإدخال الفيروس، وأشار الفيلم إلى مقتل أحد الخبراء النويين الإيرانيين الذين رافقوا الرئيس الإيراني في جولته، بحسب ما نقل ملمان عن مصادر أجنبية للموساد.
  
ولمحاكاة العملية، فقد بُني في الولايات المتحدة وإسرائيل نماذج مشابهة لأجهزة الطرد المركزي التي كانت في نتناز، وتم تجريب الفيروس القاتل بإدخاله إلى أجهزة الطرد المركزي، في كل من أوك ريدج في ولاية تنيسي، ومفاعل ديمونا بإسرائيل، حيث كسرت وأصيبت، وأحضر رجال الاستخبارات القطع المحطمة إلى البيت الأبيض ليشاهدها الرئيس بوش، وقاموا بإعادة عرض العملية أمامه، ما حمسه ودفعه إلى أن يعطي الموافقة على العملية. 
 
تصاعد حرب السايبر

وتصاعدت حرب السايبر الهجومية ضد إيران، خلال عهد الرئيس باراك أوباما الذي خشي من خروج إسرائيل إلى عملية عسكرية بقيادة رئيس الحكومة نتنياهو ووزير الدفاع إيهود باراك، إذ يكشف هايدن في الفيلم أن التخوف الأمريكي كان أن "الهدف الحقيقي للهجوم الإسرائيلي ضد المنشآت النووية الإيرانية هو توريطنا في الحرب"، لأن قدرة إسرائيل على الضرب محدودة، إذ إنه "لا يوجد لإسرائيل سلاح جو ممتاز، فهو صغير، والمسافة كبيرة وقد وزعت المواقع في أرجاء إيران"، بحسب هايدن.

وبرغم قلق الرئيس أوباما من رد فعل الصينيين والروس عبر إدخال الفيروسات إلى المواقع النووية والاستراتيجية الأخرى في الولايات المتحدة، فإن قلقه الأكبر كان الهجوم الإسرائيلي، ولذلك أمر "الاستخبارات بزيادة الجهود، بل والتعاون مع الموساد ووحدة 8200، رغم شكوكه حول العملية، وذلك لكسب الوقت من أجل إجبار إيران على المجيء إلى طاولة المفاوضات"، كما قال هايدن في الفيلم. 
 
ورغم أن الاستخبارات البريطانية كانت مطلعة على الأسرار، فإن "الشريك الرئيس كان إسرائيل، وفي إسرائيل أدار الموساد الموضوع، وكانت المساعدة التقنية من وحدة 8200".
 
دون ترك بصمات 
 
وأدى الفيروس دوره في البداية، "ولم يتم قول كل شيء لنا، إذ إنه تم إدخال الفيروس إلى الحواسيب من قبل الموساد، وهذا من خلال الدخول إلى شركتي برمجة في تايوان عملتا مع إيران" نقلا عن شهادات عملاء الـ"أن أس إيه".. 
 
وكانت الطريقة هي أن يلحق الفيروس الضرر بصناديق الكهرباء الرقمية والمحوسبة من نوع "سيمنز" الألمانية، والتي كانت متصلة مع الحواسيب، وقامت بتشغيل أجهزة الطرد المركزي.

وبالفعل، تضرر 1000- 5000 جهاز طرد مركزي، دون أن يفهم الإيرانيون ما الذي يحدث أو ما هو مصدر الخلل، إذ تفجرت أجهزة الطرد المركزي دون ترك بصمات، وحققت العملية، حتى ذلك الوقت، هدفها النفسي أيضا، وهو إشعار القيادة الإيرانية والعلماء بأنهم عديمو الحيلة دون فهم ما يحدث، بالإضافة لإثارة الخلاف بين القيادة السياسية والعسكرية وبين العلماء، حيث اتهم الإيرانيون الخبراء عندهم وبدأوا بإقالة البعض وتهديدهم.
  
وبحسب الشهادات التي أحضرها منتجو الفيلم، فقد عمل مئات المبرمجين وعلماء الرياضيات وهندسة الحواسيب في مجموعات "سميت تاو" داخل مقر قيادة "أن أس إيه" وقيادة "السايبر" التي توجد في فورت ميد في ولاية ميريلاند الأمريكية، وكانوا هم الوحيدين المسموح لهم بالدخول إلى حواسيب خارج الولايات المتحدة، بما في ذلك الحواسيب التابعة لإيران. 
 
وجاء في الشهادات أن الولايات المتحدة وإسرائيل قامتا بتطوير عدة نسخ من فيروس ستوكسانت، وكانت كل نسخة أشد من التي سبقتها، سعيا لإدخال الفيروس بالتدريج والانتقال من السهل إلى الصعب.

ومع أن لكل دولة الحق في العمل بشكل مستقل بشرط إبلاغ الدولة الاخرى، فإن إسرائيل قررت الاستخدام المبكر للخطة القاتلة، نتيجة لضغط نتنياهو على رئيس الموساد لإظهار النتائج في عملية الإفشال. 
 
وقال رجال "أن أس إيه" في الفيلم: "عملوا على نار هادئة، أما الإسرائيليون فقد دفعوا طول الوقت باتجاه الهجوم".

وبعد أن تم إطلاق الفيروس لإلحاق الضرر بأجهزة الطرد المركزي في نتناز، فقد بدأ الفيروس، كما قال الخبير رالف لينغر، الخبير في حماية الحواسيب، بـ"القفز من حاسوب إلى حاسوب"، إلى أن خرج عن السيطرة وانتشر في آلاف الحواسيب، بما في ذلك شبكات وحواسيب لم يكن من المفروض أن يدخل إليها، بل واصل إلى حواسيب في الولايات المتحدة وأضر بها.

وتابع لينغر بأن "أصدقاءنا في إسرائيل أخذوا سلاحا طورناه معا من أجل الدفاع عن إسرائيل، واستخدموه بشكل هستيري وفجروا العملية، ونحن غضبنا جدا". 
 
ويكشف الفيلم أيضا أن القرار الرئاسي لبوش وأوباما لاستخدام سلاح "السايبر" يستند إلى الصلاحية الممنوحة لهما باستخدام السلاح النووي، ففي وقت سابق لحرب السايبر الأمريكية الإسرائيلية؛ بدأت إيران أيضا في تطوير وتحسين وسائل الهجوم، وهاجمت قبل بضع سنوات كانتقام وردع 30 ألف حاسوب لشركة النفط السعودية "أرامكو" وبنوك أمريكية.
  
حروب السايبر

وانطلاقا من ذلك، يتناول الفيلم مسألة فلسفية نظرية حول حاجة العالم إلى وضع وثائق دولية، وتحديد ما هو مسموح وما هو محظور في حرب السايبر، مثل الوثائق الدولية حول الحرب.
 
وأشار ميلمان إلى أن الفيلم يظهر، بالإضافة إلى مايكل هايدن، أمريكيين آخرين، منهم ريتشارد كارلاك، وهو خبير في الحرب ضد الإرهاب وحرب "السايبر" في إدارة كلينتون وبوش، وكريس أنغليس، نائب رئيس الـ"إن إس إيه"، وغادي سمور، من مجلس الأمن القومي ورئيس وحدة حماية المعلومات والحواسيب في وزارة الدفاع، والصحافي ديفيد سنجر، الذي كان مستشارا للمخرج ومنتج الفيلم.
 
ومن الطرف الإسرائيلي، تحدث رئيس الاستخبارات العسكرية عاموس يادلين، والوزير يوفال شتاينيتس ويوسي ميلمان، نفسه، الذي كان أيضا مستشارا في النشر، بالإضافة لخبراء في حماية الحواسيب من شركة "سيمانتك" الأمريكية، والخبير الألماني رالف لانغنر، ويوجين كسابراسكي، الذي يعتبر أحد الخبراء المعروفين في العالم في مجال حماية الحواسيب، وكان في السابق رجل استخبارات في روسيا وله علاقات وثيقة مع الكرملن.
التعليقات (1)
نزار الشمري
الأربعاء، 23-03-2016 07:16 ص
شكرا للموظاعات.طرح واقعي