مقالات مختارة

الأبعاد الثلاثية للانتخابات التركية

علي بيرام أوغلو
1300x600
1300x600
كتب علي بيرام أوغلو: من أهم النتائج التي حققتها الانتخابات التركية في الآونة الأخيرة هي التغيير في السياسة المركزية؛ حيث كان كل من حزب الشعوب الديمقراطي والحزب القومي يتمتعان بصلاحيات عديدة إثر النتائج التي حصلا عليها في انتخابات السابع من حزيران. وبالتالي، فإن هذه النتيجة قد مكنتهم من التأثير المباشر على النظام وفي بعض الأحيان الوقوف في وجهه. أما في انتخابات تشرين الثاني، فنلاحظ تلاشي هذه القوى لدى هذه الأحزاب وعودة الصلاحيات للمركز.

وعند التمعن في النظر، نجد أن الحزب الموجود في المركز هو حزب العدالة والتنمية بأمر من الشعب التركي. أليست الأصوات التي خسرتها هذه الأحزاب قد ذهبت إلى حزب العدالة والتنمية؟ وهذا هو البعد الأول للانتخابات التركية، ألا وهو البعد السياسي.

اما البعد الثاني فهو البعد الإرادي، فقد نجحت بعض الاستراتيجيات السياسية التي أدّاها بعض الأحزاب، في حين أن استراتيجيات أحزاب أخرى قد باءت بالفشل. وهذا الموقف قد أثر بشكل مباشر على هذه الأحزاب وعلى مشروعيتها وعلى ما تحمله من فكر سياسي. والسبب الرئيسي الذي أدى إلى توجه تركيا نحو انتخابات مبكرة، هو رئيس الجمهورية التركية رجب طيب أردوغان حيث أصر على إرساء انتخابات مبكرة، وأجبر الحكومة على الامتثال لذلك. وبالتالي أدى هذا الموقف إلى زيادة في شعبية ومشروعية وقوة الرئيس التركي أردوغان السياسية.

ومن ناحية أخرى، فقد خسر الحزب القومي مكانته السياسية ووزنه في الساحة التركية بشكل كبير؛ جراء التصرفات الصادرة عن رئيسه دولت باهشيلي. أما بالنسبة لحزب الشعوب الديمقراطي، فقد دفع فاتورة تأييده للحرب. 

ويتمثل البعد الثالث في البعد الاجتماعي؛ حيث استطاع حزب العدالة والتنمية حصد ثقة الجمهور من خلال تغيير النظام السياسي في البل،د بالإضافة إلى التغيير الجذري في التسلسل الهرمي الموجود بين فئات الشعب التركي. 

والعامل الأساسي الذي دعم حزب العدالة والتنمية في إحداث هذا التغيير الجذري في الساحة السياسية التركية، كان رغبة الشعب التركي وتأييده للفكرة التي طرحها الحزب، والتي تدعم مبدأ المساواة الاجتماعي بين فئات الشعب. وقد بين الحزب للناس، بعد انتخابات السابع من حزيران، مخاطر تكرار مثل هاته الانتخابات من جديد، والخوف من عدم الوصول إلى حالة الاستقرار في الساحة.

وهذا ما أدى إلى حصول حزب العدالة والتنمية على نسبة تقارب 50 بالمائة من أصوات الناخبين في الانتخابات الأخيرة. 

ويحمل البعد الاجتماعي وجها آخر، ألا وهو المخاطر المتأتية من الأحزاب اليسارية وجماعة فتح الله غولان والليبراليين. ومن بين هؤلاء، من ينتقد حزب العدالة والتنمية ويتهمه بعدم تطبيع الديمقراطية ومنهم من أظهر رفضه للتغيير والتجديد. ولكن كل المحاولات التي تهدف إلى محاربة حزب العدالة والتنمية وإضعافه على الساحة السياسية، قد باءت بالفشل ولم تؤثر سواء سلبا أو إيجابا على أصوات الناخبين في صناديق الاقتراع. أما بالنسبة لدعمهم للقضية الكردية ولحزب الشعوب الديمقراطي الكردي، فقد نجحوا بالتأثير على 2 بالمائة فقط من الناخبين. 

والسبب الرئيسي وراء فشلهم الذريع، هو تطابق أفعالهم السياسية مع مطالب وآمال الشعب التركي. 
ويعود سبب الفشل السياسي لهؤلاء الأحزاب إلى انغلاقهم على أفكارهم وأنظمتهم، وسعيهم لتحقيق مصالحهم الخاصة، وابتعادهم كل البعد عن المسار الديمقراطي. 

كما لا تستطيع هذه الأحزاب تفسير الضربة القوية الموجهة إليهم من حزب العدالة والتنمية، ولا تفسير الوجود السياسي المكثف لهذا الحزب. ولم يتمكنوا أيضا من تفسير العلاقة بين هذه الضربة وثقة الناخبين. فعندما يتشبث البعض من هذه الأحزاب بمبادئه التي بني عليها حزبه، ولا يعطي أي اهتمام للأفكار التي تطرحها الأحزاب الأخرى، فسينعتهم الناس بالمتخلفين ولن يستطيعوا ربط هذه الأفعال بمبادئ الحرية والديمقراطية. 

وهذا ما سيدفع بتلك الأحزاب إلى إبداء ردة فعل معارضة عفوية. لذا فإن هذا النوع من ردود الفعل، هدفه فقط انتقاد الحزب الحاكم بطريقة غير منطقية وغير عقلانية. ونستنتج هذا من خلال نظرتنا إلى الأفكار السياسية التي تحملها هذه الأحزاب، والمشاريع التي تعد بإقامتها. 

كما أن النقد الذي تتوجه به الأحزاب يتمثل في اعتبارهم بأن الحكومة تتجه نحو الاستبداد، وتتبع سياسة دكتاتورية تنص على تضييق الحريات على الشعب. وتعتبر هذه الأحزاب أن الحكومة تسعى إلى عدم تحقيق مبادئ المساواة السياسية والاجتماعية بين فئات المجتمع. ونرى أن إصرار هذه الأحزاب على الوقوف في وجه الحكومة، لن ينفعها بشيء وإنما سيلحق بها ضررا كبيرا. 

ومع وجود مثل هذا الكم من النقد السلبي، فإن الانتقادات البناءة الموجهة للحكومة لا تؤخذ بعين الاعتبار. 

وفي النتيجة، إذا استمرت هذه الأحزاب بهذه الطريقة، وبقيت منغلقة على نفسها، فإن نسبة الأصوات التي ستحظى بها في الانتخابات لن تصل إلى الثلاثين بالمائة. 

وإذا استمروا في عدم رغبتهم في فهم حجم القوة السياسية التي يتمتع بها حزب العدالة والتنمية، واستمروا في محاولة ربط الجسور بين أطراف سياسية بعيدة، فسوف يستمر الوضع على ما هو عليه.

(عن صحيفة يني شفق التركية، مترجم خصيصا لـ"عربي21"، 7 تشرين الثاني/ نوفمبر 2015)
التعليقات (0)