كتاب عربي 21

ما جرى في روسيا وما جرى في مصر

تميم البرغوثي
1300x600
1300x600
في يوم 8 مارس 1917، بالتقويم الحالي، الموافق 23 فبراير بالتقويم اليولياني المعمول به في روسيا في ذلك الوقت، قامت حشود من النساء العاملات في المصانع بالتظاهر في شوراع العاصمة الروسية، بتروغراد، التي كانت تدعى قبل ذلك بطرسبرغ، وسميت بعد ذلك بلينينغراد. وربما يبين هذا التغير في أسماء الأماكن وتحديد التواريخ مدى التغيرات التي كانت تجتاح المجتمع الروسي قبل ما يقرب من مئة سنة.

كان الدهر يضرب روسيا كما تضرب الريح العلم. مرت النساء المتظاهرات أمام المصانع التي يعمل بها الرجال، وقمن برمي شبابيك المصانع بكرات الثلج، داعيات الرجال لمشاركتهن، فما لبثوا أن فعلوا، وزاد العدد عن قدرة الشرطة على الردع أو الاحتواء. بعد قليل، وصلت الأوامر من القيصر نيكولاس الثاني بن ألكسندر آل رومانوف بإطلاق النار على المتظاهرين. لم يكن القيصر على وعي كامل بحجم المظاهرات، ولا بحجم التململ في صفوف جيشه والقوات التي أمرها بقتل الناس. كان القيصر على الجبهة منشغلا بالحرب العالمية الأولى ضد ألمانيا والإمبراطورية النمساوية المجرية. ومثل ما كان الحال في بلادنا بعد مائة سنة من الثورة الروسية، كانت الأعداد في بتروغراد من الضخامة حتى أن بعض الجنود كانوا على يقين أن رصاصهم قد يصيب أهلهم المباشرين، وأنهم حتى وإن أطلقوا الرصاص، فإن في الشوراع من الناس أكثر ما في مخازن بنادقهم وأحزمتهم من ذخيرة. حين وصل الأمر بإطلاق النار، أعلنت بعض فرق الجيش العصيان. حاول القيصر أن يعود إلى العاصمة، لم يجد من يشغل له قطاره، فقد أضرب عمال السكك الحديدية. في مقصورته في القطار الملكي، قبل نهاية الأسبوع الأول من المظاهرات، وقع القيصر تنازله وتنازل ابنه عن العرش، ورفض أخوه استلام الحكم. انتهى حكم آل رومانوف، بعد ثلامائة وثلاث سنين وبضعة أشهر، أخذوا فيها روسيا من إمارة حول موسكو حين حكمها ميخائيل رومانوف ذو الستة عشر عاما في 1613 لتكون أكبر بلد في العالم من حيث المساحة حين سقط نيكولاس الثاني في الشهور الأولى من 1917. 

حتى هذه النقطة فإن الشبه بين الثورة الروسية وما جرى في مصر في الشهرين الأولين من عام 2011 كبير. العدد يغلب السلاح، الشرطة تحاول أن ترد المتظاهرين فيزدادون غضباً وأعداداً، ثم يدرك الجيش أن ردهم مستحيل قبل أن يحاول، فيعصى أوامر قائده الأعلى، فيكتشف القائد أنه لا يملك من القوة إلا ما ضم قميصه لأن أحدا من قومه لا يريد أن يطيعه بعد، فلا يجد بداً من التنحي عن الحكم. بل إن الحكومة الانتقالية التي تشكلت في روسيا بعد تنحي القيصر ما لبث أن قادها وزير الحرب الكسندر فيدورفيتش كيرينسكي، كما قاد الحكم الانتقالي في مصر وزير الدفاع الذي عينه محمد حسني مبارك، المشير أول محمد حسين طنطاوي. وكان من أول ما فعله كيرنسكي، كما فعل بعده طنطاوي، هو أن أكد على بقاء السياسة الخارجية الروسية كما هي، والتزامه بأكثر جانب يكرهه الشعب الروسي من هذه السياسة الخارجية، وهو استمرار الحلف الاستراتيجي بين روسيا والغرب واستئناف القتال على الجبهة الروسية في الحرب العالمية الأولى.

ولكن الثورة الروسية نجحت، وما جرى في مصر عام 2011 استولت عليه الثورة المضادة، وحكم البلاد أناس عينهم الرئيس المصري المخلوع، ولم يتغير الكثير في شكل حكم البلد ولا تحالفاتها الاستراتيجية ولا سياساتها الداخلية. فلماذا؟

لم يكن الشيوعيون هم القوة المعارضة الوحيدة في روسيا عند اندلاع الثورة، ولكن قائدهم فلادمير لينين كان أشجع القادة السياسيين وأكثرهم جذرية في التغيير. قبل نهاية العام، كان دبر مع مناصريه في الشارع ومناصريه في الجيش، وبالأخص، مع فرقة من البحرية الروسية متمركزة في جزيرة كرونشتادت القريبة من العاصمة بتروغراد، أن يقوموا بالاستيلاء على مراكز التلغراف ومحطات السكك الحديدية، والمباني الحكومية، بما فيها قصر الشتاء مقر حكومة كيرينسكي.  وكان هؤلاء البحارة  في كرونشتادت من أول المتمردين وكانوا قد أنشأوا قيادتهم الخاصة المنتخبة بعد مظاهرات أول السنة. وكان من أول ما نادى به الشيوعيون تسليم السلطة للسوفيتات، أي للجان والمجالس الشعبية التي شكلها الناس بين الربيع والخريف، ثم طهروا الحكم من رجال القيصر وبدأوا في تشكيل قواتهم الخاصة، ثم قاموا بتغيير ذلك العنصر المكروه من السياسة الخارجية الروسية، والذي أدى إلى موت الملايين من الروس، وارتهان روسيا لحلفائها الغربيين وفاقم الأزمة الاقتصادية والاجتماعية، وهو استمرار القتال في الحرب العالمية الأولى، فقد أوقفوا القتال، وأخرجوا روسيا من الحرب.

لم يكن في مصر أية قوة سياسية مستعدة أن تكمل الثورة، بالسيطرة على الدولة معتمدة على أعداد الناس، كانت ثورة "مؤدبة" تطالب، تلتمس، تعتصم في الميدان ولا تتحرك إلى القصور والوزارات، وإذا وصلتها وقفت على أبوابها. ولا يوجد حتى اليوم حزب واحد يضع إخراج مصر من حلفها الاستراتيجي مع الولايات المتحدة وإلغاء اتفاقية السلام مع إسرائيل على برنامجه الانتخابي. إن القوى السياسية الرسمية المصرية أضاعت ثورة كبرى وفرصة عظيمة للخلاص بسبب ترددها وخوفها، وإنها لم تدفع الثمن وحدها بل دفعه معها المشرق كله. ولكن من يدري، ربما لا يصح تشبيه ما جرى في مصر بالثورة الروسية عام 1917 بل بالثورة السابقة عليها والتي كان نجاحها جزئيا عام 1905، والتي كانت ثورة "مؤدبة" هي الأخرى، رضيت أصحابها بالقليل، كانت مقدمة للثورة الحقيقية بعدها باثنتي عشرة سنة. ولا أظن المرء يخطئ الظن إذا قال إن الحال إذا بقيت على ما هي عليه في مصر، فإن اثني عشر عاما لن تمر قبل أن تندلع ثورة حقيقية تعدل الميل وتقيم الميزان.  
التعليقات (0)