كتاب عربي 21

الثورة والطائفية: فشل استراتيجية التلاعب الهوياتي

حسن أبو هنية
1300x600
1300x600
مع بدء فعاليات حركة الاحتجاج الثوري في العالم العربي المطالبة بالحرية والعدالة والديمقراطية والكرامة، بدءا من تونس نهاية عام 2010، ثم مصر وليبيا واليمن، ودخول سوريا  منتصف آذار/ مارس 2011 آفاق التغيير، ووصول فعاليات الاحتجاج إلى العراق أواخر 2012، كانت قوى "الثورة المضادة" قد بلورت استراتيجياتها لاحتواء "الربيع العربي" وضمان عدم انتقاله لبقية البلدان العربية، وقد استندت استراتيجية الثورات المضادة إلى ركنين أساسيين؛ الأول: يقوم على أسس سياسية تعتمد على مبدأ "الحرب على الإرهاب"، والثاني: يقوم على أسس هوياتية تعتمد على مبدأ "تفعيل الطائفية".

إذا كانت قوى الثورة المضادة قد استندت إلى نهج الانقلاب العسكري على أسس سياسية عبر تفعيل مبدأ "الحرب على الإرهاب" في قطع مسار العملية الانتقالية الديمقراطية التي جائت بالإسلاميين إلى الحكم  كماحدث في مصر، ولاحقا محاولة استنساخ التجرية في ليبيا، فإن نهج عسكرة الثورات عبر تفعيل مبدأ "المذهبية الطائفية" هيمن على خيارات قطع  مسار الثورة السلمية في سوريا، ولاحقا في العراق.

 قبل انطلاق ثورات الربيع العربي كانت المنطقة تشهد صراعا سياسيا يقوم على تحالفات إقليمية مسندة من قبل القوى الدولية، وقد أخذ الصراع طابعا جيو سياسيا بين قوتين إقليميتين أساسيتين؛ أحدهما إيران التي تزعمت محور "الممانعة والمقاومة"، ويضم سوريا والعراق وحزب الله اللبناني، وثانيهما السعودية التي تزعمت محور "الاعتدال العربي"، ويضم مصر والأردن والإمارات، إلا أن المحور الأخير بدأ بالتصدع مع خروج مصر بفعل الثورة، وظهرت إيران كمنتصر في حرب النفوذ والهيمنة، ومع دخول سوريا آفاق الحراك الثوري أصبحت مركزا أساسيا للصراع الجديد، حيث وضعت السعودية ثقلها في معركة النفوذ الإقليمي، الأمر الذي باتت فيه "الطائفية" ركنا رئيسيا في حلبة الصراع، لكنها ليست المحدد الوحيد في تفهم طبائع الصراع وتعزيز الانقسام بين "السنة والشيعة"، فالتلاعب الهوياتي الطائفي استخدم كاستراتيجية لتعزيز النفوذ الإقليمي في إطار لعبة توازن القوى، إلا أن سياسات التلاعب الهوياتي خرجت عن حدود السيطرة نسبيا.

 في هذا السياق استثمر تنظيم القاعدة في العراق وسوريا خطوط الصدع الطائفي في تعزيز مكانته ونفوذه، وعملت سياسات التلاعب الهوياتي الطائفي على تدشين ولادة ثالثة لتنظيم القاعدة، وخصوصا الفرع العراقي الذي يتميّز منذ نشأته وتأسيسه على تأكيدات الهوية السنيّة وأولوية مواجهة "المشروع الصفوي"، وعقب مرور أكثر من ثلاث سنوات من الصراع لهوياتي الطائفي في المنطقة، أصبحت الدولة الإسلامية في العراق والشام حقيقة واقعية ولم تعد افتراضية، بل إنها أعلنت عن قيام "الخلافة" بعد سيطرتها على مساحات شاسعة غرب العراق وخصوصا محافظة الأنبار ثم نينوى وصلاح الدين، وشرق سوريا خصوصا محافظة الرقة ودير الزور والحسكة، وعلى الرغم من قوة تنظيم "داعش" الذاتية، إلا أن قوتها الحقيقية موضوعية، فالمشاكل السياسية والاقتصادية في العراق وسوريا وضعف الدولة وتآكل شرعيتها وفر بيئات حاضنة مثالية للتنظيم، فالطبيعة السلطوية والطائفية "الشيعية" لنظاميّ الأسد والمالكي المسندة من إيران، ودعم السعودية للحراكات "السنية"، حرفا طبائع الصراع إلى شكل هوياتي طائفي بين السنة والشيعة وعملت على خلق بيئة مثالية خصبة لتنظيم الدولة الإسلامية للتعبئة والتجنيد.

 لا جدال بأن الاحتلال الأمريكي للعراق عام 2003 قام على التلاعب بالهويات الطائفية بطرائق عديدة، فسياسات الهوية الطائفية كانت أحد أهم خطوط استراتيجية المحافظين الجدد لتفتيت المجتمع وتفكيك الدولة لضمان عمليات الهيمنة والسيطرة، وهي السياسة الأثيرة الحاكمة للرؤية الاستشراقية والثقافوية للاستعمار التقليدي التاريخي البريطاني والفرنسي في المنطقة.

في سياق تفكيك الدولة والمجتمع العراقي عمدت الولايات المتحدة إلى بناء العملية السياسية على أسس هوياتية مزدوجة عبر تأكيد الهويات العرقية والإثنية وانقساماتها بين عرب وكرد بصورة أساسية، وترسيخ الاختلافات الهوياتية الدينية والمذهبية بين السنة والشيعة بشكل رئيسي، وفي الوقت الذي مكنت فيه الولايات المتحدة الكرد في إدارة إقليم شبه مستقل، عملت على تهميش السنة كإجراء عقابي لانخراطهم في النظام السابق ومعارضتهم للاحتلال، أما الشيعة فقد تمت مكافأتهم وتمكينهم من الحكم بعد مساندة مرجعياتهم الدينية للاحتلال .

وبعد مرور عشر سنوات على الاحتلال أصبح العراق محورا رئيسيا في المنافسة الإستراتيجية بين الولايات المتحدة وإيران، فقد بذلت الولايات المتحدة جهودا كبيرة لمواجهة النفوذ الإيراني في العراق, بما في ذلك استخدام مكانتها كقوة محتلة ومصدر رئيسي للمساعدات في العراق، ومع ذلك  فإن احتواء النفوذ الإيراني لم يكن الهدف الرئيس لأميركا في العراق, بل خلق ديمقراطية مستقرة يمكنها هزيمة ما تبقى من العناصر المتطرفة والمتمردة, والدفاع ضد التهديدات الخارجية, ودعم قيام مجتمع مدني قادر, وإبراز الصداقة القوية المستقرة للولايات المتحدة وحلفائها في الخليج.

قدرة أميركا على تحقيق هذا الهدف هو غير مؤكد إلى حد كبير؛ إذ سجلت قوات الولايات المتحدة والعراق انتصارات تكتيكية ضد المتمردين في الفترة من 2005- 2009 , لكن الغزو الأمريكي يبدو الآن بحكم الأمر الواقع فشلا استراتيجيا كبيرا من حيث الكلفة المادية والبشرية, ولما له من نتائج إستراتيجية لمرحلة ما بعد الصراع , والقيم التي يمكن أن تكون قد حصلت عليها الولايات المتحدة من استخدام مواردها السياسية والعسكرية والاقتصادية المختلفة، لقد شنت الولايات المتحدة الحرب لأسباب خاطئة, مركزة على تهديدات أسلحة الدمار الشامل ورعاية الحكومة العراقية للإرهاب الذي لم يكن موجودا, ولم تكن لها خطة ذات مغزى لعمليات تحقيق الاستقرار أو بناء الأمة, وتركت العراق للانزلاق إلى نصف عقد من الحرب الأهلية, وفشلت في بناء ديمقراطية فعالة وقاعدة للتنمية الاقتصادية في العراق, فانتصاراتها التكتيكية لم تكن تزيد عن وضع حد للصراع الذي ساعدت هي في خلقه, وفشلت الولايات المتحدة في إقامة أي شيء مثل الشراكة الإستراتيجية التي سعت لها..

 عندما تمكّنت القوات الأميركية في التاسع من أبريل 2003 من احتلال بغداد، وإسقاط نظام صدام حسين، كان الزرقاوي كأحد أبناء الجهادية العالمية قد حسم خياراته الإيديواوجية بمواجهة قوات الاحتلال الأمريكي على الرغم من عدم انضمامه لتنظيم القاعدة آنذاك، إلا أن السياسات الهوياتية التي برزت كاستراتيجية للنفوذ والسيطرة عملت على بلورة هوية الزرقاوي وشبكته على أسس مذهبية طائفية،   فقد عمدت الولايات المتحدة إلى بناء العملية السياسية على أسس هوياتية مزدوجة عبر تأكيد الهويات العرقية والإثنية وانقساماتها بين عرب وكرد بصورة أساسية، وترسيخ الاختلافات الهوياتية الدينية والمذهبية بين السنة والشيعة بشكل رئيسي، وفي الوقت الذي مكنت فيه الولايات المتحدة الكرد في إدارة إقليم شبه مستقل، عملت على تهميش السنة كإجراء عقابي لانخراطهم في النظام السابق ومعارضتهم للاحتلال، أما الشيعة فقد تمت مكافأتهم وتمكينهم من الحكم بعد مساندة مرجعياتهم الدينية للاحتلال، الأمر الذي دشن مرحلة جديدة في تاريخ العراق الحديث، وبداية مرحلة جديدة مع نخبة سياسية حاكمة مختلفةفي ظل تبدل عميق في ميزان القوى السياسية والعسكرية العراقية، وبهذا أخذت إيديولوجية الزرقاوي المذهبية بالتبلور في سياق هيمنة الشيعة على العملية السياسية في العراق المسندة من الاحتلال الأمريكي وإيران.

عمل الزرقاوي على تطوير إيديولوجيته المذهبية الطائفية في إطار "حاضنة اجتماعية" داخل المجتمع السني، واكتسبت أطروحته قوة متزايدة وزخماً حركياً، بالإضافة إلى قدرات عسكرية وأمنية أكبر، من خلال الضباط السابقين في الجيش العراقي، وكذلك من خبرة المتطوعين العرب في ميادين القتال، فحدث مزج في هذه الخبرات وتطوير لها في سياق الصراع العسكري والأمني، ولم يجد الزرقاوي الذي ينتمي إلى فضاء السلفية الجهادية صعوبة في تبني النهج الهوياتي الذي يستند إلى تأكيدات الهوية، فالسلفية المعاصرة على اختلاف توجهاتها العقدية والفقهية تقوم على أسس هوياتية صريحة، فقد طبع السؤال المتعلق بالهوية وعلاقة الأنا بالآخر مسارات التشكل السلفي الحديث والمعاصر، وهيمن النهج الإحيائي على مجمل الانشطة والفعاليات والقوى والاتجاهات السلفية التقليدية والإصلاحية والجهادية، وذلك عبر شرعنة سياسة "الهوية" وتبديع سياسات "الاعتراف".

لم تكن استراتيجية الزرقاوي في البداية ذات طبائع طائفية صريحة، فقد كانت أهدافه تشمل الولايات المتحدة كقوة احتلال وحلفائها من كافة المكونات العرقية والدينية، إلا أنها بدأت تأخذ منحى طائفيا مع تغلل النفوذ الشيعي في مفاصل الدولة واستدخال المليشيات الشيعية في جهاز الدولة، حيث ظهرت جليا عام 2006 عندما تطور المشهد باتجاه حرب أهلية شاملة بين السنة والشيعة، فقد أعلن الزرقاوي أن دائرة الاستهداف تشمل القوات الأميركيّة والقوات المتحالفة معها، وكلّ من تعاون مع الولايات المتحدة كالحكومة العراقيّة، ومجلس الحكم، وقوات الجيش، وقوات الشرطة، وكذلك الشِّيعة، وخصوصًا من ينتمي منهم إلى قوات الاحتلال، وذلك تطبيقًا لمبدأ "الولاء والبراء"، وبحسب الزرقاوي: "لا فرق بين عدو خارجي باعتباره كافر أصليّ، أو عدو داخلي، باعتباره كافر مرتد .. لا فرق بين أمريكي أو عراقي كرديا كان أم عربيا سنيا كان أم شيعيا.

 المسألة الطائفية من أحد أكثر المسائل المحيرة في سيرة الزرقاوي، ففي الوقت الذي كان التيار الجهادي العالمي يركز على المسألة السياسية في مواجهة الولايات المتحدة وحلفائها في سياق العولمة، ذهب الزرقاوي بعيدا عن النهج السائد، إلا أن بذور الطائفية كانت كامنة في أطروحات السلفية عموما والجهادية خصوصا، ويبدو أن الزرقاوي طور ما تلقاه من شيوخه المقربين وخصوصا أبو محمد المقدسي وأبو قتادة الفلسطيني، لا سيما الأسس المكونة للسلفية الجهادية المتعلقة بمسألة "الولاء والبراء"، وأولوية قتال "العدو القريب".

خلاصة الأمر أن وريث الزرقاوي أبو بكر البغدادي تلاعب بقوى الثورة المضادة التي استدخلت الطائفية كاستراتيجة توازن قوى، ففي الوقت الذي كانت فيه إيران تدعم سياسات المالكي والأسد الطائفية السياسية، كانت دولة البغدادي تؤكد على صواب نهجها الهوياتي الديني، وفي نفس الوقت الذي كانت الولايات المتحدة تعيد تشكيل تحالفاتها مع إيران على أساس الحرب على الإرهاب، ومكافحة التمرد كان البغدادي يؤكد على صحة فشل المعارضة السلمية وفصائل المقاومة المسلحة المعتدلة، وفي سياق لعبة الثورة المضادة الإرهابوية الطوائفية سعت كافة الأطراف إلى عدم استهداف دولة البغدادي للتأكيد على أن ما يحدث في سوريا والعراق يقع في إطار "الإرهاب" عبر استثمار السياسات الطائفية والتهرب من المشاكل السياسية والاقتصادية في العراق وسوريا وضعف الدولة وتآكل شرعيتها وفر بيئات حاضنة مثالية للتنظيم، فالطبيعة السلطوية والطائفية "الشيعية" لنظاميّ الأسد والمالكي المسندة من إيران، ودعم السعودية للحراكات "السنية"، حرفا طبائع الصراع إلى شكل هوياتي طائفي بين السنة والشيعة وعملت على خلق بيئة مثالية خصبة لولادة  الدولة الإسلامية وإعلان الخلافة، ونسي الجميع الطبائع الهوياتية لتنظيم الدولة من الزرقاوي إلى البغدادي.
التعليقات (0)