كتاب عربي 21

لماذا سينتصر الربيع العربي؟

زين العابدين توفيق
1300x600
1300x600
قد يبدو التفاؤل هذه الأيام ضربا من الجنون ونوعا من الهذيان لا يقل في سخافته عن الجنرال المسكون بهلاوس دينية ونرجسية تعيد الى الأذهان نماذج في تاريخنا ملأت الدنيا ضجيجا ثم اختفت فجأة كالحاكم بأمر الله الفاطمي والقذافي الليبي. لكني متفائل. 

سأسوق لكم سبب تفاؤلي لكن أريد ان أتوقف أولا أمام هذا المهووس الذي ظن ان لن يقدر عليه أحد حين يقول إنه مسئول عن دين المصريين ونسي ان فردا واحدا في التاريخ الاسلامي هو الإمام أحمد بن حنبل منع جهود دولة بأكملها من العبث بدين الأمة فيما عرف بفتنة خلق القرآن. تحول كثير من العلماء الى ياسر برهامي وحاول أحدهم أن يثني الإمام عن صموده متعللا بأخف الضررين لكن ابن حنبل اختار فعلا اخف الضررين. اختار ان يسجن ويجلد 13 الف سوط كيما لا يضيع الدين وما رأى أنه الحق. فبقي الدين وبادت الدولة البوهية ومعها القائلون بأن القرآن مخلوق يجري عليه ما يجري على المخلوقات من خطأ وصواب. 

وهناك مثال آخر في ثقافة غير ثقافتنا ولكن في ثورة كثورتنا. أحد منظري الثورة الفرنسية وربما أهم أصواتها هو ماكسيمليان دو روبسبيير. كان صوت العقل والضمير والاستقامة حتى سموه بالذي لا يمكن إفساده. كان روبسبيير خطيبا بارعا ومثقفا نبيلا تفيض الانسانية من كلماته وأفكاره. لكنه ذات يوم لعب الشيطان برأسه وصور له ان يلغي الدين وان يستعيض عنه بعبادة الذات فبنى تمثالا ضخما للمعبود الجديد وخرج على الناس من فوق الجبل باسطا ذراعيه وكأنهما جناحان وكأنه هو هو المعبود الجديد.قبلها كان قد انحرف بالثورة الفرنسية الى ما عرف بعصر الإرهاب Reign of Terror. جرت دماء غزيرة وطارت رؤوس كثيرة تحت المقصلة التي أيدها روبسبيير باعتبارها آلة للقتل الرحيم اللائق بالإنسان. لكن روبسبيير طارت رأسه أيضاً تحت المقصلة على يد من عينهم والقذافي قتل شر قتلة على يد من ظلمهم وكلاهما كان يظن انه كان عظيما ولا يفعل الا الصواب لكنه الدم من ولج فيه غرق والدين من اقترب منه احترق. وهذه رسالة للجنرال المهووس بقدراته الخارقة التي قال انه يستمدها مباشرة من الله. 

ومع ذلك لا أقول ان نهاية الجنرال قريبة لكنها ستكون عجيبة ومفاجئة تماما كأفعاله التي قال انها ستدعو للعجب. متفائل لان المعركة الان بين القوة والحق. والحق غالب مهما وهنت قوى أنصاره. فما بالكم وأنهم أقوى من في الأمة. إنهم شبابها الذي استفاق ولم يمنعه احترامه لآبائه وأجداده من المطالبة بحياة كريمة لم ينعم بها من قبله. 

قد يقول قائل اننا ثورتنا لا تستحق النصر لان شعوبنا مغيبة وغير متحضرة وغير متعلمة وليست راقية. ولكن هل كانت الأمة الفرنسية في عمومها اكثر منا رقيا او غنى حين قامت ثورتهم. كان عموم الشعب مسلوب الإرادة يقتات من مخلفات الأغنياء ولا اعتبار وينهكه الملك بالضرائب كي يمول حروبه في امريكا وأوروبا ويوفر لقصره ما لا يخطر ببال بشر من مباذح الحياة. 
لكن الشعب ثار وانضمت له نخبة شريفة من النبلاء متأثرة بأفكار عصر التنوير الذي جعل رجالا من حاشية الملك يتساءلون لماذا نحصل نحن على كل شي ويحصل العوام على لا شيء. 

ورغم ان الانطباع العام اننا لا نمتلك هذه النخبة الشريفة الان لكن واقع الحال يقول اننا نمتلكها وكانت نواة لثورة 25 يناير وما زالت موجودة. فقط ابحثوا بعيدا عن الوجوه المعروفة التي هي جزء من النظام الذي نريد تغييره.

ولا يظن احد أن الحرب الإقليمية الشرسة لوأد الربيع العربي ومعه أحلام الشعوب بالحرية والكرامة والرخاء بالشيء الغريب او المؤثر. هي كمن ينفخ في الشمس ليطفئها ولا ننسى ان كل أوروبا حاربت الثورة الفرنسية لكن مبادئها سرت في الجسد الاوروبي حتى حينما كانت فرنسا مهزومة ونابليون كسيرا أسيرا في جزيرة سانت هيلانة. 

الثورة الفرنسية كانت حاجة بشرية وأوروبية فانتصرت. وكذلك الماركسية التي اصبح اثرها الان واضحا في بريطانيا مهد الرأسمالية وفي دول الرخاء والوفرة في إسكندنافيا وكندا وأستراليا.

الربيع العربي ومبادئه حاجة بشرية لن تقف أمامها آي هلاوس سواء سكنت رؤوسا يعلوها العقال او العمائم او القلنسوة او الكاب.
التعليقات (1)
سيف رجب
الجمعة، 05-09-2014 05:42 م
و الله مقال رائع يا استاذ زين