مقالات مختارة

«الإخوان».. أزمة دولية

نبيل عمر
1300x600
1300x600
سؤال في غاية البساطة: ما الذي يجعل تركيا طرفاً ضاغطاً في صراع سياسي داخلي في مصر إلى الدرجة التي دفعت القاهرة لطرد السفير التركي وسحب سفيرها من أنقرة؟!

الإجابة صعبة وقد تكون مراوغة، فما أسهل أن يزعم رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان أنه يقف مع الشرعية التي أتت بالدكتور محمد مرسي رئيساً لمصر عبر صناديق الانتخابات، وأنه يرفض عزله من منصبه، فهل هذه هي الحقيقة؟

قطعاً لا يجوز أن نقيس الموقف التركي معتمدين على التفتيش في نيات أردوغان، فسياسات الدول مع بعضها تستند دوماً إلى واقع المصالح والتاريخ والرؤية المستقبلية، وليس للانفعالات العاطفية، حتى لو ارتبطت بقيم عظيمة كالحرية والديمقراطية والشرعية وحقوق الإنسان. لكن ما يفعله أردوغان يبدو غريباً متجاوزاً الأعراف الدبلوماسية، بين دولتين من المفترض أن ثمة علاقات وثيقة تربطهما معاً لما يقرب من خمسمائة عام، وتحديداً منذ عام 1517 حين غزا العثمانيون مصر، وامتدت الوشائج بين قاهرة المعز والأستانة إلى تبادل الهجرات والزواج والعائلات.

ولو فرضنا أن أردوغان كان صادقاً في موقفه العاطفي، لأصدر بياناً في أول أحداث عزل مرسي رافضاً لها، ثم علق مرة أو مرتين ثم حاول الوساطة لمنع الاضطرابات وإراقة الدماء، بما له من ثقل معنوي ومادي لدى الجماعة وأنصارها، وظل مرتبطاً بأواصر مع الطرفين تمكنه من الوجود بينهما لاعباً مهماً. لكن إصراره على إعلان موقفه العدائي "عمال على بطال"، كما لو أنه يتعمد الدخول في صدام سياسي مع الدولة المصرية، يشي بأسباب غير التي يعلنها، فهل يعقل أن يخسر دولة في حجم مصر من أجل "حدث داخلي" لا ناقة فيه لتركيا ولا جمل؟

قطعاً المسألة لا تتعلق بالعواطف، ولكن برؤية أردوغان وحزبه "العدالة والتنمية" لمستقبل المنطقة، ودور تركيا في قيادة منطقة الشرق الأوسط والعالم الإسلامي منفردة، وقد لاح هبوط هذا الحلم إلى أرض الواقع بوجود حليف استراتيجي له في حكم مصر من جماعة الإخوان، خاصة أن الجماعة فتحت أبواب مصر على مصراعيها أمام رجال أعمال وشركات ومشروعات تركية في مختلف الأنشطة، تجعل من مصر سوقاً كبيراً لهم، وقد استهلت الجماعة نشاطها بسلسلة محلات تركية شهيرة، وفتحت لها ما يقرب من عشرة أفرع في القاهرة، في أولى مراحل التعاون التجاري المشترك.

لكن ما حدث في 30 يونيو وتوابعه بعزل محمد مرسي، أزاح هذا الحلم بعيداً، ولم يعد النموذج التركي ملهماً لدول الربيع العربي في تقليده واتباعه. وتعد تركيا والولايات المتحدة هما أكثر الخاسرين مع الإخوان، لكنهم لا يعترفون بهذه الخسارة ويتصور كل منهم أن فرصة التعويض قائمة، بسبل مختلفة.

أولاً: معركة الإخوان في مصر ليست مجرد شأن داخلي، وإنما هي معركة إقليمية لها أبعاد عالمية، بين ثقافتين يفترض فيهما التناقض، هما الأصولية والحداثة.. والأصولية الدينية الآن في أوج صعودها في العالم بأسره، إسلامية ومسيحية ويهودية، بل إن أصوليات بعض الديانات الوضعية آخذة في الصعود ببطء، كالهندوسية والزرادشتية، وهو ما يضعف فرصة أفكار التحديث في الفوز بهذا الصراع، خاصة في الشرق الأوسط أكثر المجتمعات المحافظة المناهضة لروح الابتكار والتجديد والخروج على المألوف، المتشبثة بما هو مستقر من أفكار ونظم.

وإذا كانت ثورات الربيع العربي قد فجرها شباب متمرد على أوضاعه، فالذين يصوتون في الانتخابات هم من الأغلبية الرافضة للحداثة، وقد ظهر ذلك جلياً في وصول جماعة الإخوان والسلفيين إلى مقاعد البرلمانات والحكومات في هذه الدول، خاصة أن الحداثة مرتبطة عضوياً في الغرب بالعلمانية، وهي كلمة باتت سيئة السمعة والمدلول والهدف في الشرق المتدين، تحت هجوم مكثف ودائم عليها من رجال الدين والدعاة، حتى أنهم ربطوا بينها وبين الكفر.

ثانياً: إن ما حدث في مصر سوف يوحد كل أصحاب الإسلام السياسي في العالم ضد ما جرى، كما لو أنهم يخوضون حرباً كونية بين قوى الخير والشر، وهذه الحرب تفوق طاقة مصر الاقتصادية مع دوامها فترة طويلة، وبالتالي يمكن للجماعة أن تعود إلى السلطة بعد حين.

ومن هنا يراهن رجل سياسة مثل أردوغان مُتمثلاً التجربة التركية العلمانية نفسها، التي لم تفلح بالرغم من تاريخها الطويل في كسب معركتها مع الأفكار الأصولية.

لكن أردوغان وغيره يراهنون رهاناً خاسراً بالضرورة، لأن تاريخ أهل مصر مع الأديان، خاصة مع الإسلام، مختلف جذرياً. فلم يحدث أن كان الدين غريباً أو مُبعداً عن حياة الناس والمجتمع والدولة، وهذا ما لم يفهمه أردوغان حين تطاول على شيخ الأزهر لوقوفه مع إرادة شعبه ضد جماعة الإخوان. والمدهش أن الإمبراطورية العثمانية بنت دوام سطوتها على دول الشرق المسلم باستغلال الدين باسم الخلافة الإسلامية، وأممت الدعاة والشيوخ لمصالحها، ويبدو أن رجب أردوغان يحاول استرجاع الماضي، والماضي لا يعود.

(عن البيان الإماراتية)
التعليقات (0)