قضايا وآراء

المسيحيون المصريون وحرب غزة

قطب العربي
تتماهى الكنيسة مع المواقف الرسمية للنظام- جيتي
تتماهى الكنيسة مع المواقف الرسمية للنظام- جيتي
لم يختلف أقباط مصر كثيرا عن مسلميها في الموقف الرافض للعدوان الإسرائيلي، والتضامن مع أهل غزة وفلسطين عموما، بيانات رسمية وتصريحات صحفية صدرت من أعلى المستويات الكنسية تنديدا بالعدوان، وتوجيهات بابوية صدرت بعد أسبوع واحد من العدوان يجمع مساعدات طبية وغذائية وملابس وبطاطين لإرسالها إلى قطاع غزة، لكن الموقف بدا أقل مما ينتظره الكثيرون بمن في ذلك نشطاء أقباط أكثر حماسا وقعوا بيانا دعوا فيه إلى إلغاء مظاهر الاحتفالات المعتادة بعيد الميلاد الذي يحتفل به الأقباط الأرثوذكس اليوم (7 كانون الثاني/ يناير)، أسوة بقرار النيابة البطريركية للسريان الكاثوليك في البصرة والخليج العربي بوقف الاحتفالات، والاعتذار عن استقبال التهاني احتراما وتقديرا لدماء شهداء غزة، وهو الموقف ذاته الذي اتخذته كل الكنائس الفلسطينية.

خلال اليومين الماضيين احتفلت طوائف مسيحية مصرية غير الأرثوذكس بعيد الميلاد في أجواء خيمت عليها دماء وأشلاء غزة التي كان جزء منها للمسيحيين أيضا، الذين تعرضت كنائسهم وممتلكاتهم للتدمير المتعمد أيضا.

المسيحيون المصريون في عمومهم عازفون عن السياسة، ويكتفون بتعبير الكنيسة رسميا عنهم، وهو موقف ساعدت في تكريسه النظم السلطوية الحاكمة منذ 1952، والتي وجدت راحتها في التعامل مع الكنيسة، حيث تتفق معها على اختيار ممثلي الأقباط المعينين في الحكومة أو البرلمان، أو المناصب الكبرى الأخرى، وتحقيق المطالب القبطية، مقابل ضمان دعم الكنيسة لتلك النظم المتعاقبة

بشكل عام يتماهى الموقف القبطي مع الموقف الرسمي المصري، وظلت الأصوات القبطية الأكثر تعاطفا أو تحمسا لدعم المقاومة ضعيفة ومتفرقة، وهذه الأصوات لشخصيات قبطية مدنية ذات انتماءات سياسية أو حقوقية أو نقابية أخرى، بمعنى آخر هي أصوات أكثر اندماجا في العمل العام، على خلاف غالبية الأقباط الذين يبتعدون عن العمل العام مكتفين بتعبير الكنيسة عن همومهم ومطالبهم لدى الدولة.

في حديث لكاتب هذه السطور مع إحدى تلك الشخصيات القبطية الداعمة للمقاومة بشكل واضح، فسرت لي سر الفتور المسيحي نحو المقاومة كون حماس تنتمي للإخوان، وهناك مخاوف لدى المسيحيين أن انتصار حماس سيعني انتصارا للإخوان وعودة إلى السلطة في مصر مجددا.

المسيحيون المصريون في عمومهم عازفون عن السياسة، ويكتفون بتعبير الكنيسة رسميا عنهم، وهو موقف ساعدت في تكريسه النظم السلطوية الحاكمة منذ 1952، والتي وجدت راحتها في التعامل مع الكنيسة، حيث تتفق معها على اختيار ممثلي الأقباط المعينين في الحكومة أو البرلمان، أو المناصب الكبرى الأخرى، وتحقيق المطالب القبطية، مقابل ضمان دعم الكنيسة لتلك النظم المتعاقبة، وإن شذ عن ذلك البابا شنودة الثالث في علاقته مع الرئيس الراحل أنور السادات، والتي وصلت حد الصدام عقب أحداث طائفية منذ مطلع السبعينات وبلغت ذروتها في مطلع الثمانينات.

هذه العلاقة لم تكن محل قبول كل النخب القبطية، حيث ظهر من بينها من يرفضها، ويرى أن تمثيل الأقباط أمام الدولة ينبغي أن يكون من خلال مشاركتهم في الأحزاب ومنظمات المجتمع المدني والبرلمانات.. الخ، وليس من خلال الكنيسة التي ينبغي أن تقتصر على دورها الرعوي الديني فقط، وقد عبر عن ذلك بشكل واضح السياسي القبطي جمال أسعد عبد الملاك في كتابه "من يمثل الأقباط.. الدولة أم البابا؟".

فتحت ثورة 25 يناير 2011 الباب واسعا نحو المشاركة القبطية في العمل العام، وانضمت أعداد منهم للأحزاب السياسية، بل أسس أحد الوجوه القبطية (رجل الأعمال نجيب ساويرس) حزبا (المصريين الأحرار)، وظهرت بعض الشخصيات القبطية في مواقع قيادية في أحزاب أخرى، ولكن عقب انقلاب الثالث من تموز/ يوليو 2013 تسببت مخاوف الأقباط من الاستهداف في عودتهم مجددا إلى حضن الكنيسة كممثل لهم أمام الدولة، خاصة أنها نجحت بالفعل في تحقيق العديد من المكاسب التي كانت مستحيلة التحقيق من قبل، بل بادر النظام الجديد وفي إطار بحثه عن ظهير شعبي إلى تحقيق مكتسبات لم تطالب بها الكنيسة ذاتها؛ مثل بناء أكبر كاتدرائية في الشرق الأوسط في العاصمة الجديدة، والتي تم افتتاحها مطلع العام 2019، وتقع علي مساحة 15 فدانا؛ أي ما يعادل 63 ألف متر مربع، وتتسع لأكثر من 8 آلاف شخص.

عقب انقلاب الثالث من تموز/ يوليو 2013 تسببت مخاوف الأقباط من الاستهداف في عودتهم مجددا إلى حضن الكنيسة كممثل لهم أمام الدولة، خاصة أنها نجحت بالفعل في تحقيق العديد من المكاسب التي كانت مستحيلة التحقيق من قبل، بل بادر النظام الجديد وفي إطار بحثه عن ظهير شعبي إلى تحقيق مكتسبات لم تطالب بها الكنيسة ذاتها

وقبل 3 أيام قام وفد رفيع المستوى من القوات المسلحة يتقدمه وزير الدفاع ورئيس الأركان وقادة الأفرع، وقادة الجيوش بزيارة الكاتدرائية الجديدة لتقديم التهنئة للبابا تاواضروس، وبالتالي لم يكن غريبا أن تبرز كلمات رؤساء الكنائس في احتفالات عيد الميلاد التي جرت خلال الأيام الماضية دعمها الكبير للسيسي، وتهنئته بالفوز مجددا.

الموقف القبطي من القضية الفلسطينية تراجع كثيرا بعد وفاة البابا شنودة الثالث آذار/ مارس 2012، والذي كان يوصف في بعض الكتابات بأنه بابا العرب بالنظر إلى موقفه الداعم للقضية الفلسطينية والرافض للتطبيع، ولم يكن مجرد موقف نظري بل أتبعه بقرار عملي بمنع الأقباط المصريين من زيارة الأماكن المقدسة في فلسطين المحتلة التزاما بالموقف الوطني العام، ووضع عقوبة هي الحرمان الكنسي لمن يخالف ذلك القرار الذي ظل معمولا به حتى وصول البابا تاواضروس الحالي والذي تراجع عن القرار السابق، وفتح الباب لزيارة المسيحيين للقدس، ما يعني فتح الباب للتطبيع السياحي حيث تستلزم تلك الزيارات وجود شركات سياحة ونقل واتصالات مع الجانب الإسرائيلي للتنسيق المسبق.

موقف البابا الراحل شنودة كان سابقا على توليه مقعد البابوية، حيث عقد بصفته أسقفا للتعليم عام 1963 مؤتمرا صحفيا في المقر البابوي أوضح فيه رأي الكنيسة القبطية في وثيقة تبرئة اليهود من جريمة تعذيب السيد المسيح، التي حاول أحد الكرادلة الألمان إصدارها وعرضها على مجمع الفاتيكان، وسجل للأقباط موقفا وطنيا مشهودا له. كما ألقى محاضرة في نقابة الصحفيين عام 1966 بعنوان "إسرائيل في المسيحية" فند فيها مقولة شعب الله المختار، وكان خلافه مع الرئيس الراحل أنور السادات سببا إضافيا لرفض التطبيع الذي حاول السادات تسويقه وفقا لاتفاقية السلام مع الكيان الصهيوني.

العلاقة الحميمة بين البابا الحالي وقيادة الدولة جعلته يتماهى بشكل تام مع السياسات الرسمية، ومن بينها الموقف من حرب غزة، لكن الأمر المفتقد هو وجود حركة مسيحية مدنية بعيدة عن الكنيسة مناهضة للعدوان، أو على الأقل مشاركة بشكل واضح في الحركات المدنية المصرية العامة المناهضة للعدوان والرافضة للتطبيع، مع التنبيه إلى وجود أصوات تعزف عزفا منفردا.

twitter.com/kotbelaraby
التعليقات (0)