كتب

في كتاب عن العملات المشفرة.. حين يطارد القانون خيوط الدخان

العملات المشفرة هي أموال مفترضة لا يمكن أن نمسكها باليد أولا، وهي معادل رمزي للبضائع متحققة في الواقع رغم عدم امتلاكها لوجود مادي ثانيا..
العملات المشفرة هي أموال مفترضة لا يمكن أن نمسكها باليد أولا، وهي معادل رمزي للبضائع متحققة في الواقع رغم عدم امتلاكها لوجود مادي ثانيا..
الكتاب: العملات المشفرة (تنازع القوانين في تداول Bitcoin)
الكاتب: علي خليل إسماعيل الحديثي
الناشر: المجموعة العلمية للطباعة والنشر والتوزيع، القاهرة 2023
عدد الصفحات: 182 صفحة.

1


لقد استهوى البحث في علاقة الواقع بالعالم الافتراضي الفيلسوف الفرنسي جيل دولوز . ولكنه انتهى إلى نتائج قد تفاجئنا. فهو لا يفهم الافتراضي على أنه مناقض للواقع بقدر ما يراه استمرارا له. ولا يجده طارئا جديدا في حياتنا ظهر بظهور الانترنت.  فالافتراضي عنده مرتبط ارتباطا عميقا بالحياة الإنسانية وبتطورها. فلطالما كان أداة من أدوات الفهم. بل إننا لا نتفاعل مع العالم من حولنا ولا نغدو منتجين فيه، أيما كان الإنتاج، إلا إذا ما توفقنا في صياغة نسخ منه قائمة على الافتراض والمحاكاة كما في القصّ أو في الرسم.

ما الافتراضي إذن؟ إنه ذاك الذي يبدو "كما لو أنه حقيقي". وليس هو عنصرا ماديا بالضرورة ولكنه تأثير ناتج عن تفاعلات المواد، كالتأثير المنتج للصورة التي تظهر على شاشة الحاسوب. فهذه تولّد احتمالية التي تتحقق في الواقع، فلا تغدو بعد مادية ولكن فيها شيء من الحقيقة، رغم بعدها الافتراضي.

2

ولعلّ العملات المشفرة أن تشكّل أفضل تجسيد للافتراضي الذي تضجّ به حياتنا اليوم. فهي أموال مفترضة لا يمكن أن نمسكها باليد أولا، وهي معادل رمزي للبضائع متحققة في الواقع رغم عدم امتلاكها لوجود مادي ثانيا. فلا هي متخيلة يهبها لنا مصباح علاء الدين السحري ولا هي تخرج من كيس من سليمان كما في الأساطير.

ويزداد وجه المفارقة فيها من ارتباطها بالذكاء الاصطناعي، تلك التقنية التي تحاكي الذكاء البشري في أداء المهام وتكاد تنوب عنه في تشكيل مصيرنا حتى أصبحنا نخشى على سلامة حياتنا المادية. ونشعر أننا بتنا نركب سفينة فضائية تأخذنا بسرعة لا متناهية ولكننا لا نعرف إلى أين سترسي بنا وهل ستكفل لنا العودة من هذه الرحلة الشيقة أم أنها ستتركنا عالقين في عوالم الافتراض؟ وكتاب "العملات المشفرة (تنازع القوانين في تداول Bitcoin)" للدكتور على خليل إسماعيل الحديثي أستاذ القانون الدولي، يأخذنا إلى هذه العوالم الجديدة والمبهرة. ويخوض في إشكالاتها القانونية الطارئة.

3

يعرّف الباحث العملات الافتراضية أو الرقمية أو المشفرة بكونها نوعا من العملات الإلكترونية لا تحظى بوجود مادي كالأوراق المالية أو الأوراق النقدية ولا تتاح إلاّ على شكل رقعي. وتعرّف أيضا بكونها أداة كمبيوترية ثورية. وعملة البيتكوين واحدة منها. ولكن لا يتم تداولها إلاّ من خلال تقنية يشار إلها باسم معاملات  (Blockchain)التي تقوم مقام المصارف بالنسبة إلى العملات الورقية والمعدنية.

وهذا كلّه يقتضي تقنية لامركزية معقدة تستخدم حواسيب فائقة السرعة. وعلى عبارة ديلوز تبدو هذه العملة "كما لو أنها حقيقية". فهي تسمح بالمعاملات الفورية ونقل الملكية بلا حدود. فيتم نقل مبالغ منها من حساب رقعي إلى آخر شرط أن تكون المعاملة صحيحة ومصحوبة بتوقيع نافذ من صاحب الحساب.

وتحتاج إلى حسابات مصرفية للأشخاص الطبيعيين أو الاعتباريين. ولكن وجه الافتراض منها يعود إلى ارتباطها بالانترنت. فجميع عملياتها تتمّ من خلاله. وتستمد صفة الذكاء من ارتباطها بالذكاء الاصطناعي. فنتحدّث عن إبرام العقود الذكية التي تعقد بين أطراف تختلف جنسياتهم وأماكن إقامتهم.

4

يظل النظام المالي المادي بعدا اعتباريا لا ينفكّ النظام المالي الافتراضي يحاكيه. فله نظام للتعدين ينتج وحدات من العملة المشفرة. ولا يرتبط هذا النظام بالتنقيب واستخراج المعادن كما في الواقع المادي بطبيعة الحال وإنما باعتماد برمجيات مخصّصة تقوم بفك الشفرات والعمليات الحسابية المعقدة الخوارزميات. وتحتاج إلى أجهزة كمبيوتر ذات الأداء العالي والقادرة على تحمّل الجهد المبذول من قبل هذه البرمجيات. والمُعدّن هو الشخص المسؤول عن تشغيل نظام (Blockchain) من خلال تعدين البيتكوين. فيتقاضى "مكافأة الكتلة" و"رسوم المعاملات" من قبل المستخدمين.

ولا يمكن لأجزاء من المعاملة على (Blockchain) أن تتم إلا من خلال تشغيل ما يصطلح عليه بالمحفظة الرقمية التي يخزّن ضمنها المستخدمون عملاتهم المشفرة. وتقتضي مفتاحي تشفير، مفتاحا عاما وآخر خاصا. فيمكّن المفتاح الخاص المستخدمين من الوصول إلى محفظهم لإجراء معاملتهم. ويتم استخدام المفتاح العام بواسطة الشبكة لتحديد هوية المستخدم. وتحفظ هذه المحفظة، فضلا عن المنصة، على جهاز الحاسوب الشخصي أو في هاتف ذكي. ويمكن للمستخدم أن تكون لديه محفظة واحدة أو أكثر.

5

ولهذا النظام المالي، رغم أنه لا يلقى الاعتراف الرسمي من كلّ الدول، أهميته الخاصّة. فعمله لا مركزي. فلا يرتبط بدوام ولا يتوقف في العطل ولا ينتظر المستخدمُ طويلا لإتمام المعاملات. ومدّة عشر دقائق تقريبا كافية لإتمام العمليات المالية. ومن مزاياها مجانية الرسوم والشفافية. وبالمقابل تظل تكلفتها التكنولوجية عالية. ويواجه المستخدم مخاطر فقدان المحفظة الإلكترونية،إذا ما تعذر على المستخدم الوصول إليها بسبب خطأ في إدخال شفرة المفتاح الخاص أو في حالة نسيانها. وتظهر قائمة معاملاته السابقة للعموم فيفقد خصوصيته.

6

ولطبيعة الانترنت التي حولّت العالم إلى قرية ولدت العملات المشفّرة دوليةً. وهنا الإشكال الأكبر الذي يواجهه المستخدمون. فمع تنامي استخدامها وافتقارها لتنظيم قانوني موحد يحكم معاملاتها ونظرا لطبيعتها التقنية المعقدة أصبحت تثير عديد المشاكل القانونية. والأمر لا يتعلّق بمعاملات  (Blockchain) موضوع الكتاب فحسب، بقدر ما يشمل مختلف الأعمال الإلكترونية  (E-BUSINESS) التي تتضمن علاقة المورد أو البائع بالعميل، وعلاقة الشركات بوكلائها وموظفها وعملائها ومختلف ضروب التعامل في العالم الرقمي كالعقود الذكية التي تجريها البنوك والتأمين الإلكتروني وطلب الخدمات وتلقها بآليات تقنية.

لقد بات الافتراضي اليوم واقعيا أكثر من الواقع نفسه. فسوق العملات الافتراضية الرقمية يشهد نمواً متزايداً كل حين. والأرقام تشير إلى أكثر من 9000 عملة رقمية متداولة اليوم. ولكن هذه السوق الثورية لم تخل من هنات.
وتعرف التجارة بكونها مجموعة من الأنشطة وفق احتياجات المستهلك في مكان وزمان محدّدين.  تنقسم من حيث الإبرام إلى عقود رضائية وأخرى شكلية، فالعقود الرضائية هي التي تعقد بمجرد تبادل الرضا بين أطرافها أما الثانية فهي العقود التي تستلزم شكلاً معيناً لانعقادها وذلك لغرض إثباتها كاقتران الإيجاب بالقبول سواء كان الإيجاب عادياً أم ملزماً، أو اشتراط الكتابة في العقد مثلاً.

وقد تكون رسمية موثقة أو عرفية. ووفق الباحث، فغياب ركن من هذه الأركان يؤدي إلى بطلان العقد. وتخضع للاتفاقيات الثنائية بين الدول أو الاتفاقيات الدولية، كالاتفاقية الدّولية للتجارة (GATS) . أما التجارة الإلكترونية وبصرف النظر عن نوعية السلع أو مدى مشروعيتها، فهي عبارة عن إدارة للأنشطة التجارية المتعلقة بالبضائع والخدمات ولكن عبر وسيط إلكتروني يتمّ الوصول إليها شبكة الإنترنت.

7

ولكن ثمة أسئلة كثيرةٌ ما انفكت تطرح وإشكالات عديدة ما انفكت تطرأ. فهل للاستخدام هذه التكنولوجيا أي تأثير قانوني على الحقوق والالتزامات التي يفترض أنها تنشأ من عملية التداول أم لا ؟ وما دور الدول في هذه التجارة التي تجري على أرضها ظاهرا وفي إطار القرية الكونية الافتراضية في جلية الأمر وكيف لهذه الدّول أن تمارس سيادتها الوطنية وتحلّ النزاعات التي يمكن أن يتورّط فيها مواطنوها، يتساءل علي خليل إسماعيل الحديثي؟ بيّن إذن أنّ التحول من النظام التقليدي العادي إلى نظام تقني جديد يقترن بالحاجة إلى تبني قواعد قانونية جديدة قادرة على استيعاب هذه التقنية والمعاملات التي تتم على الإنترنت وبضرورة تحديث التشريعات الوطنية، بما في ذلك ما يتعلّق بالعقود وبالتوقيعات الإلكترونية.

 لقد أصبحت الجرائم التي ترتكب في هذه التجارة تستهدف المواقع الإلكترونية والبنوك وتتلاعب بالبيانات وسرقة الأموال. وباتت قضايا مستجدّة، تكلّف فقهاء القانون الجنائي عبئاً كبيراً. وأصبحت بعض القواعد القانونية لا تتماشى والوضع القائم كقاعدة "لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص" مثلا، فكيف ستجرم بعض الممارسات والقانون لم يتمثلها بعد من جهة؟ وكيف سيتصرّف المشرع الجنائي المطالب بالتدخل لحماية المجتمع من هذه الأنماط الحديثة للجريمة العابرة للحدود؟

8

لقد بات الافتراضي اليوم واقعيا أكثر من الواقع نفسه. فسوق العملات الافتراضية الرقمية يشهد نمواً متزايداً كل حين. والأرقام تشير إلى أكثر من 9000 عملة رقمية متداولة اليوم. ولكن هذه السوق الثورية لم تخل من هنات. فإبرام العقود الذكية أو التأخر في التسليم أو السداد أو ما يشوبها من احتيال أو تزوير يفضي إلى منازعات قانونية دولية أطرافها من جنسيات متعددة غالبا لا يجد لها قانون التجارة جوابا. ومع ذلك لا يمكن للنهر أن يعود على أعقابه ولا للزمن أن يعود على الخلف. وليس أمام المجتمعات اليوم إلا أن تغيّر من سلوكها، وأن تتحول أعمالها من النمط اليدوي أو المادي (التقليدي) إلى النمط الرقمي.

وفضل هذا الكتاب في إسهامه في الدّفع بالوعي بهذه الإشكاليات وفي بحثه عن سبل لمواجهة المستجدّ من المنازعات وعن القواعد التي يمكن أن تتّبع وما يترتب عليها من تبعات. فهل يتساءل مثلا هل نُسقط على هذه الوضعيات المستجدّة [قانون الإدارة] الذي يقارب المسألة في ظل معطيات ك"الاتفاق الصّريح" و"الاتفاق الضمني" ويأخذ بعين الاعتبار مدى جدية الاتفاق بين الأطراف المتنازعة و[قانون المواطن]. وعامة يخوض في تفاصيل كثيرة ودقيقة من صميم فقه القانون.

9

لقد سعت الدول المتقدمة إلى تحيين قوانينها لتستوعب الإشكالات التي ما فتئت تبرز نتيجة للتحولات التقنية المتسارعة في عالمنا اليوم. فسُنت التشريعات الجنائية كالقانون الفرنسي لجرائم الكومبيوتر رقم 1170 لعام 1990 وأبرمت العديد من الاتفاقيات ذات الصلة كالاتفاقية الأوروبية لجرائم الكومبيوتر لعام 2001. وساوى المشرع الألماني بين فعل إنشاء وثيقة إلكترونية مصطنعة وبين إحداث التغيير في النتيجة المطلوبة من هذا الوثيقة إضافة إلى الحماية المباشرة التي يوفرها لنظام المعاملات الإلكترونية، من خلال تجريمه للأفعال الماسة بأمن البيانات والمعاملات الإلكترونية ونظامها سواء تمثل ذلك بالغش والاحتيال أو بالإتلاف أو غير ذلك من الوسائل التي تؤدي إلى الإخلال بسلامة البيانات الإلكترونية.

وتجاوز فقه القانون الدولي بعض الإشكالات القانونية فذهب إلى اعتماد الكتابة أو ما يثبت الكتابة بمثابة الركن الأساسي للإثبات في المحرر الإلكتروني وإلى تقصّي ما يوجد من علامات تحمل معنى الإيجاب في مضمونها عند عقد العقد إلكترونياً. والسؤال المطروح اليوم في بلداننا العربية هو بكل تأكيد: أين نحن من كل هذا الحراك الدولي؟

رغم كون الكتاب تقنيا أساسا يطرح مسائل قانونية من مستواها الأكاديمي، فإنه يستدعي إلى الأذهان المستوى الحضاري من المسألة. فيثير أسئلة تتعلّق بسياسة الدول العربية في تحيين تشريعاتها وقوانينها لاستيعاب التحولات الطارئة في عالم الاقتصاد بعد أن فشلت في ترهيين سياساتها لاستيعاب التحولات الطارئة في تدبير شؤون الحكم في ظل أنظمة مدنية ديمقراطية.
التعليقات (1)
د علي خليل اسماعيل
الأحد، 20-08-2023 02:29 ص
شكرا لك على هذا التقييم المفرح اشكركم من كل قلبي اخوكم د. علي خليل اسماعيل الحديثي