قضايا وآراء

سيناريوهات الحرب الإسرائيلية القادمة (ما بين متعددة الجبهات وكثافة النيران)

كنعان الديب
1300x600
1300x600
شهدت السنوات الأخيرة تصريحات متعددة من قيادات إسرائيلية على جميع المستويات، لشكل الحرب المُقبلة وأهدافها التي تسعى لتحقيقها، حيث سنناقش في هذه الورقة أبرز التصريحات الإسرائيلية للحرب المقبلة على جبهات المقاومة، لتكوين فكرة عن صورة الحرب برؤية إسرائيلية، ومعرفة موقع المقاومة من هذه الحرب، وصولا إلى الخروج بالسيناريوهات المتوقعة لشكل الحرب القادمة:

أبرز التصريحات الإسرائيلية للمواجهة المُقبلة جاءت كالتالي:

- وضع رئيس أركان الجيش الإسرائيلي أفيف كوخافي بداية استلامه منصبه خطة تنوفا، التي تعتمد بشكل رئيس على مبدأ حسم العدو بشكل سريع وبالغ القوة، مقابل جبهات كبيرة ومعقدة. ومن أجل نجاح هذه الخطة، قال كوخافي؛ إنه سيدمر آلاف الأهداف في كل يوم، وستشارك كل الأذرع العسكرية بما فيها البرية والقيام باجتياح فعلي على الأرض دون اكتفاء بالنار عن بعد. ووضع كوخافي هدف قتل 300 ناشط من عناصر المقاومة في كل يوم قتالي في بداية الحملة.

-وتحدث كوخافي بأنه سيستهدف المدنيين ومنازلهم بزعم استخدامها مخازن أسلحة للمقاومة، حيث قال: "أحذر مواطني غزة ولبنان، بمجرد أن تبدأ التوترات غادروا المكان الذي فيه الصواريخ".

- فيما قال الخبير العسكري أمير بوخبوط؛ إن الخطة الإسرائيلية القادمة تتضمن أسلحة جديدة ومفاجئة لمحاربة مقاتلي المقاومة، وأنه سيتم التركيز على تدمير المباني الشاهقة.

- ووضعت قيادة المنطقة الجنوبية أيضا مصطلح قتالي يُدعى "روح داروم" (روح الجنوب) بهدف إنهاء الصراع بسرعة وفاعلية أكبر من السابق. ودخل أيضا القاموس الإسرائيلي مصطلح "عقيدة الضاحية"، الذي يعني تدمير التجمعات السكانية الفلسطينية والعربية في أي مواجهة مع المقاومة.

- فيما أكد رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو أنه في الحرب القادمة لن تكون هناك حصانة لمطلقي الصواريخ أو قادتهم حتى لو كانوا وسط المدنيين. والتقدير في جهاز الأمن الإسرائيلي أن إنجازا عملياتيا واضحا في الحملة منذ مراحلها الأولى، كفيل بأن يقصر مدة الحرب بشكل كبير.

- وأشار سيناريو لمعهد دراسات الأمن القومي إلى أن "الحرب القادمة ستكون متعددة المسارح"، وأوصى بالحفاظ على السياسة الحالية لإسرائيل، والمعروفة باسم "الحملة بين الحروب"، وهي عملية محدودة لتقليل خطر الصواريخ الدقيقة والقدرات الأساسية. وإحدى توصيات المعهد، المضي قدما في بناء معلومات استخبارية دقيقة وقدرات هجومية محدودة، بالإضافة إلى قدرات دفاعية متعددة المستويات، وتعزيز وتهيئة القدرات البرية للاستعداد لتنفيذ معركة دفاعية.

- أما آيزنكوت رئيس الأركان السابق؛ فقد تحدث أن كل ما يقع تحت استخدام المقاومة سيدمر، وأن الحصانة لن تُمنح للمدنيين. وركز على خوض حرب متعددة الجبهات المتمثلة في "إيران والفلسطينيين، السايبر والجبهة الداخلية"، وشدد على عدم التركيز على مفهوم حسم المعركة بقدر التركيز على الانتصار، واهتم بموضوع التنصت والسايبر، التي اعتبرها مثلها مثل القوات البرية في الحرب القادمة.

- وبيّن آيزنكوت أن التقديرات تشير إلى أنه ستكون لحماس وحزب الله إنجازات ملموسة في الحرب القادمة على أرض الميدان، أو بدائل أخرى مثل احتلال مستوطنات أو مواقع عسكرية وبسرعة، لكن آيزنكوت يقول؛ إن الأمر ليس خطيرا، ويقول إنه "يجب عدم المبالغة، فالإنجازات العسكرية يتم قياسها بنهاية المعركة بعد أن يطرد الجيش الغزاة".

- وأوضحت القناة العبرية 12، أن ضباط العمليات والاستخبارات في القيادة الجنوبية للجيش الإسرائيلي، وصفوا خطة القتال الجديدة والمتقدمة بأن "مستوى دقة الهجمة فيها سيصل إلى مستوى استهداف غرفة داخل منزل، حيث يوجد الهدف، ويمكن مهاجمة مئات الأهداف خلال وقت قصير".

مما سبق، نستخلص أن إسرائيل تعمل على تهيئة العالم لتقبل ما سترتكبه من مجازر بحق المدنيين في غزة ولبنان في الحرب القادمة، التي من الواضح أن هذه الخطط قد أنجزت وفق استراتيجية الأرض المحروقة. وتأكيدا لما سبق، أصبح القادة الإسرائيليون يركزون على مصطلح الحسم السريع، وهذا الحسم يكون من خلال ضربات كثيفة وقاسية تؤدي إلى إنهاك المقاومة.

سيناريوهات الحرب القادمة في ظل تصريحات القادة الإسرائيليين:

ستبدأ هذه الحرب من خلال اعتقاد أحد الأطراف أنه قادر على توجيه ضربة قاسية للآخر، ويكون ذلك من خلال وصول حزب الله اللبناني وإيران إلى قناعة بأنه يريد فرض قواعد جديدة مع إسرائيل، وخاصة وقف سياسة ضرب قواته المستمرة في سوريا، أو إحراز تقدم على الأرض. وسنتحدث في هذه النقطة عن ثلاثة من السيناريوهات، وهي كالتالي:

السيناريو الأول: حرب متعددة الجبهات دون إيران:

يكون هذا السيناريو من خلال حرب متعددة الجبهات تشمل (سوريا، لبنان، العراق، غزة بشكل رمزي)، دون دخول إيران وأراضيها بالحرب. وهذا السيناريو ينجح في حال قامت قوى المقاومة في التوحد لمواجهة إسرائيل بعد تعرض حزب الله اللبناني، أو قوات إيران المنتشرة في سوريا لضربة إسرائيلية قاسية، فتضطر إيران لتوجيه وكلائها في المنطقة العربية للرد على إسرائيل بضربات محدودة تتدحرج لحرب قاسية.

في المرحلة الثانية من هذه المواجهة تقوم إسرائيل باستخدام جميع قدرتها (البرية، الجوية، البحرية، السايبر)، وصولا إلى استخدام سياسة الأرض المحروقة في المناطق الحضرية في لبنان، وإلحاق ضرر كبير فيها.

في المقابل، تقوم قوى المقاومة بتوجيه ضربات صاروخية قاسية ودقيقة من جبهات متعددة لإسرائيل، تشمل ضرب أهداف استراتيجية (مطارات، بنى تحتية، محطات الطاقة، والغاز)، بالإضافة إلى وزارات ومؤسسات حيوية (أبرزها مقر وزارة الدفاع، والكنيست، ومبنى رئاسة الأركان)، وقيادات وقواعد عسكرية مهمة، وستواجه إسرائيل طائرات دون طيار بشكل كبير في أجوائها، لتضرب أهدافا استراتيجية. وستتمكن قوى المقاومة في هذه المعركة احتلال أجزاء من المستوطنات الإسرائيلية بشكل مؤقت، قبل أن تقوم إسرائيل بضربات مكثفة تجبر المقاومة من الخروج منها، تحت مسمى الأرض المحروقة، وستكون للحرب السيبرانية دور كبير في الحرب القادمة، سواء من المقاومة أو من إسرائيل.

يكون الدور الأكبر في هذه الحرب لكل من لبنان وسوريا، نظرا لقرب حدودها مع إسرائيل وزيادة الاشتباك مع الاحتلال، أما قطاع غزة فقد يشارك بصورة رمزية من خلال إطلاق بعض الفصائل الفلسطينية صواريخ على إسرائيل دون الدخول بمواجهة كبيرة.

هذه الحرب ستخرج منها جميع الجبهات منهكة؛ نظرا لكثافة النيران المستخدمة، وتخرج منها إسرائيل بخسارة واضحة، تكون أول خسارة عسكرية منذ احتلالها للأراضي الفلسطينية عام 1948م، نظرا لاستهداف إسرائيل بآلاف الصواريخ واحتلال مستوطنات إسرائيلية بشكل مؤقت في حدود كل من لبنان وسوريا، وجبهة غزة في حال دخلت بثقلها في المعركة.

السيناريو الثاني: حرب متعددة الجبهات تشارك فيها إيران:

يقول هذا السيناريو؛ إن الحرب ستكون بمشاركة جميع الجبهات (سوريا، لبنان، العراق، اليمن، وغزة بشكل رمزي)، بالإضافة إلى دخول إيران إلى الميدان، وإطلاقها صواريخ بالستية وصواريخ بحرية من أراضيها باتجاه إسرائيل، ويكون الحرس الثوري الإيراني هو من يقود القتال. وهذا السيناريو يكون سببه عملية إسرائيلية ضد إيران، أو العكس، عملية إيرانية ضد إسرائيل، أو من خلال استخدام إيران وكلاءها في المنطقة لتوجيه ضربة لإسرائيل.

وأحد مبررات توجه إيران لتلك الضربة الضائقة المستمرة الناتجة عن الضغط المتصاعد عليها من الولايات المتحدة، أما مبررات إسرائيل فهي توجيه ضربة استباقية في ظل وصول معلومات استخبارية عن وصول التهديد الإيراني إلى مرحلة متقدمة، وأن عملية عسكرية هي الحل الأمثل.

دخول إيران المواجهة يعني مشاركة إقليمية ودولية في الحرب، وهذا الأمر يعزز تدخل الولايات المتحدة الأمريكية في الحرب، لوقف الضربات الإيرانية تجاه إسرائيل، وهذا الأمر يؤدي إلى إشعال حرب جديدة في الخليج بين إيران والولايات المتحدة. وستكون حرب الناقلات وضرب القواعد الأمريكية في الخليج العربي بداية المواجهة، وستدخل دول الخليج العربي تلقائيا في هذه المواجهة، من خلال استخدام أراضيها من قبل الولايات المتحدة في حربها ضد إيران. وسيكون للحوثيين في اليمن الدور الأكبر في ضرب المصالح الأمريكية في دول الخليج العربي، وستكون لهذه الحرب نتائج كارثية على الإقليم بشكل عام.

في هذا السيناريو سيكون دور كبير للوساطة الروسية التي ستتدخل في المواجهة، وتكون لاعبا إقليميا ودوليا بين جميع الأطراف، التي يُعتقد أنها أحد "مخارج الحرب" من خلال الضغط الإسرائيلي على روسيا لوقف الحرب عند حد معين.

السيناريو الثالث: حرب على جبهة غزة دون مشاركة جبهات المقاومة الأخرى:

يبقى هذا السيناريو الأقرب للحدوث من بين السيناريوهات الأخرى، وخاصة على المدى القريب، وذلك نظرا لعدم استقرار جبهة غزة. فهذه الجبهة الوحيدة التي لا يستطيع أحد التنبؤ في استقرارها، فالمواجهات فيها تأتي في أغلب الأحيان بشكل مفاجئ ودائم.

فدخول غزة في حرب ستكون حربا رابعة تشهدها خلال فترة قصيرة، وتأتي هذه الحرب نتيجة عدة أسباب؛ من أبرزها قيام إسرائيل باستهداف شخصية قيادية كبيرة في القطاع، أو وصول الحصار المفروض على القطاع إلى مرحلة كبيرة من الضغط، تُجبر المقاومة بتوجيه ضربة لإسرائيل على إثرها، تقوم حرب بين الجانبين، وفي هذه الحرب لن تكون مثل سابقاتها.

فالمقاومة في غزة أصبحت أكثر دراية في توجيه ضربات قاسية للجيش الإسرائيلي، واستطاعت في الحروب السابقة توجيه ضربات قاسية على جميع الأصعدة (البرية، البحرية، الجوية، السايبر). فإذا تمكنت في الحرب السابقة من اقتحام مستوطنات وقتل أشخاص فيها والانسحاب بأمان، فإنه في الحرب المقبلة من الممكن مساومة إسرائيل على هذه الأراضي ومن فيها من المستوطنين. وكذلك من الممكن وجود مفاجآت تظهر في موضوع البحر، أو الطائرات بدون طيار، أو الحرب السيبرانية التي أثبتت قدرة حركة حماس في الحرب الماضية على إدارتها بكل قوة.

في المقابل، فإن الجيش الإسرائيلي سيقوم بتوجيه ضربة قاسية لقطاع غزة، من خلال سياسية الأرض المحروقة التي ينادي بها ضد مناطق إطلاق الصواريخ، والتي من شأنها التأثير على مجريات الحرب.

في هذه الحرب، سيكون للوساطات المصرية والأوربية والأمم المتحدة الدور الكبير في وقف هذه الحرب عند حد معين.

نستخلص مما سبق بأن الحرب القادمة ستكون قاسية ومدمرة للجميع، بحيث سيسقط عدد كبير من القتلى والجرحى من الجانبين، وتُدمر مناطق وقرى بأكملها.

وسيكون ثمن الحرب القادمة باهظا جدا بالنسبة لإسرائيل ولبنان وغزة، حيث إن إسرائيل ستتعرض لضربة غير مسبوقة في تاريخها. والسبب أن إسرائيل لم تتعرض لهجمات كبيرة منذ احتلالها لفلسطين كالتي من المتوقع أن تتعرض لها في أي حرب قادمة.

ففي جميع الحروب السابقة اعتبرت إسرائيل نفسها المنتصر (حرب 48 وإقامة الدولة، وحرب سيناء 1956، وحرب 1967 واحتلالها سيناء والضفة والجولان، وحرب 1973 التي استعادت دورها فيها، وكذلك حرب لبنان 1982، والحروب الإسرائيلية على لبنان وغزة في القرن الواحد والعشرين)، لذلك ستكون الفائدة الإسرائيلية قليلة جدا وظهور تراجع كبير في قدرة الردع الموجودة لديها.

بالرغم من عدم تمني أحد الأطراف وقوع الحرب القادمة، إلا أن الحرب القادمة حقيقية وليست خيالا، وستكون خلال الفترة القادمة، سواء الأشهر أو السنوات القليلة القادمة لا محالة. والتقدير أن القادم أسوأ لجميع الأطراف المشاركة، ومن المتوقع أن من يمتلك المعلومة الاستخبارية الأقوى هو من سيفرض عنصر القوة في الحرب.

والسؤال الأخير الذي يطرح نفسه بقوة، أنه في حال تعرضت إسرائيل لضربات قاسية، ووصلت إلى حد تهديد وجودها، هل ستستخدم الأسلحة النووية التي تمتلكها على جميع الجبهات، وبخاصة إيران؟
التعليقات (0)