قضايا وآراء

اللبنانيون بين تردي الحال ومقال توتال

محمد موسى
1300x600
1300x600
لا يختلف اثنان في لبنان أن الأعياد التي مرت أواخر العام المنصرم 2019 هي من الأسوأ، إن لم نقل إنها الأسوأ على الإطلاق على المستويات كافة اقتصاديا وسياسيا ونقديا وماليا، منذ نشوء دولة لبنان الكبير عام 1920 في قصر الصنوبر البيروتي العريق.

إن الناظر في حالة الشاشات اللبنانية المتألقة دائما لم يجد ما يبهره أو يجذبه كالعادة، وكأني بها شاشات حزينة تندب القلة في زمن الفقر والعوز والتسول لأموالكم الخاصة على أبواب المصارف.

في غمرة الأعياد ما زالت انتفاضة اللبنانيين قائمة وإن خفت بعض الشيء في ظل زمن الأعياد المجيدة، وطقس بارد وجاف يشبه حال جيوب معظم الطبقات الاجتماعية في البلد التي تصرخ في بيداء لا يسمعها أحد. فمعظم الناس يعيشون حالة الكابيتال كونترول غير المعلنة، حتى أنك يوميا تنتظر عبر هاتفك الجوال مشاهد تأتيك عبر تقنية الواتساب (مفجر الثورة) لتعرض عليك مشاكل الناس وأصواتهم في هذا المصرف أو ذاك، من مشهد سيدة تصرخ تريد المال لشراء الخبر إلى آخر يريد تعبئة المازوت والوصف يطول.

دخل الاقتصاد اللبناني منذ أوائل العام 2016 مرحلة من التقلبات والمخاطر التي تجلّت في انحسار معدلات نمو الناتج المحلّي الإجمالي، وارتفاع الفوائد، وانخفاض أسعار السندات اللبنانية في الخارج، بالإضافة إلى ارتفاع العجز في الحسابات المالية إلى حدود غير مسبوقة، في ظلّ نمو مطّرد للدين العام وخفض للتصنيف الائتماني للسندات السيادية. كذلك، شهد ميزان المدفوعات عجوزات متواصلة.

هناك ترابط أكيد بين السياسات الاقتصادية وعجز الخزينة وخدمة الدين العام، يتطلّب البحث عن حلول بديلة لتجنّب الأزمة وحماية الاقتصاد من صدمة في سعر الصرف، أو في تمويل الحساب الجاري، أو في أداء المستحقات السيادية، أو في تمويل نفقات الدولة اللبنانية. وهو ما يتطلّب بناء سياسة مالية قائمة على عدالة النظام الضريبي للحدّ من التهرّب الضريبي والتهريب وخفض معدّلات الضرائب غير المباشرة في مقابل زيادة معدّلات الضرائب المباشرة، على أن يترافق ذلك مع خفض النفقات العامّة من خلال حلّ مشكلة الكهرباء، وخفض الفوائد على الدين العام، وخصوصا السندات الحكومية التي يحملها مصرف لبنان، وخفض عدد وكلفة القطاع العام ووقف كل أشكال المنافع والعطاءات والتقديمات، ووقف التوظيف مع العمل على تقليل القطاع العام لفترة تمتدُّ لسنوات قادمة حتى العام 2023.

إن الناظر في الأرقام والمؤشرات الاقتصادية والمالية والنقدية في لبنان لا يحتاج الكثير من العناء ليدرك أن الأزمة واقعة ومستفحلة. فالبطالة واصلت ارتفاعها، وخاصة بين الشباب مع تزايد المؤسسات التي تعلن إفلاسها واحدة تلو أخرى. فحسب دراسات البنك الدولي، وصلت نسبة البطالة إلى حوالي 37 في المئة والبعض يقدرها بما يفوق 50 في المئة بين الشباب، ناهيك عن كل المؤشرات الدولية لحجم الفساد المستشري أو سوء الأداء الحكومي أو الاستقرار السياسي الهش الذي كلف الخزينة اللبنانية الكثير الكثير، على ما يقول حاكم مصرف لبنان رياض سلامة.

ولعل أبرز ما يشكّل خطورة على اقتصاد لبنان هو ارتفاع قيمة الدين العام ليصل إلى أكثر من 88 مليار دولار في آخر أرقام 2019، ومن المتوقع بلوغه 107 مليارات نهاية 2025 مع فائدة خدمة دين تقارب الأربعة مليارات وأكثر، أي ما يعادل العاشرة ملايين دولار يوميا.

فلبنان يعدّ من بين الدول الأكثر مديونية في العالم، وهو يحتلّ المرتبة الثالثة عالميا من حيث نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي. وبحسب صندوق النقد الدولي بلغت نسبة حجم الدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي في لبنان أكثر من 155 في المئة نهاية العام 2019، بعد أن كانت 100 في المئة في عام 2009، علما أن وكالة بلومبرغ الشهيرة أكدت أن تعثّر لبنان عن سداد ديونه أمرا بالغ الخطورة، ليس على لبنان بل على المنطقة، مشيرة إلى أنّ الأنظار تتجه إلى 9 آذار/ مارس 2020، حين يُفترض سداد سندات خزينة صادرة للدولة اللبنانية بقيمة 1.3 مليار دولار، علما أنّ لبنان الذي لم يتخلّف مرة عن الوفاء بالتزاماته خلال الحرب والصراعات السياسية، ولقد سدّد لبنان الشهر الفائت استحقاق سندات يورو/ باوند بقيمة 1.6 مليار دولار.

وأوضحت الوكالة أنّ المسألة تتعلق اليوم بأي مدى يمكن للبنان الاستفادة من احتياطات العملة الأجنبية، تزامنا مع قدرته على احتواء أسوأ أزمة عملة، حيث بلغ سعر الصرف ما يقارب الألفي ليرة للدولار لدى الصرافين، وذلك مع خطورة ما يقوله الاقتصاديون حول إمكانية جدوى بقاء ربط الليرة بالدولار على ما هو الحال منذ عقديْن من الزمن. كل ذلك ترافق مع تصنيفات سيادية مخيفة وسوداوية صدرت نهاية 2019 عن وكالات التصنيف الائتماني الكبرى، من موديز وستاندرد آند بورز، وصولا إلى فيتش وكابيتال إنتيليجنس مرفقة بتصنيفات تصدعية لأهم المصارف أو ما يعرف بـ"ألفا بنك". أما إذا نظرنا في نسب النمو، فالحال لا يبعد كثيرا عن الصفر مئوية، فإلى متى تردي الأحوال الاقتصادية؟

يجزم الكثيرون بأن لبنان لن يبقى رهنا لما سيصدر عن الكونسرتيوم لتحالف الشركات في ملف الغاز والبترول اللبناني، لا سيما وأننا نعلم بأن شركة توتال الفرنسية بدأت مراحل الحفر في البئر الاستكشافي في بلوك رقم 4 المقابل للسواحل الشمالية لبيروت، والذي تظهر نتائجه طبقا للمعايير العلمية خلال تسعين يوما، بعد أن تسلم الإذن بالحفر من وزيرة الطاقة في 13 كانون الأول/ ديسمبر 2019 والتي قالت: "ستأخذ عملية الحفر حوالي الشهرين يضاف إليها شهران لتحليل المعطيات ومعرفة إمكانية وجود استكشاف تجاري أو لا؛ علما أن نسبة النجاح عالميا هي 1 من أصل 3 آبار استكشافية".

وبالتالي، ينتظر اللبنانيون بارقة أمل من بحرهم تغير حالهم، وتؤكد المعلومات المهمة عن النظام الجيولوجي البترولي في بحر لبنان، ما ينعكس إيجابا، نفسيا واقتصاديا، عليهم من جهة، وعلى دورة التراخيص الثانية للاستثمار في الغاز البحري في المياه الاقتصادية اللبنانية المقررة 31 كانون الثاني/ يناير 2020 موعدا نهائيا لتقديم العروض فيها، من جهة أخرى.

إن مقال توتال المرتقب حول وجود كميات تجارية واعدة في الساحل اللبناني من جهة، مرفقا بحكومة تبعث الثقة محليا ودوليا من جهة أخرى، قد يشكل مدخلا لتحريك الجمود الاقتصادي الحاصل، إن لجهة المانحين من الدول لا سيما المعنية منها بمؤتمر سيدر، وكذلك لدى وكالات التصنيف الائتماني التي ستأخذ هذين الأمرين في عين الاعتبار عند إعادة النظر في تصنيف الدولة اللبنانية ومصارفها العاملة.

وحتى ظهور مقال توتال من يسعف اللبنانيين من تردي الأحوال؟؟
التعليقات (0)