مقالات مختارة

مصر: دور «الذات الحاكمة» في مظاهرات 20 أيلول!

محمد عبد الحكم دياب
1300x600
1300x600

تبدو أوضاع الشباب العربي، ومنهم الشباب المصري شديدة الصعوبة، فقد كُتب عليهم دفع فاتورة سعيهم المتواصل للنهوض وكسر قيود التخلف المكبلة لهم، ولا يجدون مساعدة من الحكم في تحقيق مطالبهم المشروعة، ووضعها في إطار سياسي واقتصادي واجتماعي ودستوري وأخلاقي متوازن؛ تطلعا لتغيير سلمى مأمول، فتشق المنافسات السياسية والانتخابية النزيهة طريقها؛ من يفوز فيها فله الولاية، ومن يخسر فله المشاركة والمعارضة والمتابعة وإبداء الرأي، واقتراح مشروعات التصحيح ووضع خطط العلاج؛ تكون من نصيبه، والحقيقة إن أولي الأمر لا يحسنون التعامل مع الحراك الشبابي، وهو يحاول اجتياز موانع التضييق والمصادرة.. ويتفتق ذهنهم في الغالب على طلب المشورة والمساعدة والحماية من الأعداء، ومقابل ذلك يُغدقون عليهم بالأموال، ويسمحون لهم بالقواعد العسكرية، وبمدمراتهم تجوب مياههم الإقليمية، ويمكنونهم من ثرواتهم المعدنية والنفطية، ويفتحون لهم السماوات والأجواء. وفي المقابل يُحاصرون وبُبتزون، وتُصدر إليهم العداوات والفتن والحروب، وتُنفذ فيهم خطط التدمير والتقسيم والتفتيت، والتمويل يقدم من خزائن العرب وثرواتهم، التي تبدو بلا صاحب.

وحراك الشباب المفتوح في مصر.. دخل مرحلة تعقيد جديدة وإضافية؛ بعد مظاهرات العشرين من أيلول/سبتمبر الماضي.. فقد اهتز عرش الحكم، ولم تستقر «الذات الحاكمة» على حال أو حل، وعجزت عن انتهاز الفرصة، التي واتتها لتعيد النظر فيما كل أخطائها وخطاياها، وتخضعها للتقييم والتقويم.. ولم يجد الشباب إلا الصراخ وعلو الصوت، والإمعان في «تأليه الذات»، وكأن الأخطاء والخطايا مستوردة وليست من صناعة هذه «الذات الحاكمة»، وكل همها البحث عن مشجب تعلقها عليه، وكبش فداء، تحمله المسؤولية، وعينها حاليا على مجلس النواب، أو هو مثل الخاتم في إصبعها، وعينها كذلك على مجلس وزراء، ولا يتعدى كونه عصبة من الموظفين؛ لا علاقة لها بسياسة ولا بتنمية، وينفذ ما يؤمر به، وأيضا على إعلام خائب وغائب، ومن الغرائب تحميله مسؤولية ما لم يفعل، فضلا عن مشجب الإرهاب الجاهز للتخويف والترويع، وتوظيفه لجعل الناس «تمشي جنب الحيط».. بينما استمراره واستفحاله يؤكد العجز والفشل على مختلف الأصعدة.

أسباب التظاهر كامنة فيما صنعت «الذات الحاكمة»؛ المتخصصة في الجباية، والمولعة بالتبديد، ومحفزة رفع الأسعار وراعية الإفقار، والعاملة على خفض مستوى المعيشة.. والمتآخية مع القلة المتخمة، فلا ترتوي، ولا تشبع، ولا تقنع أو تكتفي، وتمتص عرق المواطن، وتستعذب دم «الفقير قوي»!!، إنهم حواريو «الذات الحاكمة» وشركاؤها وندماؤها وهم اختيارها المفضل. ومن أجلهم عاندت من نادى بوقف بناء القصور والمنتجعات الفخمة والعواصم الجديدة؛ قائلة لهم: إنها ستبني وتبني.. فهي لا تبني لنفسها إنما تبني لمصر!!، في وقت ارتفعت فيه نسبة من هم تحت خط الفقر من 27.8 ? يوليو 2016 إلى 32،5? في يوليو 2018.

وما جرى من شباب مصر لا يحسب على الثورات المضادة أو الملونة. والرد عليه هو من أعمال الثورات المضادة والملونة، ما جرى نتاج احتقان وصل ذروته، وتَطلع لاستئناف التغيير المجهض، وعدم إتمامه سيؤدى إلى استمرار الخروج وتكرار التظاهر، فالشباب الوطني الحر لا يستسلم، فقد جرب واعتاد على التحدي والتمرد، وما زال على استعداد لدفع الثمن من أجل حياة كريمة مستحقة، وهو على يقين بجدوى التضحية.. وهذا ما لا تعيه ولا تستوعبه «الذات الحاكمة».

ومن خرج ليس شباب آلي أو «روبوت»، إنهم من دم ولحم ومشاعر وأحاسيس، تحملوا أكثر من طاقتهم، وقدموا أغلى ما يملكون.. وهم من أتوا بـ«الذات الحاكمة»، وفوضوها، فانتقمت منهم، واستبدلتهم بعناصر منتقاة؛ للاستعراض وحضور «مَكْلَمة» منصوبة في أرقى القاعات وأغلاها، وبملابس هي الأغلى والأشيك، ومجوهرات ومصوغات هي الأجود والأنفس؛ باستفزاز لم تره مصر حتى في عصريها العثماني والملكي قبل 1952.. وهم على هيئة دمى شمعية وعرائس براقة، ولهذا فقد الشعب الثقة في كل لغو يقال بلا معنى، وكل كلام مرتجل بلا جدوى.

والحراك الشبابي لم يتوقف منذ استقلال الدولة المصرية، وله تجارب تستحق التأمل، وأحد تجاربه تمت في القرن العشرين، وكانت مصر محتلة؛ ولدت من رحم محافظ وتقليدي، بسواعد شابة؛ سعت لتغيير مفاهيم كثيرة بألية؛ وخرجت من حزب «الوفد المصري» بعد توقيع معاهدة 1936، وكانت معاهدة تحمل كل صفات الإذعان؛ كمعاهدات واتفاقيات كامب ديفيد ووادي عربة وأوسلو، ودائما ما تجد من يدافع عنها، من الذين ربطوا حياتهم ومصالحهم بالدولة المسْتعمِرة، وما تفرضه من اتفاقيات ومعاهدات وفرمانات وأوامر ورغبات..

 

وأطلق المدافعون عن معاهدة 1936 اسم «معاهدة الشرف والاستقلال».. ذلك الوليد اسمه «الطليعة الوفدية»؛ عبرت عن حراك شبابي وطني، بعد فشل حزب الوفد في حل القضية الوطنية، وعدم إجلاء المستعمر عن البلاد، والغريب أن أكبر المدافعين عن المعاهدة كان الزعيم الوفدي مكرم عبيد؛ مؤكدا على وصفها بـ«معاهدة الشرف والاستقلال»، وسعت «الطليعة الوفدية»، إلى إضفاء البعد الاجتماعي على هدف الجلاء، ولعبت في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية دورا ملحوظا في تغيير توجهات الحركة الوطنية؛ كثفت من ضغطها على حزبها بالمقالات والدراسات والمحاضرات، ونجحت في إبراز أهمية العدالة الاجتماعية للاستقلال الوطني، وضرورة ارتكازه عليها، وربطه بها.

وأشار إسماعيل زين الدين في كتابه «حكاية الوفد» إلى الأزمة الاجتماعية وتدهور شعبية حزب الوفد، ودور «الطليعة» في بث روح جديدة أثرت كثيرا في مسار الحركة الوطنية عقب انتهاء الحرب العالمية الثانية، وساعدت في تكوين «اللجنة الوطنية للطلبة والعمال»، واقتراب «الطليعة الوفدية» من الجماعات الوطني اليسارية في عمل جبهوي أشعل الشارع ضد الاحتلال..

ومع هذه التطورات أضحى حزب «الوفد المصري» كيانا محافظا، ومثلت «الطليعة الوفدية» جناحا تقدميا يقف على يساره، إلا أنها لم تفكر في الانفصال أو الانشقاق عن الحزب الأم، كما كان متبعا، وقبلت العمل كجناح شبابي، واستمرت في دفع الحزب نحو تبني سياسات اجتماعية تقدمية، وهي وإن عجزت عن تحقيق ذلك الهدف، فذلك يرجع إلى عدم قدرتها فرض ما تراه على قيادات الحزب، خوفا منها لجر البلاد إلى ثورة اجتماعية قد تعصف بالنظام السياسي برمته؛ كما هو جار الآن.

وكان لأحد مؤسسي «الطليعة الوفدية» الراحل عبد المحسن حمودة؛ كان له رأي في ذلك عبر عنه في حديث له في صحيفة «المصري اليوم» قبل رحيله بأشهر قليلة فقال: «رغم إيماننا الكامل- كمجموعة من الشباب- بضرورة أن تحقق الثورة عام 1919 آمالها في الاستقلال والحرية والعدالة الاجتماعية لكل أفراد الشعب»؛ أي أنها سعت للعدالة الاجتماعية ولم تنجح؛ حتى مجيء ثورة يوليو 1952. وجعلت العدالة الاجتماعية قاعدتها الأساسية.. وأضافت إليها البعد القومي الوحدوي.. فاكتملت الأهداف الوطنية العربية.. وهي الآن تحتاج لإحياء وليس الاستنساخ؛ كما يسعى البعض.. وهو سعي نحو الفشل.

عن صحيفة القدس العربي اللندنية

0
التعليقات (0)