كتاب عربي 21

وعلى الإنسانية السلام.. أحداث كاشفة (17)

سيف الدين عبد الفتاح
1300x600
1300x600
من المؤسف حقا أن نعيش في عالم صارت الأمور معه على نحو آلت إليه؛ بأن تقوم تلك النظم بتهديد معارضيها بالقتل ولا يحرك العالم ساكنا. فالنظم المستبدة التي احترفت من خلال علاقات مصلحية تقوم ليل نهار بانتهاكات ممنهجة للحقوق الإنسانية والسياسية، لتعبر بذلك عن مشكلة شديدة الخطورة.

فحينما يقوم أحد المستبدين بالتخطيط لقتل أحد الصحفيين الذي أعلن بنفسه أنه ليس معارضا للنظام، بل هو ناصح في بعض الأمور، فإن نظاما يمثله محمد بن سلمان لم يتحمّل ذلك وخطط ودبر لاستدراج ذلك الصحفي (الشهيد جمال خاشقجي) إلى قنصلية دولته على أرض دولة ثالثة في تركيا (اسطنبول)؛ لينصب رجاله فخا للصحفي، فيقوم أكثر من 18 مسؤولا من أجهزة مختلفة بإدارة عملية القتل والتقطيع وإخفاء جثة الصحفي؛ في عملية إجرامية مخططة بأوامر من أعلى درجات السلطة في المملكة العربية السعودية.

يتم كل ذلك باستخفاف واستبداد واستهتار وتواطؤ من الدول الكبرى بأسرها، بالإعلان ببجاحة منقطعة النظير أنه لا يمكن لتلك الدول، وعلى رأسها الولايات المتحدة، أن تتخذ موقفا سياسيا لائقا لأسباب مصلحية.

هكذا هي حقوق الإنسان لدى تلك الدول التي صدعت رؤوسنا المرة تلو المرة بدروس وعظات في قضية الديمقراطية والحقوق الإنسانية، فإذا بهذا التواطؤ المريب يتزلف قربى من سفاح تباهى بمنشاره وقطع أجزاء ضحيته؛ مسميا البعض هذا تخفيفا لجرم فادح بأنه تجزئة لجسده.
  
ولكن تركيا، في إطار حماية سيادتها وحماية مكانتها، أكدت بأعلى صوتها أن الحساب واجب، وأن التحقيق الدولي ضروري لازم. ثم صدر تقريران من مفوضة الأمم المتحدة بلجنة حقوق الإنسان في جنيف؛ لتؤكد مسؤولية السعودية (الدولة) عن تلك الجريمة بحق أحد مواطنيها، في إطار توصيف لا يدانيه شك للقتل خارج إطار القانون؛ ليعبر ذلك عن إدانة دولية من منظمة حقوقية أممية، لتدين القاتل وتدين من يحاول طمس تلك القضية، مع توفر الركن الإجرامي فيها ووضوح الجانب الحقوقي بصددها.

ثم يمرح الذي أمر بالجريمة بزيارات هنا وهناك، ويتقرب منه من يتقرب، ويحضر اجتماعا للدول المسماة بالدول الصناعية الكبرى في قمة العشرين، ولا يتحدث أحد عن تلك الجريمة النكراء، إلا أن يقوم الرئيس التركي بإعلان ذلك بالحدة الواجبة والكلام الواضح والفاضح ليقرن بين جريمتين: جريمة اغتيال جمال خاشقجي وجريمة اغتيال الرئيس مرسي؛ الذي اغتاله النظام الانقلابي في محبسه وعند محاكمته، عندما سقط مغشيا عليه، وذلك ضمن عملية قتل ممنهجة إما بالشكل المتعمد؛ وإما على نحو يتخذ من أشكال القتل البطيء في إطار الإهمال المتراكم لصحة الرئيس في محبسه، والعمل على اغتياله بكل صنوف الاغتيال، بطيئا ومتعمدا، معنويا وماديا.

قالها الرئيس التركي أمام زعماء تلك الدول الصناعية، وأمام من قام بالقتل وأمر به، ومع ذلك بدا ذلك التواطؤ مجرما وفاجرا، فلم يعقب هؤلاء ضمن مؤامرة حيكت، رغم الكلام المباشر، وفي إطار شعارهم "دعه يتكلم دعه يمر"، في موقف يلفه الصمت المريب والتواطؤ العجيب. 
  
إن هذه النظم الفاشية، بما تقوم به من أعمال انتهاك ممنهجة وقتل متعمد مع سبق إصرار وترصد لهذه الشخصيات وغيرها، إنما يعبر عن تلك الحالة الفاضحة التي وصلت إليها حالة حقوق الإنسان، والتي لم تنل التحرك الواجب بصدد قيام المستبدين باعتقال المعارضين وإيداعهم السجون، وتلفيق الاتهامات لهم ومطاردتهم في الداخل والخارج. صار ذلك للأسف منهجا وديدنا في ظل هذا التبجح من تلك النظم الفاشية وممارستها الفاجرة، وفي ظل ذلك التآمر بالسكوت والتواطؤ على مثل هذه الجرائم في حق الإنسانية، وفي حق الشعوب التي استأسدت عليها تلك التسلطيات الفاشية، فصارت تلك الفاشيات لا تقيم حسابا ولا تأبه لاتهام طالما أنه لا يقوم أحد بالمطالبة بالحساب، لتبقى مستثناة من أي عقاب. وتمر الجرائم وتتوالى الانتهاكات والاغتيالات من دون أي حركة تكافئ هذا الجرم الكبير بالاستخفاف بحرمة النفس الإنسانية والأرواح البشرية، لا لشيء إلا أن يقوم هؤلاء بحماية كراسي طغيانهم وتقديم الرشاوى المادية والسياسية من نظمهم لبعض الدول كثمن لمؤامرة الصمت وتواطؤ السكوت، وبات كل ذلك يُبرر بأسباب واهية وببجاحة عالية بالحديث عن أنه لا يمكن الاستغناء عن أموال هؤلاء الطغاة، في ابتزاز رخيص وصمت وتواطؤ أرخص.
  
إن تفاقم هذه الحالة الإنسانية يؤكد المرة تلو المرة أن هذا صار منهجا لهذه النظم الفاشية؛ لا يعنيها رأي عام داخلي أو رأي عام خارجي، ومن ثم فلا عجب أن ترى وزيرة تمثل منظومة الانقلاب لنظام الثالث من تموز/ يوليو، التي تعتلي منصبا لوزارة الهجرة وشؤون الخارج، وقد عقدت اجتماع مدبرا بحضور بعض المصريين الموالين في كندا، فتنطق وتهذي بعبارات تنضح بالفاشية؛ حينما يأتي على لسانها تساؤل تطلب من الحضور الإجابة عليه، بأن من يقوم في الخارج بالانتقاد فأي مصير ينتظره؟ قالتها وبلا مواربة، وبشكل واضح نضح بالبجاحة والفاشية: "يتقطّع"، نسبة إلى "نموذج خاشقجي" الذي قُطّع جسده بعد قتله، أو بعبارة بعض هؤلاء تمت تجزئة جسده. ولم تكتف الوزيرة بذلك، بل أشارت بيدها على رقبتها بإشارة الذبح الواضحة الفاضحة، لتكتمل لغة اللسان الواضحة بلغة الجسد الفاضحة؛ فتقدم ذلك النموذج المعتمد لدى تلك النظم الفاشية، حينما تؤكد أن مصير معارضيها في الخارج ليس إلا التقطيع أو الذبح، أحدهما أو كلاهما معا.

ومن المؤسف حقا، رغم وضوح الكلام وإشارة الجسد، أنها أنكرت واستنكرت وقالت إنه لا مشكلة في كلامها؛ إنما المشكلة في من تربص بها. وفي اتهام معتاد، أن الصحفي الذي تربص وصوّر الفيديو الذي انتشر على وسائل التواصل الاجتماعي؛ هو إخواني لئيم. وصرنا نتعامل في منطقة استخفاف بالأرواح الإنسانية والنفس البشرية، استخفاف لا يتعلق فقط بالكلام، ولكنه يتباهى بهذه الممارسات الفاشية بمرجعيتها المنشارية في التجزئة والتقطيع.

فهذا هو المصير المعتمد والمتعمد لمعارضي الخارج الذين قد تحدثهم أنفسهم بأنهم قد أفلتوا من قبضة نظام فاشي، فما بالك بالذي لا يزال يعيش على أرض وطن تحول إلى سجن كبير؟ ويغطي كل ذلك فعل الصمت والتواطؤ المريب في نظام دولي أصبح يقبل بهذا الفعل، بمقابل الرشاوى من أموال نهبها الطغاة من شعوبهم ليعطوها لأسيادهم، في عملية ابتزاز كبرى لشعوب تهدد بالتقطيع والترويع والتفزيع والإفقار والتجويع.

يحاول هؤلاء أن يطبعوا هذه الشعوب كقطيع، ويشتروا بأموال شعوبهم صمت هذا العالم، فيكون ذلك عملا فاشيا مركبا صرنا نعيشه؛ لا يأبه لحرمة إنسان ولا لكرامة كيان، طالما أن كرسي الطاغية والطغيان في أمان وسلام.. وعلى الإنسانية السلام!!
التعليقات (0)