قضايا وآراء

بين الهند وفلسطين: في الوطن تكثر وجوه الشهداء والجرحى

مفاز أحمد يوسف
1300x600
1300x600

بعد خمس سنوات من الغربة والغياب عن الوطن، عدت إلى زيارة أهلي في قطاع غزة. أشياء كثيرة شدّتني إلى حيث نشأت وترعرعت في حواري المخيم، إلى وجوه الناس التي تعتليها نظرات وتأملات مشبعة بالعزيمة والإصرار وبالصبر والمصابرة، ولا تكاد تجد لها مثيلا في غير وطنك وبين أهلك.. تقرؤها في عيون حشود الشباب وحركاتهم الوطنية التي تملأ الساحات؛ سواء أكان ذلك في انطلاقات الفصائل أو في هبَّات مسيرات العودة وكسر الحصار.


مشاهد تُشعرك بأنك في بلد يضج شعبه بالحيوية والحياة والثورة، برغم الحالة المأساوية التي عليها الكثير من الناس، حيث حط الفقر رحاله، وأخذت المسغبة من عافية الرجال، وأوجعت الحاجة كرامة الحرائر وأخت المرجلة.


نعم؛ مع هذه الصور والملامح الحزينة، حيث شبح البؤس وقسوة المأساة طالت الكثيرين من أهل غزة، إلا أن روح الصمود والتحدي لها مشاهدها وتجلياتها، التي تجعلك تفخر بأنك من شعب الجبارين، ومن هذه الأرض المباركة للعالمين.


بعد خمس سنوات من الغربة والغياب بعيدا عن أرض الوطن، حيث شمسه التي لا تغيب عن نبض حياتي وأحلامي، عدت إلى غزة العزة لأروي ظمأ البعاد عن الوطن، زرت الجميع من الأهل والأصدقاء، وتفقدت أماكن دراستي وعملي، وأعدت إحياء مشاهد الوطن، الذي تزينت لوحاته بكل ما يشدك إليه، ويدفعك لأن تعيش لكي تخدمه حتى وأنت بعيد عنه.


قد تكون الهند جغرافيا بعيدة عن فلسطين، ودلهي باكتظاظها وخراريف أهلها وروحانيتها وضجيجها تختلف كثيرا عن قطاع غزة، ولكن نحن جيل الوجع والألم والاحتلال جلبنا الوطن ليعيش معنا، ونأنس به في كل تفاصيل حياتنا، فكان قطعة من حياتي أتنفسه صبح مساء، وكان جزءا من شخصيتي التي ترسمها الكوفية والعلم الفلسطيني، وثروتي وقيمي التي أهديها لزوجي وأولادي.


فلسطين في مطلع الشروق ومشهد الغروب، هي لوحتي التي أعشقها، وأفهم منها منطق تداول الأيام وحكايا السنين، وأمل العودة لأرض الآباء والأجداد.


في آب/أغسطس عام 1947، عاشت بلاد السند والهند الكثير من المشابهات التاريخية مع نكبة شعبنا في أيار/مايو 1948، حيث كان التشرد واللجوء والرحيل وصور الموت والإبادة الجماعية في شبه القارة الهندية، التي راح ضحيتها قرابة المليون من القتلى، وأكثر من 14 مليون شخص شردهم العنف الطائفي والصراع الديني، في مأساة إنسانية شكلت كما هي نكبتنا واحدة من أفظع الجرائم بحق الإنسانية، التي ارتكبتها بريطانيا بحق شعب كالهند حكمته لأكثر من ثلاثة قرون.


فلسطين الأرض المباركة هي جرحنا الدامي، وقدسها وأقصاها وكنائسها وكل ما فيها من آثار دينية وحضارية هي تاريخنا، والجوهرة المفقودة لشعوب أمتنا العربية والإسلامية، التي كان لبريطانيا الاستعمارية اليد الطولى لكل ما حلَّ بنا من كوارث ونكبات، حيث كان وعدها المشؤوم لليهود الصهاينة في تشرين الثاني/نوفمبر 1917، الذي أدى إلى تهيئة الظروف لحدوث نكبة 1948، التي تسببت بهجرة وتشريد أكثر من 700 ألف فلسطيني عن أرضهم وديارهم. كانت بريطانيا -الدولة الاستعمارية -هي لعنة القرن العشرين للكثير من الشعوب والأمم، ومنها الهند وفلسطين.


لقد حاولت وأنا أشاهد هبّة الشباب في مسيرات العودة وكسر الحصار على الحدود الفاصلة بيننا وبين الشطر المحتل من الوطن، أن أتناسى مشهد الحسرة والمآسي، وأتجاوز محطات الألم في مسيرة شعبنا العظيم، التي امتدت لأكثر من سبعين عاما، ما بين واقع عشناه ورواية سمعناها، تحمل صفحاتها من جماليات النضال وصور التضحية والفداء ما نفخر به ونعتز، كما أن هناك من بشاعات جرائم الاحتلال وانتهاكاته الإنسانية ما لا يمكن أن نغفل عنه أو ننام. 


وبينما كنت أقف مع الآخرين بنشوة وحماس نطالع بطولات الشباب، والجرأة في تحدي جيش الاحتلال على السلك الفاصل، وعلى مسافة صفر من خط العودة الحدودي، كانت غريزة الرغبة تدفعني للمشاركة ولو بحجر في وجه الصهاينة المعتدين.


ومن نافلة القول، إنَّ وجودك وسط حشود مسيرات العودة وكسر الحصار يمنحك الشعور بالانتماء للوطن في أبهى تجلياته، ويُنسيك المخاوف من خطر القتل أو الإصابة، حيث إن قطاع غزة هو لوحة تكثر فيها وجوه الشهداء، فأينما وليت شطرك على جداريات الوطن تطالعك تلك الرسوم الجميلة لأهل التضحية والفداء، كما أن الشوارع لا تغيب عن حراك الناس فيها مشاهد الجرحى والمصابين، فبحسب التقرير الأخير الذي أصدرته منظمة أطباء بلا حدود (MSF) في قطاع غزة الماضي، فإن أعداد الجرحى الذين تلقوا العلاج داخل عياداتها أو المستشفيات التي تدعمها بلغت 350 إصابة في العام 2017، وأن الأعداد ارتفعت من 31 آذار/مارس وحتى نهاية تشرين الأول/أكتوبر الماضي إلى أكثر من  3117 إصابة.  


إن حقيقة قطاع غزة أنه خزَّان الوطنية الفلسطينية بامتياز، فأينما تحركت في داخل شوارع المخيم أوفي الميادين العامة في ساحات غزة وخانيونس وجباليا والبريج والنصيرات، تقتحم صور الجرحى والمصابين مشاهد الرؤية بملامح إنسانية مؤثرة لا تخطئها العين، وعندما تقترب وتخاطبهم أو تزورهم في أماكن تلقي العلاج كعيادات "أطباء بلا حدود" أو في مستشفى الشفاء، تسمع منهم لهجة الرجال بكل ما تحمل من ثقة وإيمان وعزيمة وإصرار، يقولون لك: الوطن من أجله كلُّ شيء يهون، فلسطين غالية علينا، ومهرها الانتصار أو الشهادة.


في الحقيقة، وأنت تتنقل في قطاع غزة تطالعك مشاهد تجعلك -رغم بؤس الحياة واتساع حالة المحتاجين- تشعر بأنك في بلد يضج شعبه بالحيوية والثورة والشباب. إن روح الصمود والإصرار والتحدي هي عناوين شعب الجبارين في قطاع غزة، ومثله الكثير في الضفة الغربية.


عندما مارست إسرائيل عدوانها الأخير على قطاع غزة، ردت المقاومة بعملية "حدّ السيف"، التي أوجعت الصهاينة وأرعبت قادتهم. نعم؛ الطائرات الحربية ارتكبت الكثير من الجرائم الإنسانية حينما دمرت عددا من الأبراج السكنية، التي ذكرتني أصوات الانفجارات وصواريخ المقاومة ليلتها بالحروب الثلاثة السابقة التي عايشتها وأنا بين أهلي، حيث كان ردُّ الفعل المقاوم والاستجابة على مستوى التحدي، بل وكان التحذير الذي أرسلته غرفة العمليات المشتركة لساسة إسرائيل "إن زدتم زدنا". ليلة عشتها ساهرة مع أهلي طوال الليل نتابع "مسرح المعركة" من فوق المبنى، ونتابع من على شاشات التلفزة حجم الدمار الذي ألحقه طيران الاحتلال بقصفه الهمجي لقطاع غزة، ولكن كان لعملية العلم ونسف الباص العسكري مذاق متميز، شعرنا معه بكل ما يشفي الصدور، حيث لم ينتبْني الخوف ولا حتى القلق، ولكني عشت يومين سبق لي أن مررت بمثلها، ولكن كان ذلك في عمر يكثر فيه الخوف والفزع.


إن قطاع غزة هو جزء من وطني وأرضه المباركة، فيه الكثير من ذكريات طفولتي وأهلي، فكم هو حبيب لقلبي، كما الهند التي فيها فلذة كبدي.


0
التعليقات (0)